خان الشابندر بين خرائب موحشة

خان الشابندر بين خرائب موحشة

سيميولوجيا الذواتِ المهشّمة

إياد خضير

زيارة  قام بها الراوي إلى منطقة الحيدر خانه ، إحدى مناطق بغـــداد القديمة  وهو العائد من هولندا بعد مرور عشرين عاماً لأنه  كان  هارباً من بطش الدكتاتورية  ، كانت بيوتها قديمة تكثر فيها الجرذان وسقوفها من جذوع النخيل ، ازقتها ملتوية  تسكنها نساء مهشمة من الداخل بفعل الفقر والعوز ، في داخلها يمارس الجنس واللهو والغناء .. زارها ليستذكر أيام شبابه عندما دخلها لاكتشاف فحولته ، صوّر الجانب الإنساني لهذه العوائل البسيطة المسحوقة في هذا الحي ، صوّر لنا مرارة الواقع العراقي ، الألم والضياع من خلال الحكايات التي ترويها بنات الهوى .. بصفته باحثاً اجتماعياً ويستمع إلى حكاية كلّ واحدة منهن ، حكايات مختلفة من هؤلاء البسطاء الذين مزقهم العوز والفقر والحروب والعنف .

إنّ أهم ما يتصل بالتقنيات السردية في الرواية المعاصرة تلك التي تنجم عمّا يسميه (جيرار  جينيت ) باللواحق ، كالارتداد والاسترجاع والاستذكار ، وملء الفجوات الناجمة عن عمل الكاتب ، وفي الوقت نفسه تسهم في دفع السأم والملل عن القارئ وتكسب العمل الروائي  حيوية وتجدداً.*1

(ــ ويلك .. صديقي الحبيب ألم تعرفني ؟ .. أنا صديقك سالم.

ــ سالم ؟ .. من سالم ؟ اعذرني فذاكرتي متعبة في الواقع .

ويلك .. أنا سالم .. سالم محمد حسين .. ماذا دهاك ؟

ــ نعم تذكرت … كان لي صديق حميم أسمه سالم محمد حسين ، لكنه اعدم من خمس وعشرين سنة .. تمرد على العسكرية .) ص44

إنّ الرواية لا تكون مميزة بمادتها ، لكن أيضاَ بواسطة الخاصية الأساسية المتمثلة في أن يكون لها شكل ما , بمعنى أن تكون لها بداية ووسط ونهاية والشكل هنا له معنى ، الطريقة التي تقوم بها القصة المحكية في الرواية ، إنه مجموع ما يختاره الراوي من وسائل وحيل لكي يقدم القصة للمروي له .

ضوية التي تحرش بها والدها وأخذ يمارس معها الجنس ولا تستطيع أن تقول إلى والدتها حتى حبلت منه واخذتها أمها واجهضت ، ثم عادت بعد ذلك إلى العمل في الدعارة .

( ليس هناك نقاط ياعيني .. كل ما في القصة إن أبي نام معي عندما كنت في الرابعة عشرة.

ــ ماذا ..؟ …. ابوك ؟

صرخت مندهشاً .. نظرت الفتاة في عيني وقالت كمن يتشفى بي .

نعم .. أبي .. غريبه ها ؟!

عقدت الدهشة لساني .. لكن الفتاة تابعت من دون أن ترفع نظرها عني .

ــ أتاني في الليل وأنا نائمة ورفع ثوبي وأخذني .. كنت لا أعرف شيئاً .. كان يشخر فوقي وأنا أرتجف مرعوبة .. وعندما أنتهى مني أنسل إلى سريره ونام بجانب أمي .) ص16

تشخيص المكان في الرواية هو الذي يجعل من احداثها بالنسبة للقارئ شيئاً محتمل الوقوع ، بمعنى يوهم بواقعيتها ، أننا نجد روايات نجيب محفوظ حيث تتحول أغلب أحياء وشوارع القاهرة وجوامعها إلى مادة  لخلق فضاء الرواية .

رواية خان الشابندر اتخذت من منطقة الحيدر خانه وأزقتها وبيوتها في بغداد وصف لمكان أو أماكن واقعية ، فضاء للسرد الروائي ، و يفهم الفضاء أنه الحيز المكاني في الرواية وهو معادل لمفهوم المكان الروائي ..

( اجتزنا أول الامر أزقة ضيقه تملأها الازبال وأنقاض البيوت المهدمة .. ثم سرعان ما صرنا نخترق خرائب آيلة للسقوط وبقايا بيوت بغدادية قديمة هدّها الزمان .) ص9

تعدد الرواة

إن تعدد الرواة يؤدي غالباً إلى تعدد وجهات النظر حول قصة واحدة ، وليس من الضروري أن تكون الرواية داخل الرواية مشروطة بتعدد الرواة ، فبإمكان راوٍ واحدٍ  أن يعقد علاقات بين مقاطع حكائية مختلفة من حيث زاوية الرؤية ، وهكذا يولّد الراوي الواحد زوايا متعددة للرؤية . *2

هند لها قصة غريبة جداً ، فهي مدرسة جغرافية قتل زوجها في إحدى مجازر النظام الدكتاتوري ، لها بنت حاولت أن تحافظ عليها .. وبعد عام 2003 وسقوط النظام ، اشتغلت في مجال الترجمة في إحدى الوحدات العسكرية النيوزيلاندية ، اختطفتها إحدى المليشيات بتهمة التعامل مع المحتل ، أرسلت رسالة إلى ضابط الفرقة تطالبه أن ينقذ ابنتها ويربيها لأنها سوف تقتل ، سلمت الرسالة إلى أختها الصغيرة وارسلتها إلى البصرة ..

