
البحث عن المعنى في أول الحب
أحلام تتصدّع لتشكّل عالماً اخر
هشام عبد الكريم
تشكل مجموعة الشاعر العراقي طلال الغوار ( أول الحب … أول المعنى ) السادسة بالنسبة لمجاميعه الشعرية ، حيث سبقها بمجاميعه ( الخروج من الأسماء ـ الأشجار تحلق عاليا ـ السماء تتفتح في أصابعي ـ حرريني من قبضتك ـ إحتفاء بصباحات شاغرة) .
إن المتأمل لقصائد هذه المجموعة يستطيع الوقوف عند مجموعة من الثيمات تكاد تشكل ملامح المجموعة كلها ، ومن أبرزها ( الخداع والخيبة والحب والتحدي والبحث عن المعنى ) .
إن الخداع هنا ـ وبمستوياته كلها ـ يكون أحد أهم أسباب الخيبة لدى الشاعر في حين يقف الحب بمعانيه كلها ليعلن تحديه لذلك الخداع الذي تسبب بخيبات الشاعر وصدمته القاسية .
يطالعنا الشاعر في قصيدته ( أقنعة ) قائلا : ( ينتحلون خطوات الورد / ويسيرون إلينا / بأحلامهم السوداء / أيها الوجه كم يلزمك من المرايا / لا تتوهم أولائك غربان ) .
في هذه القصيدة يحذر الشاعر نفسه أو الآخر من ذوي الأقنعة فهؤلاء ليسوا طيورا بل هم غربان تنشر سوادها أينما حلت ، إنها وجوه تحمل أكثر من لون وقناع .
وفي قصيدة ( مخادعون ) ، يخاطب الشاعر الحبيبة المتمثلة بالبلاد : ( إنهم مخادعون / أولائك الذين يعذبون / الكلمات كثيرا / يسرجونها / ولا يركبون ) .
تكاد تكون قصائد الخيبة التي عاشها الشاعر وهو يرى الى أحلامه تتصدع ، تشكل عالما آخر من عوالمه الشعرية ، هذه الخيبة التي جاءت عبر سني لوعة وشعور بانطفاء الحلم الذي كان ينتظر تحققه : ( حينما ينبت الحلم بين الأصابع / ويضوع شذاه هنا أو هناك / لك ما تشتهي أن يكون / يفتح باب الغياب / وتكشف ما قد تخفّى / … هل سوى ريبة تجتنيها / ووهما / يحث متاهته في خطاك ) . إن الخيبة الكبرى تتجسد بانطفاء كل ما تربى عليه الشاعر في سني حياته الأولى وصغره . كان يحلم أن يجد تحققا لتلك الأناشيد التي طالما تغنى بها عن الوطن والحياة ومستقبل هذه البلاد غير أن الخيبة التي ما بعدها خيبة هي أن يخرج الإنسان فاقدا البلاد نفسها : ( الأناشيد التي صدحت / بها أرواحنا / ذات حب / … / نخرج اليوم من كلماتها / بلا صباحات / ولا رايات / وربما / نخرج يوما / بلا بلاد ) .
وفي قصيدة ( أيتها البلاد ) تتجسد الخيبة في أصدق صورها ذلك لأن البلاد وحدها هي التي تحفظ أحلام الطغاة فضلا عن إقصائها لأبنائها بعد وأد الحرية والتضييق على الحب والإنسان ولكن على الرغم من ذلك وثقل الأوجاع تبقى البلاد الأمل الأمل الوحيد والملاذ الأخير بالنسبة للشاعر : ( أيتها البلاد / كي أنتزع الكارثة / من صدري / ضميني بين ذراعيك ) .
وفي قصيدة ( خيبة ) يتحول الشاعر الى سيزيف من طراز آخر ، فصخرته هنا هي وطن بأكمله : ( كم قطع من المسافات الطويلة / من الأحلام / ومضى بعيدا في الزمان / … وحينما وصل عتبة الموت / صار يبحث عن نفسه / فلم يجدها ) .
