هل تحتاج الثقافة العربية إلى عمليات تجميل ؟

إستطلاع  يكشف الوجه الأكثر قبولاً

هل تحتاج الثقافة العربية إلى عمليات تجميل ؟

محمد القذافي مسعود

للثقافةِ وجوهٌ عدة يحتاجُ المرءُ منّا أن يراها بكلِّ أشكالِها وحالاتِها؛ ولكي يراها كاملةً يجبُ أن يتعرفَ عليها جيدا ويعرفَ شكلَ العلاقةِ معها. فالعلاقةُ مع الثقافةِ تَتَطلبُ مهارةَ التواصلِ والمعرفةِ العميقةِ لكل التفاصيلِ والاتجاهاتِ ، من هنا ربما أدركنا أهميةَ ماتمرُّ به الثقافةُ العربيةُ في السنواتِ الأخيرةِ من الألفياتِ من ظروفٍ لها أشكالياتُها وتعقيداتُها على كلِّ المستويات ..وأبسط ماتحتاجُه هوتشخيصُ حالتِها للوصولِ إلى قرارِ تجميلِ ماتشوهَ من وجههِا الجميلِ ..هذا إذا ماتأكدنا حقا أنها تعرضت للتشويه. ومن ثم هي تحتاجُ إلى عملياتِ تجميلٍ ..السؤالُ هنا طرحناه على عدد من الأدباءِ والكتّابِ العرب .

الثقافة وفعل الهوية

منال فاروق / باحثة وقاصة من مصر تاريخيا نحن على مشارف انتهاء العقد الثاني من الألفية الجديدة، وما زلنا نطرح نفس الأسئلة التي كان من المفترض حسمها من منتصف القرن الماضي أوعلى أقل تقدير مع نهاية القرن المنصرم، خاصة مع الطفرات المالية، وقبلها  الحراك الثقافي الذي طرح فى عواصم مثل القاهرة، والمغرب العربي ودول الهلال الخصيب.وهنا يطرح سؤال ملح هل كانت هذه حقا تحركات ثقافية وأدت؟ أم هي مجرد هبات تأثرت بالحراك الثقافي والمجتمعي الدولى ولم يكن هناك شيء أصيل؟! أم كان تأثير طفرت البترودولار كبيرا مما أدي إلى وأد هذا التحركات مع ماخاضته المنطقة من حروب بفعل القضية الفلسطنية تارة، وبفعل نعرات من العزه الواهمه تارة آخرى!!كل ما سبق وأكثر، مع ما يعبر العالم من تغيرات فى المنظومات الاقتصادية والإجتماعية والثقافية،  يجعلنا نقف لنعيد ترتيب أوراقنا، لنعبر نحومنتصف الالفية الجديدة بروح مختلفة وبقوة فعل حقيقية على الأرض، لا كمتلقين لما تجود به قريحة الشمال المتمدين، من علوم ومعارف يشارك فى صنعها عقول الجنوب التي تفر هاربة بفعل التقزيم لها.على هذا اين نحن؟ وهل نحن بحاجة إلى عملية تجميل ثقافية أم صدق مع النفس؟أظن أننا بحاجة إلى صدق مع النفس، وصدق صارم، يحدد اولويات كل مجتمع فى سباق سوق المعلومات والتصنيع الثقافي القادم، ذلك أننا بحاجه إلى فهم أننا كمنطقة يجمعها  بعض متشابهات، ويفرقها عناصر كثيرة، كلا هذه العناصر بحاجه إلى مكاشفه وصدق حتى نعبر إلى آفاق اكثر رحابة ووعي بما نريد.هذه المكاشفه تحتاج إلى دراسة واعية للمجتمعات وتطورها، وأيضا تحرير للعلوم الانسانية من سطوة تقديس اللغة، والخوف الملازم لنا من مجرد القاء حجر فى المياة الراكده التي تضرب فى جذور الفكر الذي تحجر فبات مطية لكل متشدد.

