
قصص قصيرة جداً لبلقيس الملحم
تنوع الثيمات في رغيف وتمر ونواح عراقي
ايمان عبد الحسين
إذا سلمنا بداية؛ أن القصة القصيرة جدًّا يمكن النظر اليها بوصفها جنسا ابداعيا له خصوصيته واستراتجيته النصية وشروطه الخاصة ، بوصفه عبارة عن فكرة تحكي جانبا من جوانب الحياة بصورة ولغة تختلف عن لغة القصة والرواية ذلك باعتمادها سمة التكثيف والاختزال و الإضمار والحذف، و استثمارها مكونات متنوعة كالمفارقة، والإدهاش، والمفاجأة، و ايضا الاعتماد على الإيحاء والإسقاط الرمزي فهي على العموم تشخص وتلمح لواقع اجتماعي وانساني معين في زمان ومكان محدد، مع ميلٍ واضح في الاعتماد على رؤية انبهارية استعجابية في الخاتمة .
وما نلاحظه في هذه الظاهره القصصية المسماة بالقصة القصيرة جدا التي استطاعت أن تفرض نفسها بشكل منماز في العراق وسورية والمغرب وغيرها من الدول العربية الاخرى ، ان تاثير الإبداع النسائي فيها على الرغم انه استطاع ان يكون ظاهرة أدبية لافتة للانتباه في الاعوام الاخيرة، الا انه يعد ابداعا رجوليا بصورة خاصة ، ذلك كون القصة النسائية القصيرة جدًّا بالمقارنة مع الكتابة الذكورية لم تنطلق بالانطلاقة ذاتها فقد بقيت المشاركة النسوية فيها لم تحظر بذات القوة وذات التاثير .
في إطار هذا المسار ما يهمّنا هناهو المجموعة القصيرة جدا للقاصة بلقيس ملحم المسماة رغيف وتمر ونواح عراقية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة التي تتضمن القسم الاول (59) قصة قصيرة والقسم الثاني يتضمن (143) قصة قصيرة غير متساوية الحجم تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين قصة واخرى ، وانه حسب المقايس المحددة لجنس القصة القصيرة جدا انها تنحصر في الحجم القصير جدا ما بين نصف الصفحة والصفحة ، وإلا تضحى أقصوصة، فان في مجموعة القاصة نرى التفاوت الواضح فيما بين القصص فبعضها يصل الى صفحة واحدة ونصف الصفحة، وبعضها يكون عبارة عن خمسة وستة اسطر، وبذلك يمكن عدها مجموعة تجمع ما بين القصة القصيرة والاقصوصة ، وان هذه القصص على الرغم من تركيزها على محاور عديدة وعلى الرغم من تنوع موضوعاتها وتعدد ابعادها ، الا انها في الحقيقة تنطلق من منظور واحد ، يربط بينها الموقف الشعوري لذات القاصة محاولة فيه تفجير المكبوت المتراكم على الروح لتعلنه لقارئها عبر النواح الذي هو في معجم المعاني الجامع- يعرف بانه صوت الكلام مع البكاء ؛ صوت المرأة وعويلها مع بكاء على الميت-، ونظراً لما للنواح من موقع حسّاس في القصص ويشكّل دالا يتجه بصورة مباشرة نحو مدلوله فيها وهذا ما نلمسه بدا من العنوان الذي يعتبر نصاً اخر مضاف الى المتن وعلامة واضحة في تحديده، وهو بوصفه بنية مركّزة لا بد ان يندمج بمتن القصة القصيرة جدا بوصفها هي الاخرى بنية مركزة وتكون بمنزلة العنوان الذي يكونان مندمجين معا يكملان بعضهما البعض لتكوين الفكرة الاساسية في بؤرة القصة التي توخينا قراءتها من هذا الجانب.
وهذا ما نلمسه ايضا عبر المتن التي نتلمس دلالاتها من خلال نماذج من الصور المتنوعة ، للنساء مأزومات أمام ما يعتريهن من ماسي ونكبات جراء الحروب والارهاب، التي أفقدتهن راحة البال ذلك لفقدان الاحبة القريبين الى الروح ، فلم يجدن غير النواح لا سيما حينما يكون النواح عراقيا اي ينبع من داخل المراة العراقية بكل ما يحدث له من ضيم وقهر، وبكل ما يتصدر همومها من المشكلات الاجتماعية والانسانية ، وخاصة فيما اذا كان متبوعا بالرموز التي تجسد البيئة العراقية الفقيرة لما لهذه من الدلالات التي يتنوع تناولها من مبـــدع إلى مبدع آخر وفقاً لتجربته للحياة ومعاناته وهي الرموز المتمثلة برغيف الخبز والتمر.
