مفهوم الشعر في القرآن الكريم ليحيى الشيخ صالح
التخييل والمبالغة والكذب لا الوزن والقافية
زهيرة بولفوس
أصدر الباحث الجزائري الأستاذ الدكتور “يحيى الشيخ صالح” دراسة نقدية جديدة موسومة: “مفهوم الشعر في القرآن الكريم – التخييل والمبالغة والكذب لا الوزن والقافية “؛ وهي الرابعة في مساره النقدي بعد دراسته الرائدة حول “شعر الثورة عند مفدي زكرياء –دراسة تحليلية فنية”1987م، التي تلتها دراستان رسمتا بعدا جديدا في توجهه النقدي ؛ الأولى منهما موسومة: “حداثة التراث / تراثية الحداثة – قراءات في السرد والتناص والفضاء الطباعي” 2009 أما الثانية فهي ” بحوث في الأدب والفكر”2009.
قدّم الباحث في كتابه الجديد ” مفهوم الشعر في القرآن” تصورا نظريا رائدا جنح فيه صوب صياغة نظرية متكاملة لمفهوم الشعر انطلاقا من القرآن الكريم، مبرزا وجها آخر من وجوه الإعجاز القرآني في جانبه المرتبط بالتنظير للشعر بوصفه أكثر أنواع الإبداع التصاقا بالعرب، مؤكدا فضل السبق له في قضية التأصيل لماهية الشعر من القرآن الكريم ، في ملمح لم ينتبه إليه رواد الحداثة والتجديد المعاصرون في ثورتهم على المفهوم الخليلي للشعر المرتبط بالوزن والقافية.
ولعل ما دفعني للكتابة عن هذا المنجز النقدي المتميّز ما لمسته فيه من شجاعة في الرأي وأصالة الفكرة ونبل المقصد؛ الذي أظهر اختلافه عن باقي الكتب التنظيرية التي اشتغلت على مفهوم الشعر ونظّرت له قديما وحديثا.
سعى هذا الكتاب إلى استنباط مفهوم للشعر العربي، من خلال القرآن الكريم حصرا ، يختلف عن المفهوم الشائع بأنّ الشعر هو “الكلام الموزون المقفى”، وقد قدّم الكاتب أقوى البراهين النصية من القرآن الكريم على أن هذا المفهوم القائم على الوزن والقافية لم يكن في يوم ما مفهوما للشعر عند العرب قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي ت170هــــــــ ؛ حيث ارتبط مفهومه عند عرب الجاهلية وصدر الإسلام بالكذب والتخييل والمبالغة دون أدنى اعتبار للوزن والقافية.
تنبع أهمية هذه الدراسة في مخالفتها السائد والمألوف في الدراسات النقدية التي أصلت لمفهوم الشعر أو تلك التي نظّرت له، خاصة عند رواد التجديد في الشعر العربي الحديث ؛ فقد شهد النقد العربي في العصر الحديث وتحديداً في منتصف القرن العشرين، ظهور حركة التجديد في الشعر العربي، وكانت أولى أبجدياتها رفض تعريف الشعر بأنه “الكلام الموزون المقفّى”، وهي في رفضها اعتماد هذين العنصرين ركيزة في تحديد مفهوم الشعر لم تعد إلى النص القرآني، أو إلى البحث في واقع الشعر وماهيته قبل “الخليل بن أحمد الفراهيدي”.. ومن هنا يأتي تميّز هذه الدراسة واختلافها عن سابقاتها في مجال التنظير للشعر والبحث في ماهيته ؛ حيث إنّها قد سجّلت سبقها في اعتماد القرآن الكريم حجة في صياغة مفهوم للشعر يتجاوز الوزن والقافية ؛ ولعل هذا ما سنفصل أبعاده تباعا في هذه القراءة التي تصبو إلى التعريف بهذا الجهد النقدي المتميز ، وإبراز مكامن الإضافة فيه.
لقد أثبت هذا الكتاب، بمقاربته الآياتِ القرآنيةَ التي تتناول الشعر، أن المفهوم القرآني للشعر – من خلال مفهوم كفار قريش عندما اتهموا كلاً من القرآن الكريم والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بالشعرية- هو الكلام القائم على الكذب والمبالغة والتخييل وليس الكلام الموزون المقفّى، وذلك بمقاربة قامت بمسح شبهِ شامل للتفاسير القرآنية، وسمحت بالكشف عن نصوص وآراء في التفسير كانت مغيّبَة ومهمشة، لأنها لم تكن تساير التوجّه القائم على أن الشعر كلام موزون مقفّى، ولم تتناولها أية دراسة تسعى إلى استنتاج مفهوم للشعر من القرآن الكريم.