خالد المغربي / شاعر وكاتب من ليبيا

الثقافة العربية لا تحتاج عمليات تجميل لأنها جميلة وكلما تقدم عمرها ازدادت جمالا ماتحتاجه ثقافتنا العربية هواحترام (المثقف) لها أولا .. فنحن أمة ثقافتها دسمة جدا وتحتاج عقلا رياضيا مرنا أصيلا فالاطلاع والقراءة وتتبع الجديد القيم هي أشياء تخلق لياقة ومرونة للأفكار ويسهل على المثقف الحقيقي أوبالأحرى الأديب أن يبني قصور معرفة تجد في أعماله التي أسس قواعدها بنيت بمواد قوية ليست هشة … ولكن ثقافة الادعاء أوادعاء الثقافة للأسف في الفترات الأخير أعتبره تشويه للثقافة الحالية أو(للمثقف) الجديد الذي عقله ليس مرنا ولا رياضيا لذلك لايستطيع تحمل ثقافتنا العربية الجميلة الدسمة لانه تعود على التعامل مع العصر بسرعة العصر فعقله غير القادر على استيعاب ثقافتنا العربية الدسمة هوعقل تعود على المنشطات المستعجلة وهي بعض الجمل الركيكة وطلاسم يتم بها التستر على تجوف المضامين مما انتج ثقافة حديثة مشوهة … اما ثقافة العرب عظيمة وجميلة وهي تزداد جمالا كلما ازداد الادعياء الجدد تبشعا..

تغريد فياض / شاعرة من لبنان

تمر الثقافة العربية كما الأمة التي تنتمي اليها بمنعطفات زلقة وخطرة جدا . اولا التغييرات الاجتماعية الكبيرة جدا وثانيا التغييرات السياسية والتي ارى انها حدثت وما زالت تحدث بسبب التغييرات الاجتماعية الصارخة الناتجة عن التقدم التكنولوجي في العالم . فحين اصبح العالم قرية صغيرة بسبب تطور الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي-حدث التغيير الكبير في نفوس الشباب والاطفال من بعدهم يسيرون على نفس الخطى مالم ينتبه الاهل الى ضرورة تغيير طرق تعاملهم مع اطفالهم . لا اقول ان الثقافة العربية تحتاج الى تجميل بل الى عمليات زرع اعضاء واستبدال الاعضاء الفاسدة -التي وصلت الى حال متردية في اغلب البلاد العربية نتيجة استسهال بعض الاهالي لترك ولادهم فريسة لادوات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. هنا فقط حدثت الفجوة البغيضة بين اغلب الاهل واولادهم -حين راى الطفل انه ملم بالتكنولوجيا اكثر من اهله -فسقط جزء كبير من حاجز الرهبة والتقدير المطلوبين بينهما حتى يصل الطفل للنضج وسن الامان . وأصبح الطفل يلجأ لاقرانه في المدرسة اوالنادي وهنا كانت السقطة الثانية -حيث ابيح لهم الوصول الى ما لايمكن لعقولهم الصغيرة استيعابه. ربما اطلت في الجانب الاجتماعي لانه كان السبب الرئيسي في حدوث المشكلة الكبيرة من انحدار المعايير الثقافية. عندما كنا صغارا كانت القراءة جزءا كبيرا من نهمنا لمعرفة العالم ومحاولة استيعابه- ومن ثم التعبير عن فهمنا هذا واحلامنا بالكتابة , فكانت الثقافة من الستينات حتى الثمانينات في ابهى عصورها في العالم العربي بالتوازي مع منظومة القيم والاخلاق التي كان اغلب الاهل يحرصون على زرعها في وعي اولادهم. اذا الاهل في الاسرة العربية هم من بحاجة الى عمليات تجميل حتى يحافظوا على الاجيال القادمة- بعد ان فقدنا اغلب شباب هذا الجيل امام معركة اللاثقافة والقبح -اقول اغلب طبعا ولا اعمم -لان هناك نماذج رائعة من المبدعين والمثقفين العرب الشباب -على قلتهم طبعا .