وتبعا لما سبق نرى أن السبب الذي يفضي إلى هذا النواح هي الحروب والارهاب، التي تترك ندوبا مؤلمة في النفس ، تطرح القاصة فيها هنا الواقع استنادها إلى التضمين من جهة والتصريح والمباشرة من جهة اخرى،وان المفارقة ان من لا يعرف الكاتبة السعودية بلقيس الملحم يظن انها كاتبة عراقية في الصميم نشات في ظروف الحروب والارهاب وهو ما أرهف مشاعرها وجعلها تحمل من الاسى ما تحمله شخصياتها في كل قصة ، ويطول بنا المقام لو أردنا أن نتتبّع جميع القصص فان اختيارنا سينصب الى البعض منها لضيق المكان، كما في قصة فاطمة حسين التي هي (ابنة شهيد عراقي قد قضى قبل عامين في تفجير احدى الاسواق الشعبية في مدينة الصدر بينما كانت يداه تعبثان في الاكياس وهي تعد البطاطا والطماطم) وقصة قرعة(ولكي تمطر السماء ارغفة الاماني الحالمة كان لا بد من ان يستشهد ابنها الوحيد في احد الانفجارات التي اسكتت صوته وهو يتجول لينادي على بضاعته المزجاة في احدى اسواق الشورجة اخيرا خرج اسمها في قائمة الحجاج العراقيين لهذا العام) قصة ازرار (تفقد مكان الانفجار عبر غرفته اكثر من مئة مرة شبر فيها روحها التي فاضت تحت جبروت الحروب التقط ارزرار قميصها الابيض)قصة كبد (كيف حملتها الخطوات لثلاجة الموتى؟ الان ستكشف ان كانت الجثة لابنها ابراهيم ام لا خرجت من الثلاجة بابتسامة باردة ليس هو سالها الطبيب لا اجدك سعيدة اجابت لانه فلذة كبدة اخرى) قصة قمحة حرب(في قلبي حملت نعش بيتي وطفالي جبت الطرقات الجائعة بعفة وحين انهكني التصبر صادفت قبرة تنوح على راسي حينها اكتشقت بان النعش سرق وباني اضيع لوحدي في طرقات الموت).
وان القاصة التي اختارت صور الجثث و صور المقابر الجماعية التي تعمد فيها استنطاق الأحداث المرتبطة في زمان ومكان معين وكما هي في الواقع وكما لو انها نطبعت في ذاكرتها ، كما استطاعت أن تبني من تفاصيل هذه الإيحاءات صورة مركبة موحدة لبلد تعرض للموت والتشظي نتيجة الارهاب والدكتاتورية وهناك أكثر من قصة تستوقفنا نستحضرالبعض منها : قصة ببساطة(بعد ان انتهت فاتحة اهل بيته الذين قضوا في القصف الامريكي قلب فناجين القهوة المرة وهرب بنفسه الى دجلة دلى قدميه فيها سمع صوت استغاثة بعيدة فسبح للضفة الاخرى غطس اكثرفاكثر وفي منتصف الحرب احسس ببرد يتسلل الى اطراف روحه التي راحت ضحية قصف عشوائي) قصة حوض (كان اليوم الاخير من فاتحة جارتنا ام رحيم التي ماتت عطشا وهي تتنتضر رفاة زوجها المفقود توسطت المجلس سيدة اربعينية متدينة وبدات حديثها عن القيامة فانتصب شعر جلدي) قصة عفراء ( عاكفة على الرصيف تجمع خردوات نثرها رماد الحروب وكمصائر ملتوية في بطن جائع تعصر عباءتها من عرق الخبز مرت همر امريكية روعت طماننية رزقه اليوم فرفعت راسها للسماء وصاحت لا صبحتوا)قصة محشي(انتهى الحفارون المتخصصون في المقابر الجماعية من حفر خمسين قبرا دون ان يجدوا اثرا للمغدورين حفروا اكثر فاكتشفوا حفرة كبيرة محشية باكداس الضحايا العجيب في الامر انهم دفنوا في اكياس نظيفة ومرقمة بذمة ضمير) العطشى(انتهت المعركة ، مات الكثير من الجنود دون ان يعرف احدهم ايهم انتصر).
