الإنزياحية في خارطة الريح

97

الإنزياحية في خارطة الريح

المفردة الشعرية تؤطّر وحدة الموضوع

يوسف عبود جويعد

يعتمد الشاعر عصام كاظم جري في مجموعته الشعرية (خارطة الريح) البنية الانزياحية في صياغة المفردة الشعرية لما لها من أثر في بنية النص ، كونها تساهم في تقديم صور واستعارات رمزية ودلالات تساعد في تماسك وحدة الموضوع ، اذ أن الشاعر ملم بادواته الشعرية ويعرف أن المفردة المنتقاة والتي تدخل ضمن السياق الفني لبناء القصيدة الشعرية ، يجب أن تكون ذات عمق دلالي مميز، وليس مفردة تؤثر في تشكيل النص، ولا تحقق الغاية المتوخاة التي يريدها ، وهكذا فأن نصوصه الشعرية نحت هذا المنحى ، اذ إننا لا نجد الثيمة او الحدث المتناول بشكله المباشر، بل أنه مضمر في بحر النص، لتقوم تلك المفردة بتقديمه بشكل ينتمي الى تكوين القصيدة ، وفي رحلة في فضاء النص نكتشف ذلك بشكل واضح ، في قصيدة (أمام نصب الحرية) ينقلنا الشاعر الى اهمية هذا النصب في الفترة الحالية ، حيث أنه اصبح رمزاً واضحاً لانطلاق المظاهرات:-

العَبيد

غارسو الأمل وبائعو النحيب

قادمون بأحزمة تحفر الأوطان

وتؤجل الذباب

علقوا أوزارهم بعد أن خانتهم البيانات

وتلك المظاهرات وبرغم استمراريتها الا أنها لم تحقق الغاية المتوخاة من انطلاقها كونها باتت رتيبة ومملة ، ويختتم الشاعر قصيدته في صورة انزياحية تعطي انطباعه على تلك الوقفات الاحتجاجية ونصب الحرية:-

ليحاصروا الموت بعطش الشرفات

جملت جنائز الضباب

ويوم اصبح التقاعد فريسة

للحروب

لم تعد ثمة فوضى

أو مقهى عجوز

وفي قصيدة (طلب) يقدم لنا الشاعر البنية الانزياحية ، حيث يحيل الطلب بشكله المباشر الى كتلة من الصور والرموز والدلالات الاستعارية التي تعمق منحى الطلب:-

من ينقذ الصباح؟

من يحرث الاشجار التي تيبست؟

من ينقش أمنيات امرأة

من سومر؟

آن للذكرى أن تبحث عن الورد،

وننتقل الى صورة شعرية اخرى ، لتداعيات ذاتية انزياحية ، وهو يقدم لنا بنية العنونة الظل ، كحالة تشبه الذكريات والماضي ، والسنين ، والوحدة ، والوحشة

نكتشف ذلك في قصيدة ( الظل)

حين كنت

واقفاً عند باب الذكرى

شاهدت استعراض الليل الموحش

بين ذاتي

وقد زادني ظله ليلاً

سأتحدث عني

أنا بالذات

أن الشاعر عصام كاظم جري يؤكد من خلال ما يقدمه من نصوص شعرية ، أن المفردة الشعرية الانزياحية في تكوين النص ، تعني الصورة الجمالية داخل متن النص ، وكذلك تكون تلك النصوص منتمية الى عالم الشعر دون سواه ، اذ أن الهوية للشاعر هو ذلك الارث الكبير من المعرفة الحياتية ، وكذلك مسيرة الحركة الشعرية وتتابعها ، وهي تثبت ان اللغة الانزياحية حالة من الحالات التي تبعد التدوين النصي للشعر عن السرد ، وأن نصوصه تعطي فرصة كبيرة للمتلقي للولوج في سياق النص ، والتأمل في تلك المخيلة الشعرية الخصبة ، وفي صورة انزياحية اخرى ، يقدم لنا الشاعر التناوب في تقديم الالوان ليجعل منها رؤية شعرية عن ثيمة القصيدة في ( نافذة من بياض)

عن الليل

الذي يلف اسماءنا

في قنديل أبيض

ويلف عدوى البصمات

التي تصرخ في ضيافة الفراغ

اليك اعمل بياض السحر

أن البنية الانزياحية تتيح للشاعر تقديم الوان شعرية بسياقات فنية مختلفة ، تثير الاهتمام وتجعل المتلقي مشحون الذهن لمعرفة ثيمة النص وتفاعله معه ، في قصيدة ( ومضات) يقدم لنا الشاعر صورة اخرى للحياة كما يراها :-

الشوارع ….

قبضة من جنون

والبيت لا يتسع لغير اللعب

مع الجرذان

سأتغنى بأمجاد من رصاص

تحجب اجراس مودتنا

وفي قصيدة (قراصنة) نكون مع الشاعر وهو يصرخ بوجه القراصنة من اجل اعادة الحياة الى نظامها الصحيح:-

ايها القراصنة

احملوا الي المسالك

المولعة بالمنفى

احملوا النجم عندما يهبط

في مغارة

كي اجمعه في متاحف العزلة

وبعيداً

عن مقهى الاسئلة

وفي صورة اخرى ، يفسر لنا الشاعر الهجرة من الوطن في رؤية مكثفة وقصيرة عبرت بشكل دقيق عن تلك الحالة في قصيدة ( هجرة)

للهجرة

صورة قيد بريئة

وصعلكة

من يكشف غطاء الوطن

دون برد

ضمت المجموعة الشعرية (خارطة الريح) للشاعر عصام كاظم جري ، خمس واربعون نصاً شعرياً ، تناول واقع الحياة في هذا البلد ، والتداعيات الذاتية وافكار كبيرة وكثيرة ، وهي رسالة ادبية موجهة الى المتلقي ، وانساق ثقافية مضمرة تعكس اللحظة المنتقاة من رحم الحياة ، وهو يؤكد في ذلك أن البنية الانزياحية في قصيدة النثر اداة مهمة من ادواتها ،

مشاركة