مُسيَّد المومني كاتبة من الأردن

اسمح لي بإجابة سؤالك، بسؤال؟

إن كان الداخل مشوها، فما فائدة عمليات تجميل تلامس المظهر ما دامت البشاعة ستمكث فيما نظن أنه الجوهر الذي هومحتوى النتاج الثقافي بكافة أجناسها الأدبية؟!. وللأسف نقول بأن كثيرا ممن يدعون الثقافة ربما يهتمون ببهرجة أغلفة الكتب، ويتخيرون العناوين البراقة لجذب انتباه القراء فيما يظنون، أكثر من اهتمامهم بمكنونات المنشورات، وهذا يقودنا إلى أن الثقافة العربية تحتاج إلى اهتمام بالعمق، وأولها إحياء اللغة العربية كأجدى خطوة لتمكين المنتج الثقافي حيث اللغة محمل الفكر، ثم التركيز على مصادر استسقاء الثقافة المرجوة والاهتمام بماهية المعلومات الموثوقة، ومن بعد البحث عن منابع وأصول الثقافة، أوالبناء على ما هومتوفر وتطويعه ليواكب التغييرات الفكرية المتسارعة.وللأسف مرة أخرى نقول بأن الثقافة العربية تقوم على الأطر الشخصية الضيقة، سعيا لتحقيق بعض الشهرة الإعلامية التي لا تدوم طالما أن المثقفين يأنفون من النقد الأدبي الحصيف، ويبتعدون عن مزاولة حرفة الكتابة بضمير الأمة، ويكتفون فقط بعدد الإصدارات واقتناص الثناءات ممن يحظون بصحبتهم.أخيرا يمكن القول بأن الثقافة تحتاج إلى  توسيع مدارك المثقفين، وزيادة اطلاعهم، والتأكيد على كل ما سبق بغرس بذرة الهم العام كرسالة أخلاقية وإنسانية في الضمائر قبل العقول، فلا يمكننا أن ننتظر صلاح حال الثقافة شكلا طالما أن الجسد من داخله وبكامله موبوء.

