طلال الغوّار: الفنون وسيلة مهمة بمواجهة التحديات – أحمد عساف

طلال الغوّار: الفنون وسيلة مهمة بمواجهة التحديات – أحمد عساف

الشعر هو حبل نجاتنا من شرنقة الواقع

 الشاعر طلال الغوّار من الأصوات الشعرية العربية التي لها حضورها المتميز في الساحة الأدبية العراقية والعربية .فقاموسه الشعري له خصوصية تؤكد بصمته وصوته الشعري الخاص . يتميز بحس مدهش في ألقائه لقصائده مما يجعل جمهور القاعة منشدّا إليه بحماس كبير

– له أسمه المشهور في الوسط الثقافي السوري وعلى ذلك أسس جمهور يتابع أماسيه ونتاجه الشعري

خصوصا في دمشق ، فهو يمتلك مشروعه الشعري تلك الميزة المتقنة من الجدية على التميز والتفرد الإصرار.

– اصدر طلال الغوّار ستة دواوين ، الخروج من الأسماء ، الأشجار تحلّق عاليا ، السماء تتفتّح بأصابعي، حررّيني من قبضتك ، احتفاء بصباحات شاغرة ، أوّل الحب …أوّل المعنى

– وقد التقيناه بدمشق وأجرينا معه هذا الحوار

{ ما جدوى الشعر في هذا الزمن الرديء؟.

منذ البدايات الأولى للإنسان كانت الفنون هي الوسيلة الأهم في  مواجهة التحديات والصعاب التي يواجهها واكتشاف خفايا الحياة ولعل الشعر من بين هذه الفنون، فللكلمة وقعها في النفس البشرية وسحرها الأخاذ في لغة الشعر لتسجل طموحات وتطلعات الإنسان في الحياة ورسم معالمها المنسجمة وظلت تمارس فعل فتنتها الخالدة عبر التاريخ حينما تعبر عن حاجات الإنسان الجمالية المتولدة عن حاجاته الإنسانية ، وقد تشتد وتكبر أهمية الشعر وجدواه في الحياة حينما تكون هناك أوضاع مأساوية  وصعبة التي يواجهها لإنسان من اجل تجاوزها وخصوصا في هذا الزمن العربي الرديء ،المتمثل بالمشهد العربي المأساوي في ظل الحروب والتشرد والقتل والتشرذم والإرهاب المتفشي في مساحة واسعة من وطننا العربي ، لكونه أي الشعر يشكل أحدى وسائل المقاومة والتحدي بما يحققه من إضفاء  الإحساس الجديد بالحياة والتوق إلى ما هو أجمل ويعمق الوعي الإنساني وحالة الاكتشاف، وهنا أتكلم على الشاعر المؤمن بقضية ومنحازا إلى هموم الإنسان العربي وتطلعاته وأحلامه ، فاشعر ما زال بالنسبة لي هو خلق حالة التوازن الذاتي مع الحياة بل هو حبل نجاتنا من شرنقة هذا الواقع المرير.

{ شاركت في مهرجان الشعر العربي في معرض الكتاب الدولي بدمشق ، ماذا تحدث القراء عن تلك المشاركة؟

نعم شاركت في مهرجان الشعر بمعرض الكتاب الدولي بدمشق وبدعوة من اتحاد الكتاب العرب من خلال  الدكتور والروائي الرائع حسن حميد ، وقرأت ثلاث قصائد منها ما يعبر عن حبنا لدمشق..وقصيدتين عن مأساتنا العربية وما نواجهه من قوى الظلام والتخلف ، وقد تجاوب معها الحضور حيث كان  حضورا متميزا ونخبويا لكونه  من الأدباء والمثقفين ، وكان لوسائل الإعلام لقاءات معي  على هامش المهرجان منها جريدة تشرين والوطن والفضائية السورية ..وثم أعقبها بحوار مطوّل مع جريدة الوطن وجريدة الثورة أيضا .وكذلك شاركت في أمسية شعرية بدعوة من اتحاد الكتاب الفسلطينين  – فرع دمشق  وقبلها كانت قد أقيم حفل توقيع مجموعتي الشعرية ( احتفاء بصباحات شاغرة )وقد عرضت بالفضائية السورية

{ هدم عامود الشعر العربي شعراء الحداثة حين أحدثوا انقلابا في الشعر من خلال شعر التفعيلة . وهم من العراق السياب والبياتي والملائكة . جيلكم ماذا أضاف لتجربتهم؟