وفي ( شموس لم أرها ) التي يشكل عنوانها عتبة أخرى لخيباته يطالعنا الشاعر الذي أثقلته السنوات وشغلته بكتابة قصائده .. يطالعنا بأنه لم ير أي نور في حياته : ( هكذا أثقلت سنواتي / بالقصائد / وأنا أسير في كلماتها / كما لو أني أسير خلف غيمة / أثقلتها / بشموس لم أرها أبدا ) غير أن الشاعر ـ وعلى الرغم من هذه الخيبات ـ يبقى مصرا على انتظاره لتغيير ما أو خلاص ما يمحو غبار خيباته المتراكمة : ( وأنا أنتظر صباحا / تمشي فيه الأشجار ) .
ويختتم الشاعر خيباته من خلال قصيدته ( آخر الانتظار ) بسخرية مرة : ( دع أشداقك / تمتليء بالضحكات / فالطريق طويلة جدا / وأخيرا / ستقضم انتظارك / بضحكة درداء ) .
بعد قصائد خيبات الشاعر ، سنقوم بتسليط الضوء على قصائد الحب التي قدمها لنا .
إن موضوعة الحب لدى الشاعر أخذت نحى تأريخيا ، بعدا يبدأ منذ خطيئة الحب الأولى التي كانت سببا في طرد أبينا آدم من الجنة ، غير أن أبانا ـ وعلى الرغم من طرده ـ فقد أصبح أول عاشق في التاريخ : ( المعصية التي ارتكبها / أبونا آدم / جعلت منه / أول عاشق / على الأرض ) . وفي قصيدته العمودية ( بوح ) والتي وزعها الشاعر على طريقة التفعيلة ، ربما لأسباب بصرية ، نراه في حالة عشق درامية ، فهذا الحب لا يخلو من الخيبات والمنغصات وهو مقترن بالجرح والنزف .. إنه حب العاشق المقهور : ( لقصائدي في الحب جرح / وأنا بصمت الحرف صدح / … ابيضت السنوات في رأسي / كأن العمر لمح / شجر يواكبني من الأحزان والطرقات جرح ) .
وفي قصيدته ( احتفاء ) يبدو أن الشاعر لم يحتف بالحب بل احتفى بخيبة الغياب ، بعد أن كان قد تأمل لقاء حبيبته التي لم تأت للقائه ، فكان احتفاؤه بغيابها : ( اليوم / قصائدي / وحدها / من يحتفي بغيابك ) .
أما قصيدة ( إنها مراياك ) فتكاد تكون قصيدة الحب الوحيدة التي تضع حالات الحب في دائرة الصفاء والتأمل وتصوير حالات الحب المتنوعة أو النظر الى الحب من زوايا استشرافية متنوعة : ( حينما أتأمل بهاءك / يا حبيبتي / كأني كمن ينتظر نبوءة / … القصيدة التي / لا تتعقب عطرك / لا تكتمل / …كي أمسك / بلحظات الفرح / كم أحتاجك / يا حبيبتي / كما في لحظات الحزن ) . هنا يتحول الحب والحبيبة ملاذا للروح أو تحاشيا لما يعتمل به قلب الشاعر من خيبات .
أما في قصيدته ( ذاكرة الأشجار ) فالحب يتحول فيها الى حالة من التحدي وأن علاقة العاشق بالمعشوق سواءا وطنا أم حبيبة ، فسوف تبقى متحدية لأشكال القمع كلها لتعود ثانية إلى منبع الحب الأول : ( لا تحزني يا حبيبتي / فلن يستطيعوا / أن يقتنصوا / ذاكرة الأشجار / ولن تنالها أياديهم / … وربما تنسلخ عن أسمائنا / وعن خضرة أنا شيدها / وبعيدا تمضي / ولكنها ستعود يوما / فهي ملك لنا / طالما كتبنا عليها / أسماءنا ) .
وفي قصيدته ( ترنيمات ) يخاطب الشاعر الحبيبة بأناه البابلية ، حيث نجد تكرار ضمير المتكلم ( أنا ) مذكرا إيانا بأنا نبو بلاصر العظيم . وكأنه يريد تسجيل حالة توكيد للحبيبة بأنه هو صاحب كل شيء ومالكه : ( أنا / من أيقظ الشموس النائمة / تحت وسادتك / أنا من تعقب أعالي أحزانك ) . أما الحبيبة التي استفزته قلبا وروحا ، فسرعان ما نسيت حلمها تحت وسادته لتعود تسابق الرياح . فهنا لم تجد أناة الشاعر شيئا بالنسبة إليها على الرغم من ابهاره وتسجيل أفضاله عليها وكأنه أحد الملوك البابليين العظام .