وفي تنويع آخر في استخدام ثيمة النواح وما يحتويه من المرارة، وكما تقوم اغلب القصص على جدلية الحياة والموت الحرب والسلام كذلك تقوم بعضا اخر من القصص على جدلية العلاقة ما بين الرجل والمراة ، الحب والكره، التي تعبر القاصة فيه عن رفضها للمعطيات السائدة والإدانة لطغيان الانظمة والتقاليد المستبدة، والقاصة التي تجعل من كل قصة من القصص السابقة تخاطب الوجدان فهي تضيف الى الصور السابقة صور اخرى تطرح فيه واقعا يائسا اخر مفروضا على النساء فحتما بما انها كاتبة سعودية فلا بد لها ان تستشعر هموم المرأة ومشكلاتها وتجعلها مادة نقدها معلنة انحيازها إلى جانب إبراز إنسانية المرأة المستلبة ولتطرح مدى معاناتهن في ظل واقع مرير مقيدهن بحدود مرجعيات مختلفة تصبهن بالعجز والاستلاب والخوف والظلم والقهر ؛ وهذا ما تظهره في كثير من القصص التي وان اضحت الحرب مصدرا لمعاناة المراة في اغلبهن يصبح الرجل في بعض القصص مصدر لمعاناتها ايضا فالموضوع واحد وإن تعددت المداخل الفنية إليه، فالقصص عبارة عن خطاب نقدي موجّه الى مأساة المراة الذي ينكرالرجل والمجتمع وجودها وحقوقها ،وتتنازعها المخاوف من جراء ذلك لا سيما ان الكاتبة السعودية تعاني”بسبب مواقفها الدينية المتسامحة من المذاهب الاسلامية الأخرى قصة شيرك ( تعرف جيدا وتدرك انها لا يحبها وبان قلبه لا يصلي الا لواحده الله ومع ذلك تفرش سجادتها لصق جبينها محاولة استراق النجوى) قصة نهيق وردة(البسي وجهة حمار قال وهو بركب ظهرها زحفت وهي تحمله حتى وصلت لمراة مكسورة كان قد سرقها من بيت فلاح انها مراة امي قالت وهي تذرف وجها حزينا قهقه بصوت عال جدا ثمة حماران في الغرفة ) قصة صخب(تفتح فمها لتقول صباح الخير فيعيرونها انت ثرثارة تغلق فمها حتى المساء فيعيرونها انت خرساء تعاود الحديث بطريقة سريعة مختصرة بعض الاحداث في لمحة عينها فيغطون وجوههمم ويضحكون في اليوم التالي وجدوها امام المراة تقص لسانها بذات المقص الذي ابتاعوه لقص شريط حفلة صاخبة)، قصة الاولى(انها اللية الاولى بدونه لم تعاتبه على زواجه بالاخرى اكتفت بحفظ اخر قميص نزعه في غرفتها قبل ان يزف لعروسه الجديدة لتبكي رائحته بطوال العشرة التي انكرتها ذات صبيانية)قصة بلوى(ولانها فاتنة الجمال فقط تزوجها يخرجان كصديقين حميمين الى السوق الى المطعم الى المقهى الى ال….الا انهما في كل مرة يعودان متخاصمين من هول جمالها وغبائه مرت ستة اشهر من زواجهما وما انتهت عدة الطلاق المتكرر) .
ولا بد من القول اخيرا أن القاصة التي قدمت صور قصص تتسم بالقتامة والتركيز على البكائية تلوذ بها من قسوة الحروب، فانها تتسم بنزعتها الى التصوف والتماهي الرموز الدينية التي تتجلى عادة في الكتابة الشاعرية والانفعالية ، “وقد تناثرت هذه الألفاظ والمعاني في كثير من القصص منها قصة الزهراء(نظرت الى السماء وقالت يارب نظر الرب اليها قال هو بانتظارك ) قصة مسروق(لم يقتنع بالفكرة ما تاكد منه فقط انه مات منذ مئات السنين ولما قدمت اليوم الى الضريح زائرة غريبة وقبلت سياجه الانيق عرف انه كان مسروقا وللتو استرد روحه وعافيته)قصة قدسية (علي وفاطمة قصة حب لم تكتمل لولا رحمة الله كلاهما تزوج انجب علي فاطمة وانجبت فاطمة عليا فاوحى الله لغصنين من شجرة طوبى ان اشبكا فانزلق منها كساء من حرير لف عروسين في المهاد) قصة ضريح بارد(فيما احرقتني دموعي وانا التصق بشباك مذهب ابكي حنين العراق دخيلك يبن الثلبت) قصة شفاف(قالت وهي تفتك بحبات اللبلبي لو كتن عشقه صوفيا لاكتفى بقصيدة او قصدتين لا ان يكتب عنها دواوين باكمله ارد مبتسما في قصيدة جديدة العشق الصوفي مدرسة وليس قصة طويلة يا حلوتي).
