فكرة الكتاب ومنبعها
انطلقت فكرة هذا الكتاب من تأمل موقف نقدي رائد لناقد جزائري مغمور من عشرينيات القرن الماضي هو الشاعر الناقد “حمود رمضان” 1906-1923 الذي صرّح قائلا: «ولو أنهم [الجاهليين] قصدوا بالشعر الوزنَ والقافيةَ لما قالوا في بداية الدعوة المحمدية – على صاحبها أفضل السلام وأزكى التحيات – إن القرآن شعر، وإن صاحبَه شاعر مجنون ، مع علمهم أنه كلام مرسلٌ لا أثر للوزن فيه».
وقف الباحث عند هذا الرأي وصاحبِه في حوالي عشر صفحات، احتراماً للأمانة العلمية، ولتقديم لمحة عن صاحب القول، وعن المناخ الذي ظهرت فيه المقولة.. ليتوجَّه بعد ذلك إلى دراسة القضية في حوالى ثلاثمائة صفحة من الحجم الكبير، كلها تقوم على تفاسير القرآن، بشكل عام، وبدون أي تصنيف لها، أو أيّ تمييز بينها على أيِّ أساس أوانتماء.. إلا ما تعلق بتناولها لمفهوم الشعر، وهذا إجراء علمي منهجي موضوعي، مما جعل من تلك التفاسير المراجع الأساسية للبحث، إضافة إلى عدد قليل جداً من كتب النقد وغيره، مما له علاقة وثيقة بالموضوع.
وفي عودة الباحث إلى الجهد النقدي الريادي لحمود رمضان مبرراته الموضوعية ، التي تبرز ريادة الجهود النقدية الجزائرية في صياغة تصور نقدي جديد للشعر من جهة، كما تبرز وجها آخر من أوجه الإعجاز القرآني اللامحدودة من جهة ثانية ؛ حيث انتهى الكتاب إلى نتيجة على قدر كبير من الأهمية، يمكن أن تشكّل إضافة إلى ما هو معروف عن تفرّد القرآن الكريم وإعجازه؛ ذلك أن قارئ هذا الكتاب يمكنه الوقوف على سبق القرآن الكريم كلَّ النظريات الحداثية إلى تعريف الشعر على أساس صفاته الجوهرية من كذب ومبالغة وتخييل، بدلاً من صفاته الشكلية من وزن وقافية.
ولعل اللافت للنظر في هذا الكتاب أيضا أن صاحبه قد ترفّع عن توظيف مقولات الحداثة أو التطرق إليها؛ لأن هدفه الأساس كان التوصل إلى مفهوم للشعر من خلال القرآن الكريم، اعتماداً على تفاسيره القديمة أساساً، تجنّباً لأي احتكاك بتأثيرات الحداثة، وترفعاً بالقرآن عن أية مقارنات بينه وبين تيارات وطروحات بشرية، دون أن يعني ذلك موقفاً من الباحث ضد الحداثة وإنجازاتها التي لا ينكرها إلا جاحد؛ فالقضية في جوهرها قضية تحديد للموضوع ومصادره وموضوعية في مقاربته.
محتويات الكتاب
تناول الكتاب جملة من الموضوعات ذات العلاقة المباشرة بمفهوم الشعر ، ووردت إشارة إليها في القرآن الكريم بما يسهم في عرض المفهوم القرآني للشعر؛ وأهمها:
اشكالية الموضوع؛ ودراسة جوانبها، المتمثلة في عوامل شيوع تعريف الشعر القائم على الوزن والقافية، بالرغم من اختلاله، واستعراض كل ما يحيط بتهمة الكفار القرآنَ الكريم والرسولصلى الله عليه وسلم بالشعرية، من حيثيات وعوامل وخفايا؛ حيث انتهى التحليل في هذا الجانب إلى استبعاد افتراض جهل كفار قريش بالشعر إلى حدّ وصف القرآن الكريم بالشعرية على أساس الوزن والقافية، وهو أي الوزن والقافية ما لا يتوفر إلا في آيات قليلة نادرة، لا يمكن لأي عاقل وصف القرآن على أساسها، كما تم استبعاد عامل الموقف العبثي أو غير المدروس من قبل الكفار، نظراً إلى أنهم في معركة مصيرية ضد الدين الجديد، ليس معقولاً أبداً الاستخفافُ بها، ومواجهتها بمواقف ومقولات متهافتة، أو غير مؤسسة.