عاصف الخالدي / روائي ومترجم من فلسطين

الثقافة جسد الحضارة، ولا أريد تكرار ما نعرفه ويعرفه كثيرون عن الأزمة التي تعانيها الثقافة العربية، ما خطر لي مباشرة من خلال سؤالكم، هوأن الثقافة في أبسط معانيها تعني التعامل مع مفردات الحياة كلها. مفرداتنا الحياتية اليوم، يغلب عليها الديني والسياسي، وبما أن الثقافة مسألة تراكمية، فهذا يعني أن أزمتنا التي نعانيها اليوم، لها جذور ماضوية عميقة. ولواختزلنا ماضينا كله وبقينا في حدود قرن من الزمان، لرأينا ببساطة كيف تم تمزيق الثقافي لصالح الديني والأيديولوجي والسلطوي بدلاً من أن تقوم الثقافة باحتواء كل الأفكار والمفاهيم والمعتقدات. إن منطلقاتنا للتعامل مع الثقافة في العالم العربي لا يمكن أن تأتي من دوافع إنسانية بحتة، إنما تخضع لطائفية ما، عرقية ودينية أوسياسية. ظهر هذا جلياً في أحداث (ثوراتنا الأخيرة). حيث تم اختزال مفهوم التحرر بالقتل المتبادل، بالهدم، بالتهجير، ومحوهوية المكان والزمان. أزمة الثقافة تتجلى هنا في سلب هوية الإنسان العربي وتحويله إما لقاتل أوقتيل. الثقافة العربية برأيي ليست بحاجة لعملية تجميل، كما إنها ليست بحاجة لهدم كلي بالطبع، فاللغة والدين والأدب الذين يشكلون عتاداً لأي حضارة، موجودون جميعاً، كل ما نحتاجه هوتمكين الإنسان العربي من إنسانيته، حتى نعطي للثقافة فرصة لكي تحتوي كل هذا العتاد وتتطور. الفكرة أنه لا يوجد للثقافة العميقة دور في حياتنا اليومية، لأن الثقافة مسألة مرنة ويومية وتتغير وتتطور في كل لحظة، وتكمن قوتها في عدم مركزيتها وخضوعها لأي سلطة سواء سياسية أومقدسة. المساحة لدينا متروكة للخراب، ولتقويض الذاكرة، بدءاً من قصف البيوت والأشجار والأطفال، وانتهاء بربط النصوص الأدبية كلها بنص واحد مقدس يخضع للتطويف. لا يمكن للثقافة أن تتطور بتقويض الذاكرة، ولا يمكن لها أن تتطور، ونحن نتجه إلى المستقبل مثل أشباح قادمة من الماضي. لا مكان للأشباح في المستقبل. أظن أن غياب مشروع دولة عربية مدنية حقيقية منذ استقلال معظم الدول العربية، له دور أساسي وعميق في استمرار هذه الأزمة. وإبقاء الغلبة للتفريق الذي يخدم مصالح سلطوياتها. في الواقع، أن نكون فاعلين ومنتجين ثقافياً، لا يتوقف عند حدود إنتاج الادب والفكر وقراءة الكتب، ما نعاني منه منذ بضعة قرون يتراكم الآن، وهوإبقاء هذه الأفكار والفلسفات ( هذا إن أنتجنا أي فلسفة)، وإبقاء الكثير من مشاريعنا الأدبية والإنسانية حبيسة الكتب.  هذه المنتجات الثقافية يجب أن تكون أساساً في حياة إنساننا العربي. وحده الأدب برفقة الفكر يمكن أن يصنع لنا قوانينا ودساتيرنا القادمة، لا يمكن للثقافة العربية أن تخرج من أزمتها سوى بخروجها للشارع، وأن تكون بديلاً عن كل ما هومطروح، من سلاح واستغلال وسلطوية دينية وسياسية تعتاش منها محطات الأخبار، أفكر أحياناً بأن الإنسان العربي لوتأخر عن حضور نشرة الأخبار ورؤية كل مصائبنا فيها، فإنه تأخر لأنه خرج، إما قتل، أوقُتل!. كل ما أتمناه، هوأن يكون قد توقف ليقرأ كتاباً أويشاهد لوحة، المسالة بكل بساطة، هوأن أزمة الثقافة العربية تكمن في إبقاء الثقافة في قبرها الذي يحرسه رجال السلطة والدين، أنا متأكد أنها تستطيع العودة إلى الحياة، وأن تنموبسرعة وعمق. بمجرد إخراجها.

فاطمة نداف / كاتبة من سوريا

كثيرا ماتشوّه عمليات التجميل النسخة الاصلية ..وان نجحت فمن المؤكد انها تفقد ملامحها الاولية ..فما المقصود من عمليات التجميل لثقافتنا التي دُمّرت ومثحيت وفق خطط مسبقة وهل بقي لدينا ثقافة بعد ان اختلطت علينا المفاهيم ،وبعد الانفتاح الرقمي المُشفّر بثقافة تخدم العولمة ؟؟

لم يبق لدينا ثقافة عربية حتى وان وضعنا لها المكياج وأجرينا مئات عمليات التجميل عليها ..مايلزمنا الآن فتح نوافذ العقول حتى تعود لوعيها وتصحومن اغمائها لتبني ثقافة تتلاءم مع واقعنا وحياتنا

خيري جبودة / شاعر وكاتب من ليبيا

السؤال يفترض وجود اثار للشيخوخة اوالمرض فى جسد اوكيان الثقافة العربية .. واعتقد ان الثقافة العربية بحاجة الى استخراج سجلها العائلى وتاريخ ولادتها لانها برأى لا تحتاج الى عمليات تجميل بقدر احتياجها لعلاج نفسي يعيدها كي تعرف جيلها الحقيقي وما تحتاجه كى تفهم هذا العصر لانها ثقافة مصابة بالتوحد .. هذا من جهة الفكر .. ومن الجانب الاخر للثقافة العربية فى مجال اللغة والنقد فاني اعتقد ان الثقافة العربية لا تزال معاصرة فى مجال الدراسات اللغوية والنقدية التى قام بها عظماؤها امثال الجرجانى، والازمة العميقة فى ثقافتنا العربية اننا لم نعرف من منجزها الكبير الا اجزاء صغيرة كان من بينها ما حققه المستشرقون ..