. كان للسياب ومن معه دور الريادة للتجديد الشعري وحركة الحداثة الشعرية العربية وتطوير شكل القصيدة من خلال تطوير العمود الخليلي للشعر ولكنهم لم يتخلوا عن التفعيلة كوحدة إيقاعية تحكم مسار القصيدة ،وقد كان ذلك نتيجة للمتغير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بعد الحرب العالمية الثانية ومن خلال الانفتاح على الوافد الثقافي الغربي والقدرة على هضمه لصالح الكتابة الشعرية ،وشكلوا مشهدا شعريا مع من تبعهم من شعراء في مرحلة الستينات له معالمه الواضحة من خلال ما أسسوا من قيم فنية  وجمالية ورؤيوية  ، أما ما تلا ذلك وخصوصا منذ الثمانيان فن المشهد الشعري في تداخل للأشكال الشعرية من العمود وقصيدة التفعيلة وان كانت قصيدة النثر تحتل مساحة أوسع فيه والحديث عن ذلك قد يطول فما حدث في العراق منذ الثمانيات الى يومنا هذا  من حروب قاسية ثلاث كان آخرها الاحتلال الأمريكي لا بد وان يحدث انعكاسا على الوضع الثقافي وخصوصا الشعري منه لكونه سريع الاستجابة لحركة الواقع ومتغيراته، وباختصار أن  ما أضيف بجديد إلى تجارب السابقين لا يمكن حصره بجيل معين وإنما من خلال حالات فريدة للإبداع فقد استطاع البعض ان يجترحوا أدواتهم الخاصة سواء على مستوى اللغة متمثلة بالانزياحات اللغوية وباستخدامات جديدة  والإيقاع المتولد عن التجربة في لحظة الكتابة وحققوا حالات افتراقية عما سبق في بنية القصيدة وقد اسسوا بعض القيم الفنية والجمالية .

{ بعد  ( 6) كتب توزعت بين الشعر والنثر . هل تبدو اليوم الكتابة أصعب عمّا كانت عليه من قبل؟ أم أصبحت أسهل بالنسبة إليك؟

لم اكتب نثرا ، وربما تقصد بكلمة نثر (بقصيدة النثر) كما يسمونها، فأنا اكتب المقالات الثقافية والسياسية فضلا عن الشعر، قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وأصدرت ستة دواوين شعرية ، ولكني أجد نفسي بعد هذه التجربة من الكتابة الشعرية وبعد توسع دائرتي المعرفية وتطور حساسيتي الفنية والجمالية للشعر أجد أن الكتابة أصعب عما قبل لأنها أصبحت عندي مشروعا وبالتالي مسؤولية كبيرة يجب أن تطور أدواتك وتحقق حالة الافتراق عن الكتابات السابقة ، ولا اخفي عنك أن  قلت أني منذ أكثر من أكثر أربعة  عقود وأنا اكتبُ الشعرَ ، ومازلت أتعلم وأتتلمذ كي أضيفَ ما يعمّقُ تجربتي الشعرية في خضم هذا الكم الهائل من الأصوات والتجارب الشعرية ، ولكن يبقى السؤال هل أنا مطمئن لما كتبته خلال هذه السنوات الطوال وهل أنا واثق من تجربتي في طرحها لرؤيتي الشعرية واختياراتها الفنية والجمالية.

{ الشاعر طلال الغوار، هل سيذهب إلى الرواية كما فعل البعض من الشعراء؟

 فكرت في ذلك لكني أرى الكتابة الروائية عملية صعبة لأنه تحتاج إلى صبر ورؤية عميقة كي تكتشف ما خفي  في حركة الحياة وتشابكاتها وان كان بعض الروائيين يستسهلونها حيث تجدها مسطحة وغير قادرة على سبر أغوار الحياة واكتشافها من الداخل،وان كان رواءيون عراقيون لهم صوتهم الخاص وامكانياتهم الكبيرة ولكن الكثير هناك من هو ظل لما يكتب من روايت غربية ومقلدين لها  ولكني جربت كتابة القصة وكتبت  ثلاث قصص قصيرة لم انشرها .

{ الكتابة حلم اليقظة ( وبحسب : غاستونباشلار  ) في حلم اليقظة نكون كائنات حرة . إلى أي حد يتدخل الحلم في تكوين قصيدة الشاعر طلالالغوار ؟

اعتقد ان تفسيري لما قاله (غاستونباشلار)من ان الكتابة (حلم يقظة) هو ان الكتابة الشعرية خارج سطوة الوعي المباشر وحينها لن  يكون الشاعر  في حضور واعٍ للاشياء حيث تعرقل عميلة انسياب الرؤى ومساراتها ، حيث يأتي الشاعر ليغرف من تجربته المتشكلة عبر الزمن ما تيسر خلال لحظات ألكتابه ،لحظات التوحد ألكياني للشاعر بين العقل والانفعال، بين الحلم والواقع ،بين مخزونه المعرفي وتموّجات الوجدان،بين الماضي والحاضر،بين الوعي واللاوعي، لينتج عبر المخيلة والكلمات –  اللغة باستخدامها الخاص عالما آخر ، انه عالم مغاير للواقع ومشابه له في الوقت نفسه، هذا العالم الذي من خلاله يحقق الشاعر توازنه الذاتي مع الخارج، هذا التوازن المهدد بالزوال حيث يتبدد أمام معطيات الواقع المعاش ليتجدد  الحلم وهاجس الكتابة، هاجس الأنعتاق من قبضة إيقاع الحياة ، من اجل أن يعيد هذا التوازن مرة أخرى وأخرى، وهكذا يظل الشاعر مأخوذا بين طرفي هذا الجدل القائم حيث تولد ألقصيده.