والنتيجة أن الكفار حين وصفوا القرآن الكريم بالشعرية كان هدفهم وصفه بالبشرية، أي إثبات أنه ليس وحياً منزّلا، وهذا لا يتم إلا بالذهاب إلى ما تشيع فيه الصفات البشرية من كذب ومبالغة وتخييل.. عكس ما يتصف به الوحي من صدق وحق.. والدليل على ذلك أن الآيات التي جاءت تحاجج الكفار في اتهامهم القرآنَ بالشعرية، ردّت عليهم بإثبات أن القرآن حق وصدق، وذكر وهدى، وهو ما يناقض الكذب والمبالغة والتخييل، ولم تشر أبداً إلى شكله، أو تصنيفه إلى نثر مرسل مثلاً، أو ما شابه ذلك، مما يثبت بقوة أن مقصود الكفار من اتهامهم القرآن بالشعرية هو وصفه بالكذب والمبالغة والتخييل، وليس الوزن والقافية. للتوصّل إلى أساس إشكالية شيوع مفهوم الشعر القائم على الوزن والقافية، جنح الباحث صوب تقديم دراسة تاريخية إحصائية غير مسبوقة لتفاسير القرآن، استعرض فيها عشراتِ التفاسير، مما ينتمي إلى مرحلة ما قبل الخليل، وما بعده، حيث انتهى إلى نتائجَ مهمة ، تضيء إشكالية مفهوم الشعر: أهمها أن تفاسير ما قبل الخليل كانت لا تتوقف كثيراً عند الآيات التي تناولت الشعر في القرآن الكريم، لأنه كان معروفاً، ولأن التركيز كان على تفسير آيات العبادات والأحكام.. أما تفاسير ما بعد الخليل فقد تأثرت بالتعريف الجديد للخليل، وأصبحت تفسر المفهوم الشعري في القرآن على أساسه، وهو خطأ منهجي، لأنها أصبحت تفسر القرآن بمفهوم لم يكن موجوداً أصلاً وقت نزوله.
واللافت المثير في هذا الجانب تحديدا ما توصل إليه البحث في تلك التفاسير؛ حيث إنّ منها ما شذّ عن مفهوم الخليل، وجنح إلى اعتماد المفهوم القائم على الكذب والمبالغة والتخييل، وهذه التفاسير هي التي اعتمد عليها الباحث ودعم بها حجته في رسم تعريف للشعر العربي، قائم على أساس صفاته الأساسية، وليس على شكله.
من أهم موضوعات هذا الكتاب ما توصّل إليه من دلائل وقرائن تؤكد المفهوم الشعري القائم على الكذب والمبالغة والتخييل، في القرآن الكريم، منها: أن كفار قريش لم يتهموا القرآن بالشعرية فحسب، بل أيضاً بصفات أخرى هي: السحر، الجنون، الكهانة، الكذب، أضغاث الأحلام، أساطير الأولين.
وبتتبع الباحث لدلالات تلك التهم ومعانيها، وقف على أنها تتفق في دلالة السلبية بوصفها بشرية، وفي دلالتها العامة على غير الحق ونقيض الواقع، مما يجعلها ذات حقل مشترك في الدلالة مع لفظة الشعر فضلآ عن الدلالات الخاصة بكل لفظة، مما يرجِّح قصد المفهوم القائم على الكذب والمبالغة والتخييل من تهمة كفار قريش، ومن ردّ القرآن عليها، وقد تم التوصل إلى ذلك من خلال مقاربة آيات كثيرة وتتبّع آراء المفسرين حولها.
لعل الجدير بالذكر أن مفهوم الشعر القائم على الوزن والقافية واجهته أسئلة لم يستطع الإجابة عنها، وتناقضاتٌ لم يستطع تجاوزَها، طوال قرون من الزمن، لكنها، جميعا، وجدت أجوبتها في المفهوم القرآني القائم على الكذب والمبالغة والتخييل، الذي جنح الباحث إلى إثباته، مما شكّل جملة القضايا التي تناولها هذا الكتاب على شكل فصول؛ من أهمها:اختلال شرط توفر النية والقصد في إثبات الشعرية: لجأ القدماء إلى “إجراءات” تُبعد عن القرآن شُبهة الشبَه بالشعر، منها اشتراط توفر النية والقصد عند القائل، لكي يكون ما يقوله شعراً، وقد طبقوا ذلك على القرآن الكريم، لينفوا عنه الشعرية، فقالوا: إن الله حين أتى في القرآن بآيات موزونات لم يكن يقصد الشعر، بل جاءت كذلك اتفاقاً غير مقصود، ووقَع في هذا الخلل أكثر المفسرين القائلين بالمفهوم القائم على الوزن والقافية؛ وقد ذهب الكتاب موضوع هذه الدراسة إلى أن في هذا الخلل تجاوزاً لا ينبغي السكوت عنه، لأنّه يصف الله عزّ وجلّ بالنقص، إذ يقصد شيئاً ويتحقق شيء آخر لم يقصده!! كما يحدث للبشر تماماً.. مؤكدا أن المفهوم القائم على الكذب والمبالغة والتخييل بعيد عن هذا الشرط، وهذا الزلل.