سعيدة تاقي / روائية وباحثة جامعية من المغرب

أظن أنه من الضروري قبل التأسيس لفكرة مدى حاجة الثقافة العربية لعمليات التجميل أن نتساءل ماذا نقصد بالثقافة العربية؟ وللتخصيص ماذا نقصد بالثقافة العربية بدون مواد حافظة أومحسنات الطعم المضافة أوإخراج فني فخم أوبهرجة إشهارية؟ هل مازال لدينا في عمق التجاذبات والتفاعلات والانفتاح المعولم والقيم العابرة للقارات ما يمكن تخصيصه بتوصيف “عربي” بالفعل؟

ما نواكبه حاليا من “ثـقافة” هي ثقـافات متداخلة وملتبـسة وعابـرة للحـدود والجـمارك واللغات، يصعب حصرها أوتحديدها أوالإقـرار في شأنها بحـكـم واحد تعـميـمي. فمنها الـوافد والأصيل والصـادق والمـصنَّـع والواقعي والتسويـقـي والجوهـري والعرضي والحـقـيـقي والمزيـف والـثـابـت والمـتغـيـر والـعـام والـخاص والـنخـبـوي/الـفـئـوي والشعبي/ الممتد…وفي ظل التباس الصور والنسخ والظلال لا يمكن أخذ البعض بجريرة الكل، مثلما لا يمكن أخذ الكل بجريرة البعض.لكن لنترك قليلا إشكال الخصوصية الذي لا تكاد تسلم من تبعاته في عصرنا الراهن أي هوية وأي ثقافة، ولننظر في “الثقـافة” ذاتها التي ننتمي إليها ونحن نصنعها وتنتمي إلينا وهي تصنعنا. إن الوضع لا يسلم من “تـذويت” وإن رمنا الموضوعية منهجا ورؤية.إن الثقافة هي ذات وهوية قد نركن إليها ونؤمن بها وننتسب إلى أركانها، وقد ننتقدها أوننكرها أونجافيها أونخاصمها وندعي لذواتنا ثقافة أخرى غيرها. وهوالأمر الذي يلوح جليا كلما قاربنا خواص الثقافة داخل المجتمع الواحد من جيل إلى آخر، فكلما اتسعت المسافة “الجيلية” بين الأفراد تغيرت القيم والمنظورات والأولويات، ليس من منطلق أن ما يؤمن به جيل ما قد لا يؤمن به جيل آخر، وإنما من منطلق أن السرعة التي يشيِّد بها العالَمُ حاليا جديدَه ومتغيِّرَه وابتكاراتِه لا تعاصرها كل الأجـيال المختلفة بالوتيرة نفسها، مما يخـلُـق على مستـويات التلـقي والتجـاوب والاندماج والانشـغـال والإيـمـان والسـلـوك مَـدارجَ ومسالك قد تبلغ أحيانا حد التنافر والتعارض والتصارع. إن الثقافة ليست حكرا على المثقفين وليست شأنا للمُحلِّلين أوالمُنظرين فحسب؛ تعالَج بين دفات الكتب ورفوف المكتبات وعلى منابر الندوات وفي فصول الجامعة وبين أوراق المكاتب والمديريات والدواوين. إنها شأن يعاش يومياً، وحياة تُفرز قيمها الاجتماعية والنفسية والفكرية والجمالية والدينية والسياسية والاقتصادية بشكل متواتر ومتلاحق، يصعب أحيانا الإلمام بطَـفْـراته وتستحيل الإحاطة بكل حيثياته واشتراطاته. لأجل ذلك يحـيا المـثـقَّـفُ شأنه شـأن الإنـسان الذي لا تشغله هموم الثقافة الأوضاعَ نفسها، وتصلهما معا المعطيات ذاتها ربما في اللحظة ذاتها، بحكم التـحرير الإعـلامي والتحرُّر المعـلوماتي والنشر الإلكتروني وتعدد الـوسـائـط والأقـمار الصناعية والنواقـل المعرفية والإعلانية والإعلامية. لكن بينما يعـمد الأول إلى موازاة الحـياة الثقافية بالتحليل والتـأمل والتفكيـك والحفـر والاقتراح التنظير والاستشراف. يكتفي الثاني باستهلاك السائد أوبما يصل قدراته الاستقبالية من إنتاجات اللفيف الأول وتنظيراته وتحليلاته.بيد أنه وفي عمق هذا التباين بين الأفراد والأجيال والفئات والمنظورات تـؤسِّس الثقافة تعدُّدَها و”تُـمَـأْسِسُه” بشكل رسمي أوبشكل غير رسمي. فليست وزارة الثقافة هي التي تسيِّج بدواوينها “مَأْسَسَة” الثقافة الموسومة بـخصوصية ما. وليست المؤسسة الرسمية بمفردها من تسعى إلى تجميل “الوجه البـئـيس” لـما يحظى به الـشأن الثـقـافـي من اقـصاء وتهميش وتضييق على الجوهري وتضخيم وتصدير وتمويل للتافه، بل كل المتدخلين في إنتاج “الخطاب الثقافي” أوترويجه أوتداوله أوتسويقه أوالدفاع على قيمه أوالحرص على سيادتها أواستمرارها وخلودها، بما في ذلك قـوى الإعـلام والـصناعة والـسـياسـة والمجتمع وغيرها من سلط رمزية ( بما فيها الممارسات الدينية) تصنع يوميا شكل الحياة أوتدعمه أوتحافظ عليه أوتدفعه إلى التغيَّر أوالتعديل أوالتدجين أوالتنميط…

