
رشيدة القدميري: قصيدة النثر في المغرب متأثرة بالأدب الفرنسي
العنوان أول عنصر نصي يتلقاه القارئ
حاورها: عزيز البزوني
رشيدة القدميري شاعرة من مواليد مدينة القصر الكبير المغربية حاصلة على الإجازة في البيولوجيا من كلية العلوم بتطوان استاذة بمدينة النغربي متزوجة وأم لثلاثة ابناء عاشقة للكتابة والرسم منذ الصغر بدأت بالنشر بالمنتديات الثقافية ثم ببعض الجرائد والمجلات الادبية صدر لها
“ظمأ النهر” مجموعة شعرية
صهيل جراح” مجموعة شعرية “مجرد سؤال ” مجموعة قصصية “موت بالتقسيط عضوة مجلس الكتاب والادباء والمثقفين العرب فرع المغرب, عضو رابطة كاتبات المغرب ,عضو شبكة تازة التنموية, شاركت في عدة مهرجانات ثقافية وطنية ودولية ولقاءات وامسيات وصالونات ادبية وفنية بمختلف مدن المملكة المغربية كما تم الاحتفال بتوقيع اصداراتها وتكريمها بالعديد من المدن المغربية وبمعرض الكتاب والنشر بالدار البيضاء في دورته الثانية والعشرون ,التقينا بها فكان هذا الحوار معها:
{ إن كل قول يجرد الشعر من دوره الوظيفي ويفرغه من محتواه يعد تشويها له وخيانة لاهدافه وغاياته.
-الإنسان يرتبط بمكان كفضاء تنمو فيه فضائل وقيم نفسية، واجتماعية و سياسية وثقافية. والشعر دوما طاقة تعبيرية تخرج كرسالة من ذات الشاعرة إلى المتلقي في تمظهرات حاضرة في القصائد، يتلقاها القارئ فيتفاعل معها لما تتحقق فيها الجمالية وتصيب أفق انتظاره ، خاصة حين يعانق الشاعر القضايا المرتبطة بالحياة اليومية، على أساس أن هناك دوما ارتباط بين الأدب وقضايا الإنسان. الشاعر يتصف بحس مرهف ، حدس لمَّاح، بصيرة حادة وإدراك نفَّاذ ، ينظر إلى ذاته ، ويرى الأشياء تتكون داخله كأنها حلم ، لتلتمس الخروج إلى الواقع في رحلة لا تعترف بالحدود الجغرافية، ولا تؤمن بالمسافات، ومن فضائل الشعر أنه يمتّن الانتماء للوطن، ولا عجب في ذلك فالشاعر كان لسان قبيلته في العصر الجاهلي.
{ ما رأيك بالنقد والنقاد في المغرب؟
-يجب أن نعرف أن لا أدب بدون نقد بنَّاء. فالنص الأدبي مساحة بين الكاتب والناقد، وهذا الأخير هو الذي يصقله بتفكيكه وتجميعه، دون الإطاحة بصورة المؤلف كما يدعو لذلك “رولان بارت”، ودون اختزال النص في المؤلف كما تدعو إلى ذلك مدرسة التحليل النفسي، فالنقد المرفوض هو الذي يختزل النص في المؤلف أو الذي يقصيه بصفة نهائية ، والنقد الذي نقبله ونصفق له هو الذي يجعل اللغة تتحكم في النص دون نسيان صاحبه.
الادب الفرنسي
وأظن أن النقاد في المغرب لا يختلفون عن نظرائهم في المشرق العربي، ومهما كان الحال فهم لا يخرجون عن الاتجاهات الأدبية الفرنسية، مادام أن الدراسات الأدبية تعتمد في أغلبها على ما وصلت إليه المدارس الاوربية وخاصة الفرنسية ، وبالتالي فإن النقاد في المغرب: إما من أصحاب التوجه السارتري الإلزامي الذي قدمه “سارتر” في كتابه “ما الادب؟” -أو من أصحاب السوربون الذين أوغلوا في تركيز النقد على دراسة السيرة الذاتية للمؤلف باعتبارها المفتاح لتفسير نصوصه. أو من أصحاب “رولان بارت” المتحدث عن موت المؤلف ، فهو الذي قال ” ليس للأدب يقينيات يقدمها وإنما هو يتوفر على أسئلة يطرحها ،” على أن موت المؤلف يعني به ” بارت” ذوبان صوته في أصوات المؤلفين في ثقافته ..فهو يتبنى أفكارهم ، ولغتهم ، وكذلك كل النصوص السابقة عليه على شكل استشهادات واقتباسات ، و ما يسمى بلغة “خوليا كريستيفا” والتفـــــــــــكيكيين ” بالتناص” intertexte
{ المواقع الاجتماعية صنعت قامات شعرية ورقية فارغة من أي محتوى إبداعي وهو ما أساء إلى المشهد الإبداعي عامة وإلى اللغة خاصة .