من اختلالات المفهوم القائم على الوزن والقافية؛ تحديد الحكمة من جعل القرآن غير شعر، والرسول عليه الصلاة والسلام غير شاعر، بأنها إبعاد التهمة عن هذا الأخير بأن يكون القرآن من عنده، وبأنه قَويَ عليه بملكته الشعرية، لكن الباحث رأى أن ذلك غير صحيح، ولا يستقيم؛ لأنه لو صحّ لَمَا أوتي الرسولعليه الصلاة والسلام ملكة البيان المرسل، وبلاغة الخطاب وجوامع الكلم، لأنها أقرب إلى القرآن من الشعر، فلِمَ لم يُخف من هذه الأخيرة ؟، وفي المقابل، في المفهوم الصحيح الذي تبنته هذه الدراسة للشعر: يتجلى أن الحكمة من تنزيه الرسول عن الشعرية، تتمثل في تنزيهه عن صفات الشعر والشعراء السلبية الواردة في القرآن الكريم :(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) سورة الشعراء، الآيات 226- 224 حيث لا توجد أية إشارة إلى الجوانب الشكلية من وزن وقافية، بل إلى الكذب وما ينتج عنه من مبالغة وتخييل، مما يؤكد أن مفهوم الشعر قائم أساسا على هذه الأخيرة دون سواها. فواصل القرآن، أو السجع هي إشكالية أخرى، وجدت حلها في هذا الكتاب، عن طريق المفهوم الصحيح للشعر؛ فأصحاب المفهوم القائم على الوزن والقافية وقعوا في حيرة بين تجلّي السجع الواضح في القرآن، وبين توفره في سجع الكهان، وفي شبهه بالقافية، وهما مما نفاه الله عن القرآن الكريم، مما جعلهم يلجأون إلى تعليلات واهية، لا يستقيم لها منطق، وهو ما وجد له هذا البحث أجوبة وتعليلاتٍ قويةً في إطار المفهوم الذي اعتمده، فما دام ذلك المفهوم قائما على صفات الشعر وليس على شكله، فليس هناك مانع من أن يتوفر في القرآن سجع أو ما يشبه القافية، لأن تنزيه القرآن عن الشعرية والكهانية أساسه إثباتُ أنه وحي منزّل، يتصف بالصدق والحق؛ أي بعكس الكذب والتخييل والمبالغة، وادِّعاء علم الغيب.. المثبِتة للبشرية في أدنى صفاتها، وما دام الأمر كذلك، فلا حرج ولا تناقض في ورود السجع أوالفواصل في القرآن، لأن تنزيهه عن الشعرية وكلام الكهان، ليس قائماً على أساس الوزن والقافية والسجع، بل على أساس صفاتهما الشعرية والكهانية .
فضلآ عن ما تقدم من موضوعات وقضايا تطرق هذا الكتاب أيضا إلى قضية تؤكد سلامة المفهوم الذي ارتأى صاحبه أنه الأصح؛ وهي قضية المنهج الإسلامي القائم على التركيز على الجوهر وتفضيله إيّاه على المظهر، في كل شيء، مثل تسويته بين أبناء آدم، وإقرار التفاضل بينهم على أساس التقوى، أي العمل الصالح، وهو جوهر، بخلاف صفاتهم الجسدية، وانتماءاتهم القبلية واللغوية.. التي لا قيمة لها في الإسلام: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات، الآية 13? بل وصل الأمر إلى حدّ اعتبار تلك الفروق والاختلافات من آيات الله، إلى جانب آية خلق السموات والأرض: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ? سورة الروم)، الآية 22 أمام هذا المنهج الإسلامي الواضح، والمنطقي العادل، هل يمكن تصوّر أن يكون نفي الشعرية عن القرآن الكريم وعن الرسول صلى الله عليه وسلم، قائماً على أساس الجانب الشكلي للشعر من وزن وقافية، وهما ليسا عيباً في الكلام، بل من مزاياه وحسناته، وأن يتم إهمال الجانب الجوهري الذي هو صفات الشعر، من كذب ومبالغة وتخييل؟؟ ..والشيء نفسه يمكن قوله عن نفي الكهانية باعتبار شكلها القائم على السجع، أو باعتبار مضامينها من كذب وادّعاء بمعرفة الغيب.