{ في كل مرحلة من مراحل مجموعاتك الشعرية ، نجدك تلجأ لتجربة جديدة في كتابتك للقصيدة . ما رأيك ؟

ان ذلك يعد امرا ضروريا في أن يكون هناك تحول وتطور في الكتابة بحكم المتغير الحياتي وما اكثر المتغيرات والإحداث التي نمر بها اليوم ،والتفاعل مع معطياتها  والاستجابة لها والتوسع المعرفي والثقافي وهنا لا بد لي من أن أبتكر طرقا جديدة ولغة تستوعب هذا المتغير وتعبر عن التجربة  بطريقة قول جديدة  بحث  أحقق توازني الذاتي مع الموضوعي ولهذا تجد في كل مجموعة من مجاميعي الشعرية لها خصوصيتها  تقريبا لكن ذك لا يلغى الميزة العامة لكتاباتي الشعرية.

{ كيف تنظر إلى هؤلاء الذين يحاولون إقصاء قصيدة النثر ، من قبيلة الشعر ؟

هذا موضوع كثرت حوله المناقشات وكتب عنه الكثير  عن شرعية قصيدة النثر وعن شعريتها ومازال الموضوع مدار نقاش وان خفت في السنوات الأخيرة

وفي رأيي هناك أكثر من سبب في أن لا يعدّوا قصيدة النثر  شعرا لعل أولها تبدأ بتسميتها بقصيدة نثر حيث أن هذه التسمية تحمل في داخلها تناقض فالقول (بقصيدة نثر) يعني هناك (قصيدة شعر ) تقابلها وهذا ما يجعلها تصنف خارج مدار الشعر  وهم محقون في ذلك حيث أن التسمية هذه تسمية منقولة عن الغرب فهي تسمية غربية بالأساس ،وهناك من يرى أن الخروج عن الوزن الخليلي أو عدم استخدام التفعيلة  يبعدها من كونها شعرا استنادا إلى أن الوزن شرطا من شروط الشعر وخاصة من المتطرفين أو أصحاب الذائقة التقليدية الموروثة،وكأن معاير الشعر خارجية فقط ،وهناك سبب آخر متعلق بطبيعة النص المكتوب لان هناك الكثير ممن يكتبون تحت غطاء قصيدة النثر لكونهم يجهلون الوزن الشعري الخليلي ووحداته التفعيلة وهم كثر في هذه الأيام، فليجأون إلى هذه الكتابة تحت غطاءها فجاءت ركيكة وخالية من الشعرية ولم يستند كاتبها  إلى تجربة طويلة في كتابة الشعر وهذا ما أساء لها وللشعر وأثار حفيظة الرافضين لها مما أعطاهم المسوغ في رفضها وبرر موقفهم منها،في حين ان قصيدة النثر وان كنت اعترض على تسميتها هي نتاج تجربة نفسية وفنية وثقافية ومعرفية ولهذا نجد من بدئوا بكتابة هذا النوع الشعري هم من الشعراء الذين يكتبون  قصيدة العمود والتفعيلة وجاءت زاخرة بالشعرية والإيقاع المتولد من صورها ولغتها الشعرية .

{ أين تضع تجربتك الشعرية في المشهد الشعري العراقي؟

بالتأكيد أن تجربتي الشعرية هي جزء من التجارب الشعرية في المشهد الشعري العراقي والذي هو جزء من المشهد الشعر العربي وأحاول أن أنميها وأطورها  فهاجس التجاوز يشغلني دائما وكأني غير راضٍ مما يدفعني لان أأتي بالجديد ولكني لا استطيع أن أقيّمها ، فالمتلقي –  الناقد هو من يستطيع أن يقيمّها ضمن رؤيته النقدية والمعرفية ، ولكني أقول بكل تواضع أن كتاباتي مقروءة للكثير في الوسط الأدبي وخارج الوسط الأدبي ، وقد صدر كتاب ( مدارات في تجربة طلال الغوّار) 2013 وهو مجموعة من الدراسات والمقالات النقدية التي تناولت مجاميعي الشعرية لعدد من النقاد والشعراء  ، فضلا عن ما ينشر في الصحف والمجلات من مقالات تتناول  مجموعتي الأخيرتين (احتفاء بصباحات شاغرة ) و (أول الحب ..أول المعنى) لعدد كبير من النقاد .

{ ما هو جديدك في الشعر :

إني اعد ألان ديوان جديدا لم أضع بعد له عنوانا ، فالعنوان يشغلني كثيرا واحتار في اختياره .