– الإبداع” هو “فن تجاوز الآخرين ، وهو أيضا خلق شيء لم يسبق له أحد ” . إذن هل هناك كتابات من هذا النوع في مواقع التواصل الاجتماعي ؟ أكيد لا ، وإن كانت فهناك ندرة وقلة .
الكتابات الابداعية
المشكل ليس هو الكتابات الإبداعية بقدر ما هو التَّعدِّي على اللغة .. فكل يوم تتعرض فيه اللغة ، للقتل و الإبادة في هذه المواقع على أيدي “كتاب” من قامات ورقية ــ كما جاء في السؤال ــ ، ومن يزكيهم، ويشجعهم من خلال ردود وتعاليق انطباعية خالية من العلمية والموضوعية ،بمعنى أخر حتى ما يقدم من نقد في هذه المواقع يكون سطحيا ومتسرعا تطبعه المجاملات والنفاق الاجتماعي لا اقل ولا أكثر، وبالتالي هناك “فوضى الكتابة” في هذه المواقع . فكل كاتب يبحث عن التفرد والريادة والتميز، وتوليد الجديد بكل الطرق، وبقلق كبير واضطراب أكبر يعكس حالة الأمة العربية الراهنة . ورغم كل هذه السلبيات علينا أن نعترف وأن لا ننسى أن هذه المواقع جعلت العالم قرية صغيرة يسهل فيها التواصل بين المبدعين بصفة خاصة، إذ أصبحنا نقرا لعدد أكبر من الكتاب، ونتواصل معهم بصفة دائمة ومباشرة، ودون وساطة من احد، وبطريقة أسرع رغم بعد المسافات، كما أن النصوص أصبحت في متناول الجميع، بالإضافة إلى أن المواقع الاجتماعية قربت لنا خدمات دور النشر، وعرفتنا على نقاد ومبدعين، و ساعدت في وصول صوت وكلمات شريحة كبيرة من الكتاب فلى القارئ، علاوة على الدعاية المجانية للإصدارات الجديدة، وحفلات التوقيع، والأمسيات الثقافية، والمهرجانات…
{ لنتكلم عن مجموعاتك القصصية والشعرية من ناحية الفكرة واختيار العنوان ،فهل للعنوان الشعري والقصصي أهمية لديك ؟؟
-أظن أن مجموعاتي، القصصية منها “مجرد سؤال” التي صدرت في السنة الماضية و “موت بالتقسيط” التي ستصدر قريبا إن شاء الله، وكذا الشعرية التي صدرت.. “ظمأ النهر” و”صهيل جراح” وما سيصدر لي فيما بعد إن شاء المولى، كلها يَعبُرها مجرى حلم ، وأغلب نصوصي يخترقها هذا النهر في صبرٍ يُماهي تجارب المعيش اليومي للإنسان مع كثافة الإيحاء . نصوصي استثمار لنوعية الحلم ، أمام واقع رتيب في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية ، علما أنه كلما حاول الكاتب أن يحلم ، سيحس أن مجموعة من النوافذ تفتح أمامه . فالكتابة يجب أن لا تقيم متاريس بين الواقع و الحلم ” فلولا الألم ما كان الحلم “
وأنا هنا ما رغبت في أن ألقي إطراء على كتاباتي ، بل فقط أريد أن أدلي بشهادة كقارئة لمجموعاتي. إن النص الأدبي عموما والنص الشعري خاصة يكتب جرح الإنسان.. ذلك الإنسان الذي يؤمن بالقيم الإنسانية الأصيلة ، والأدب يجب أن يحتل دوما واجهة المشهد . بالنسبة للعناوين في كتاباتي ، أظن أن أكبر صعوبة تواجه الكاتب هي اختيار العنوان المناسب لنصوصه وكتبه .فالعنوان أول العناصر النصية التي يتلقاها القارئ لذلك فله قيم دلالية يرغب من خلالها الكاتب أن يدفع بالمتلقي كي يتبناها أثناء قراءته لنصوصه .
وحسب ” إيكو” فالعنوان أحد أشكال الطوبيك le topic فهو يقول : ” إن الطوبيك le topic “أداة سابقة على النص أو تصور أولي عند القارئ “
وبالطبع فكل قراءة تنطلق من تصور أولي للنص بشكل حدسي في غالب الأحيان .
العناوين في كتاباتي عبارة اختزالية لدلالات نصوصي، فهي تعكس بصورة غير مباشرة الغرض الدلالي الذي أرغب في إيصاله للمتلقي.. إنها وسيلة أحاول أن أقفز بها إلى ذهن القارئ، وبالتالي أمارس نوعا من “الضغط” عليه ليُحوِّل بالتدريج دورَه، من بُعده المنفتح المالك لخيارات دلالية متعددة الزوايا القرائية التي يقارب عبرها النص إلى البُعد التحكمي المستند إلى فكر المقارنة بين الدلالة الحاضرة في العنوان، وما تطرحه النصوص من دلالات… لذلك فإني “أفكر وأركز وأتعب” كثيرا في اختيار العناوين التي تفي بهذه المفاهيم والأغراض ، وأظن أنني أوَفَّقٌ في الغالب.