والنتيجة أن المفهوم القائم على صفات الشعر الجوهرية من كذب ومبالغة وتخييل، هو ما يصدق عليه وصف المنهج الإسلامي الإلهي المشار إليه سابقا، على عكس المفهوم القائم على الجانب الشكلي، من وزن وقافية في الشعر، ومن سجعِ في الكهانية.
من نتائج البحث ومن مفارقاته التي تبرز تميّزه أيضا، أن الحداثيين العرب وقعوا في التجاوز الذي وقع فيه الخليل تماماً، بالرغم مما بين الطرفين من فروق وتناقض؛ فالخليل حين وضع تعريفا للشعر العربي لم يعُد إلى القرآن الكريم، ولو فعل لما قال: “الشعر كلام موزون مقفّى”، والحداثيون العرب عندما أرادوا تجديد مفهوم الشعر، لم يعودوا إلى القرآن الكريم، ولو فعلوا لوجدوا فيه ضالّتهم التي ستكون أقوى حجةٍ يرفعونها في وجوه خصومهم من رافضي التجديد الشعري، يضاف إلى هذا اختلالٌ منهجي من قِبل جلّ المفسرين، فهم حين فسروا القرآن لم يتساءلوا عن مفهوم الشعر المقصودِ تشبيهُ القرآن به من قِبَل كفار قريش، بل اعتمدوا مباشرة مفهوم الخليل، في حين أنه لم يكن قائماً ولا موجوداً ولا معتمداً وقتَ نزول القرآن.سعيُ هذا الكتاب إلى إبراز مفهوم جديد للشعر غيرِ المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، لا يهدف أبداً إلى المساس بفكر الرجل وعبقريته، وريادته في دراسة العروض وموسيقى الشعر، لكن الإشكال قائم فقط في تعريف الشعر، الذي رأى صاحب الكتاب أنه غير صحيح، وهذا لن يُنقص نظرياتِ الخليل وجهوده في العروض شيئاً، لكنها ستقوم على أساس أنها من خصائص الشعر العربي في مرحلة ما، ومن تقنياته في مجال الموسيقى، لا على أساس أنها حدٌّ تعريف له، يشكّل علامةً فارقة بين الشعر وغيره من الكلام، وشرطاً أساساً لدخول أيّ كلامٍ حرمَ الشعرية. الفصل الأخير في هذا الكتاب عبارة عن ملخص جمع أهم النتائج التي تمّ التوصّل إليها، وهي كثيرة يصعب تلخيصها، في هذا العرض الموجز، غير أنه ينبغي الإشارة إلى أنها، بشكل عام، غير مكررة ولا مشهورة، وتؤشر إلى أفكار فيها من الجدة والقوة، والتماسك الشيءُ الكثير، بكونها أنها معتمدة أساساً على القرآن ومستخلَصة منه، وقد يكون من المفارقة أن تكون تلك الأفكار الطريفة الجديدة كلها من القرآن؛ إنه الإعجاز مرة أخرى، بالرغم من أن اكتشافه حديث؛ فليس معقولاً ولا منطقياً أن يتم قبول تجليات الإعجاز في العلوم الطبيعية والكونية، دون علوم اللغة والأدب، بحجة أنه ليس فيها ما يضيفه المتأخر إلى ما توصل إليه السابقون. وعليه فإن ما يجب الإقرار به نهاية هذا العرض لمحتويات الكتاب هو أن الأستاذ الدكتور “يحيى الشيخ صالح” قد أكد للمتلقي العربي أن باب الاجتهاد لايزال مفتوحا في مجال إبراز أوجه الإعجاز القرآني المتعددة، وأن العودة إليه في صياغة نظرية متكاملة للشعر يعد فتحا نقديا أبرز المعايير الواجب الاحتكام إليها في تعريف الشعر؛ التي هي في الأساس صفاته الجوهرية التخييل والمبالغة والكذب والتي تتخطى الصفات الشكلية التي اهتدى إليها الخليل بن أحمد الفراهيدي ومن جاء بعده من النقاد والدارسين والقائمة على صفاته الشكلية الوزن والقافية، القابلة للتغيّر بحسب معطيات العصر وروحه.ولعل هذا ما يجعل المفهوم القرآني للشعر القائم على التخييل والمبالغة والكذب هو ماهية الشعر وحقيقته الخالدة في كل زمان ومكان.
{ جامعة الإخوة منتوري قسنطينة، الجزائر.
