وفي قصيدته ( أيتها النائية ) يتحول الحب الى حالة من المناجاة التي لا تخلو من التحسّر على الحبيبة التي ضاعت على الرغم من إطلالة الصباح : ( يا للهول / أكل هذا الصباح الشاسع ؟ / ولم أر منك شيئا) .
وتكاد تكون قصيدة ( فيروز ) ذات حالة معاكسة وخالية من التحسّر على الحبيب ، فالحبيبة هنا هي التي ترى في الحبيب ملاذ روحها ، ولهذا السبب أجدها قصيدة مختلفة عن سابقاتها : ( أين أنا / خذني في أمواجك / وموّجني / حتى أصل ضفافك النائية ) .
وفي قصيدة ( أول العذوبة ) يصبح الشاعر في دائرة عشق صوفي حد التماهي في الحبيب
: ( أنحائي تتبعثر في بهائك ) . أما قصيدته ( الكلمات ) ففيها يظهر الشاعر موقفه من الشعر والشعراء وكأنه يوجب على الآخرحتمية للكتابة : ( الكلمات / حينما لا تنفخ فيها / من روحك / أصابع مطفأة / فإلى أين تشير ؟ )
تكاد قصيدة ( ؟ ) أن توجز محن الشاعر كلها : ( خرجت من عتمة / وها أنت تمضي / إلى أخرى / فإلى أين تغذ أحلامك / وأنت / بين هاويتين ) .
إن العتمة الأولى تمثل رحم الأم الذي خرج منه الشاعر متأملا ضوء العالم فإذا به أمام عتمة أشد إتساعا ألا وهي هذا العالم المليء بالمتناقضات .
وأخيرا وبعد هذه العذابات كلها ، هل يستسلم الشاعر أم سيواصل تقدمه ؟
إن قصيدة ( تحد ) تجيبنا على ذلك : ( حدّق في جرحك / بصمت / واترك حلمك يمشي / على قدمين / ووجهك مختلط ببياض النهارات / وانت / ممتليء بالغيب ) .
وإذا ما أردنا البحث عن معنى المعنى في هذه المجموعة ، سنجد أن هذا المعنى ـ والذي يعني الجوهر ـ قد ورد بمعان عدة ، منها : الحقيقة كما في قصيدة ( أول الحب ) . أو البحث عن الحقيقة : ( أيتها البلاد ) . أو ابتكار المعنى : ( خيبة ) . أو البحث عن إيجاد معنى للغياب نفسه أو إجابة عن التأويل ليصبح الحقيقة الراسخة ، وأحيانا القصيدة تصبح دالة المعنى للشاعر . وقد يحدث أن يصبح المعنى نوعا من الغياب : ( القصيدة تسير اليك ) وأحيانا يتشظى المعنى ليتحول إلى أشلاء : ( لا جدوى ) . وفي قصيدة ( ترنيمتان ) يتحول الحب وحقيقته هو المعنى وجوهره . وأخيرا يتحول المعنى إلى الحقيقة والموقف لدى الشاعر ، فمن خلاله يستطيع أن يجعل من كلماته طريقا حقيقية لتقديم كل ما هو أصيل كي يتحول المعنى إلى إكسير القصيدة الأزلي .
إن المتأمل للأشكال التي كتب الشاعر فيها قصائده سيراها متنوعة ، منها قصائد التفعيلة والقصيدة العمودية فضلا عن النصوص النثرية ، وهي بلغتها الصافية تؤكد لنا أن الشاعر طلال الغوار يسعى إلى منح هذه القصائد دفقها الشعري وشعريتها من خلال إنزياحاتها وصورها وتراكيبها اللغوية . فالشاعر شاعر تركة ثقيلة وهم إنساني كبير لذا فقد جعل من الشعر ملاذاته الروحية التي جسدت هذه التجربة ووضعتها بين أيادينا .
