{ الكتابة صرخة داخلية تتيح للكاتب أن يعبر عما يجول في فكره ووجدانه من غير قيود ما هو رأيك ؟
– يقول الكاتب الكبير عبد الرحمن منيف : ” الشعر ( أو الأدب عموما) لا يكتبه إلا إنسان واحد لأنه سيل من الأحاسيس الداخلية في لحظات هاربة ، فإذا لم يستطع الإنسان السيطرة على هذه اللحظات توارت وانتهت ” عبد الرحمن منيف ، رواية “شرق المتوسط “، ص 134إذن الكتابة فضاء لا يمكن أن يوازيه أي فضاء آخر.. ودور الكاتب أن يجد المعنى لما ليس له معنى في هذا الفضاء الداخلي و الخارجي.. في الكتابة نعبر دوما عن أفكارنا الحالمة ، بلا قيد ولا شرط ، نكتب باحثين عن صيانة القيم الآيلة للانقراض… نحلم … والحلم لا يكون إلا في لحظات التخلص من كل القيود المادية منها و النفسية.. والحرية في آخر المطاف “شرط ” الكتابة و الإبداع .
{ يقال أن قصيدة النثر رغم ما تواجهه من هجمات شرسة من طرف أنصار الشعر العمودي ظلت صامدة مستمدة قوتها من تجددها وقدرتها على التعبير عن مشاغل العصر وهموم الفرد بلغة قريبة من الواقع.
-العرب أمة تحتكم إلى وجدانها أكثر من عقلها ، ومن يحتكم للعقل أحكامه معرضة للخطإ، وبالتالي فهو يستطيع أن يتدارك الخطأ، ولا يغضبه أن ينتقده الآخرون .
أما من يحتكم إلى الوجدان فهو ينزه نفسه عن الخطإ ، ويصم أذنيه عن النقد ” الدكتور محمد زكي ــ بتصرف ــ “لِمَ هذه المقدمة إنني أسوق هذه المقدمة وأنا أستحضر تاريخ قصيدة النثر والشعر الحر لما بينهما من تقاطع وتنافر وتقارب وتباعد .. فقصيدة النثر أصلها نثر .. والشعر الحر أصله شعر. والمعروف أن التسويق لهذا النوع الأدبي بنوعيْه كان في منتصف القرن الماضي أو قبله بسنوات. وهذا التسويق فرض خطابا جديدا هو ” البيانات” les manifestes . هذه البيانات كانت عبارة عن مقدمات .أي بيانات تنظيرية كما فعل مطران مثلا من خلال : ( بيان موجز). هذه البيانات والمقدمات كانت عبارة عن محاضرات لمعارضة الموجود وتبيان الاتجاه الجديد .. أي طلب الوجود . والوجود دوما مرتبط بالهوية.. لذلك فهذه البيانات كانت لترسيخ هوية أدبية معينة ، إنها استراتيجية الوجود والبقاء بالشرعية. يقول مطران : ( موافقا زماني) ويقول جبران : ( لكم لغتكم ولي لغتي ) وترى نازك الملائكة القصيدة التقليدية كما يراها “برنارتشو” من قبلها حين تقول : ( لا قاعدة هي القاعدة الذهبية للشعر ) نازك الملائكة ، كتاب شظايا ورماد ن ص7 .وإشكالية الشعر الحر و قصيدة النثر مطروحة وستبقى على مستوى الوجود، لأنهما جاءا من جنس الشعر ، وأن الوظيفة الشعرية بادية في اللغة التي يكتبان بها .
في المغرب أدى التأثر بالأدب الفرنسي إلى كتابة قصيدة النثر كما توضح النماذج التي نقرأها يوميا على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي.الشعر الحر ــ كما هو معروف ــ خالٍ من الوزن والقافية ومحافظ على نسق البيت الشعري. وقصيدة النثر تسمو بالنثر إلى مصاف الشعر
. وكلاهما يتيحان للكاتب قدرة كبيرة على التعبير عن هموم الأفراد والجماعات و الشعوب بهامش كبير من التخلص من الأوزان والقافية و البحور و بلغة تصل أحيانا إلى مستوى لغة الحديث اليومي .
{ كلمة أخيرة
– أشكر جريدتكم الموقرة التي أتاحت لي الفرصة لتنطلق الكلمة وتنطق برؤيا الجمال والمحبة و السلام ، على مساحة الحب و التواصل بين الكاتب وقرائه في ربوع الوطن العربي ، عسى أن تكون الكلمة التي نكتب بها دوما كينبوعٍ مُنسكبٍ يشرب و يرتوي منه كل عطشان للمعرفة و الأدب.أو كشمس لا تُحجَب ، يستدفئ بأشعتها ، كل فــــاقد للدفء والحرارة على مدى ربوع الوطن العربي.
























