وداعا أيتها السنة القادمة

154

وداعا أيتها السنة القادمة

سعدون جبار البيضاني

ان كل قصة قصيرة ماهي الا دراما ، لكن لكل كاتب فكرته الدرامية الخاصة على حد تعبير بريخت ولكي نتمكن من استيعاب المدونات الدرامية التي هي حصيلة عوالم متخيلة فان فهمنا لاي نص يتجسد من خلال القراءة ولأن القراءة هي مسألة شعور شخصي فأن القارئ شريك غير مباشر في عملية انتاج النص عبر ثيمات تقترب وتبتعد في اكثر من موقع وكي ادخل مباشرة في تجربة سعدي عوض الزيدي عبر مجموعته القصصية “وداعا ايتها السنة القادمة ” الصادرة عن دار الشؤون الثقافية سنة 2000 فان الثيمة الاولى التي تطغي على المجموعة  هي الاسئلة الباطنية التي تبحث عن استقلال ذاتي يفتح قضية علاقات بنى متبادلة بينه وبين شخوصه تتعارض وتتناسق ضمن علاقات باطنية وعميقة لايريد الاجابة عليها ولا يوضحها ، فلا تخلو قصة من قصص المجموعة من تلك الاسئلة (وانا أسير الحب غير المعلن ، الحب الذي اخفيه مثل الفراغ الذي يجلل اوراقي ..وماذا بعد ؟) قصة تبرير قصصي ص  ( 9.

انها ليست من بلد اجنبي ..بل من مواليد العشار ، مفارقة أليس كذلك ؟ ( هل تحب مدينتك ؟) ( هل النهر قريب ؟) هذه الاسئلة ضمن القصة نفسها ص 10. بالرغم من تشعب محاور القصة التي تتموضع ضمن مفاصل ومداخلة حياتية متباينة ترتقي الى الهم الاجتماعي الذي يضغط على الكاتب ضمن ماهو قائم في الحقيقة فهو يفتح مدار البحث في الماورائيات التي تعتمد على عوامل لغوية أو نصية هي مصدر توليده لحياة  او سيكولوجية الكاتب وظروفه التاريخية لمرحلة معينة تمثل انموذجا خاضعا للتاويل عبر اسئلته التي لا يريد لها جوابا فهو تارة يسبر اغوار التاريخ لانتقاء شخصية بغض النظر عن مكانتها الاجتماعية ويؤطرها بحلمه الخاص الذي يخضع للتأويل من اجل الهروب من الخوض في المتاهات غير المستقرة للعلاقة بينه وبين شخصية طاغية معايشة للنص عبر انا الراوي العليم وبين ما يبحث عنه مسوغا لديمومة الحياة كما في قصة مزاد قسري (الجميع متفرجون فمن يثمن الكنوز ؟)أو ( هل كان السيد هولاكو يتوقع مثل هذا الحشد في المدينة ذاتها التي طربت فيها سيوف جنوده على رقاب فتيانها ؟) ص 14 .

هذه الاسئلة هي محاكاة الواقع عبر تصوير كتابي لما يصوره الراوي وان القاص عبر هذه التوليدات يحيلك الى نصوص حكائية سمعها شفاهيا او قراها ويريد تاطيرها بأطر تختلف تماما عما يريد تأكيده بتغريب العالم الذي يؤمن به او يعتقده باوضاع وحقائق مكشوفة الا انها معتمة وهذا افتراض عبثي لا عقلاني يفرضه عليه ظرف حياتي خاص ( أعلى وجع أم على طبول الفتح المتكررة نستيقظ اعين الاطفال ؟)ص 17 ان اسلوب القاص الزيدي القصصي ووعيه جعلاه يكرر اسئلته عبر انا تضامنية غير طاغية يؤكد فيها وجوده الحي والواعي ضمن عوالمه القصصية وشخوصه التي يعتقد انها قريبة جدا اليه عبر لغة شفافة ومسترخية رغم انه يؤطرها بعدوانية مفتعلة (ربما يقول أي ذئب دنيء انت ؟) (فما عساني ارتقب ؟)ص21 بينما يحاول ان يفلت من مسار الاطر التقليدية للقصة بوصفها مبنى حكائيا ً او موجزا ً حكائيا من خلال زجه لغة الشعر على شكل مقاطع شعرية قصيرة ضمن المتن دون ان تؤثر على سير احداث النص من اجل رفع التاثير الفني او التكنيكي الى أقصاه ..

تغرقان معا  /

/ يغرقكما جسد زاهدة الهائج /

/ تعبر الاعوام حكايات

وخطوط ملونة / و / نعبر معا ليعبر

أحدكما كما العراك الأخير / ص 22.

ثم ينحو في بعض المواضع منحى وجوديا للخروج من دوامة الرتابة من اجل إثارة صراع داخلي مفتعل بين شخوصه الذي جعل منهم كومبارس ملاصقا لشخصية الراوي وليس المنحى الوجودي ضمن مفهوم سارتر لكنه يظل يتابع أسئلته كما في قصة الشجرة (هل تصنع ظلاً ًكبيرا ونشرب الشاي تحتها وندور حولها ؟) ص31( استفهم دائما كيف لي صيانة هذه الشجرة او السيدة وصيانة نفسي من الخوف ؟) ص 32 .من يلبسني ظلي ؟ عنوان القصة هو سؤال يضاف الى ماطرحه ضمن متن القصة ( من يلبسني ظلي ويخلع القناع عن وجهي ؟)ص44(وانا انظر الى صاحبي سألته ..أتعرف ذلك الرجل ؟)ص45  .

ان هذه الاسئلة وهذه اللغة الخاصة تجعل سعدي الزيدي يبدو مشوشا وقلقا لحظة الكتابة وان هذا القلق اغلب الاحيان يعد من ادوات الكاتب الابداعية لانه يجعلك تشعر بشدة العبث الناتج عن الادراك المتناقض ظاهريا عبر صياغة وتكنيك يشدان القارz الى قصص المجموعة من دون ان تشـــــــعر بهذه اللغة المشبعة بعذوبة الشعر وحبكة النص لان صفة القصة القصيرة برمتها كما يقول البروفســـــــــــــور وليفرن ستون” ينبغي ان تقودنا من دون ان نشعر الى نهاية التألق ..أؤكــــــــد دون ان نشعر.

مشاركة