هدى الغول / اخصائية اقتصاد وتنمية من ليبيا

الغرض من عملية التجميل ؛ هوإيجاد حل لخلل حدث إما بسبب عيب خلقي أوحادث خارج عن الإرادة أدى إلى تشوه في الجسم أوأحد مناطقه ، ومن هنا يمكننا القول بأن الثقافة العربية هي جسم أوبنية خلقت بعيب واضح هومحور الوجع الحقيقي للمثقف العربي (المنتج والمتلقي ) والمتمثل في التعليم وطرقه وأساليبه الضعيفة المستوى والضيقة في الحدود في نطاق عمليات انتقالية وليست وسيلة للتنمية وتوسيع الإدراك والمعرفة ،وهذا جعل منا بلداناً متخلفة تسكنها مجتمعات لديها مشاكل نفسية عميقة ومشاكل اجتماعية معقدة صعبة الحل والتفكيك ، فالتعليم له دور سلبي ومنحرف المسار عن كونه أداة لصنع الثقافة الشاملة وبالتالي فإن عملية التجميل لهذه الأداة تتركز في خلق هيكلة جديدة واستراتيجية تنموية طويلة المدى لاستخدام التعليم كوسيلة إيجابية لخلق مجتمع متكيف ومتناغم خال من العاهات الاجتماعية والعقد النفسية والذي بدوره ـ أقصد التعليم الإيجابي ـ يخلق الكاتب المبدع والقارئ المميز وسينتج لنا محصلة ثقافية بالنظرة الشمولية للثقافة ، أما بعد ذلك العيب الخلقي فقد تعرضت الثقافة العربية  لتشوهات إثر ديمومة اصطدامها بالسياسة والمسؤولة بدورها وبشكل كبير عن تحجيم وتهميش العمل المبدع والخلاق خصوصاً تلك التي تنقبت بالدين واستخدمته كرقابة على المثقف المبدع وحرمانه من التألق والتواصل الجذري مع المتلقي ، والسؤال هنا كيف يمكن أن تتم عملية تجميل الثقافة العربية بعد تلك التشوهات التي أعاقتها ؟ يتمثل الجواب في دور المثقف العربي بكونه هوالناقد الأول لمنتوجه الأدبي أوالفني ولابد أن يكون له دور محوري في ترميم الصدوع التي حدثت أوقد تحدث في الثقافة العربية وبنيتها التحتية ؛ وذلك بتقريبه لمنتوجه الثقافي من الناس وبتعزيزه الجانب الإنساني في نفسه قبل أن يركز على الإبداع وبذلك يساهم في خـلق مجتمع ثقافي راقي غير متعصب .