نيفين هجرها زوجها وسافر إلى استراليا ، وبقيت مع أمها القابلة المأذونة المتقاعدة من مستشفى الراهبات . الرواية متعددة الأصوات ، الراوي العليم علي صحفي ، يعمل باحثاً اجتماعياً ، ام صبيح وهي المسؤولة عن الخان ، وضويه ، وهند مدرسة جغرافية ، و نيفين ، أبو حسنين المصري الذي قتل ابنه حسنين في الحرب العراقية الايرانية ، أم نعيم العجوز  وزينب بائعة الكعك ، التي تعيل عائلتها ، الرواية  يغلب عليها طابع الحوار، قليلة السرد  .. البطل في الشخصيات الأخرى يصبح منظور المكان السردي الروائي ملوناً بهذا الحوار وهذا الجدل وتصور ذات المكان الرواية تحاول تطبيع المكان بناء على الرؤية الروائية الخاصة بالنص .

إن الفضاء في الرواية هو أوسع ، وأشمل من المكان ، إنه مجموع الأمكنة التي تقوم عليها الحركة الروائية المتمثلة في صيرورة الحكي سواء تلك التي تم تصويرها بشكل مباشر أم تلك التي تدرك بالضرورة ، وبطريقة ضمنية مع كل حركة حكائية ، ثم إن الخط التطوّري الزمني ضروري لإدراك فضائية الرواية بخلاف المكان المحدد ، فإدراكه ليس مشروطاً بالصيرورة الزمنية للقصة . *3

(لم تعافكِ نفسي على الاطلاق .. كل ما هناك انني عندما دخلت لم أكن أنوي المتعة بقدر ماهي حاجة إنسانية في نفسي أن أتعرّف إلى المكان واتحدث ،i ممكن .. أمّا اذا تعدين إذلالاً ، فأنا اعتذر .. ونهضتُ عازماً المغادرة .. فنهضت فجأة وأمسكت بيدي

أجلس يابني .. أنا أفرح معك ألم تقل إنك تريد أن نتناقش ؟ ماالذي دهاك )..ص28

( كان الظلام قد أطبق أو كاد .. وصار المشي في الازقة الضيقة مخاطرة كبيرة .. ومما زاد في قلقي ايغال صاحبي في الشرب لكنه بدأ كمن يعرف طريقه .. مررنا بعدد من الخرائب الموحشة ، وتناهت الى مسامعنا أصوات نباح كلاب وأنين .. وكان الوضع مفزعاً بحق ..) ص41

تنتهي الرواية بقطع رؤوس بائعات الهوى ، نساء حزينات بائسات ، الجوع والحرمان والاضطهاد القسري دفعهن لممارسة الدعارة ، في بيوت خربه منزويه في درابين ملتوية والتي تؤدي إلى خان الشابندر .

فوق الحائط

قدمت إحدى المليشيات المتصارعة على الحكم أن تقطع رؤوس نساء الدعارة وتعلقها فوق الحائط .

(لم ينقطع المطر لثلاثة أيام متواصلة ، كانت الرؤوس المزروعة فوق الطوب مبللة بالكامل وخصلات الشعر المبلول ملتصقة على الوجوه لكن الماء غسل بقايا الدم الذي ظل يجري كالمرازيب ليومين كاملين .. كنت هناك احرسها طوال الوقت ، كلما اقتربت القطط رميتها بالحجارة .. حتى توقف المطر وانقشعت الغيوم وظهر القمر في كبد السماء ،عندما جاءت أم غايب وجمعت الرؤوس بكيس الجوخ ومضت بها باتجاه مقبرة باب المعظم …) ص171

يسرد لنا الراوي حياة بغداد السرية البائسة العوائل التي تعيش تحت خط الفقر لتمارس الدعارة كان السبب النظام الشمولي والاحتلال الامريكي تدهور الاحوال المعيشية ، يعتبر دافع للانحراف وكذلك العامل النفسي في جو العائلة ، تفكك الاسرة كان أساساً في انهيارها نتيجة انفصال الزوجين .

أبطال الرواية يتصارعون في حوارات تعكس البؤس والشقاء والحرمان الذي وجدت نفسها مقذوفة  في غياهبه  ..

الرواية صادرة عن دار الآداب ــ بيروت بواقع 175 صفحة من الحجم المتوسط

.*1تقنية السرد وعناصر السرد د. أحمد علي محمد .

*2 بنية النص السردي من منضور النقد الادبي د. حميد الحمداني .

*3 نفس المصدر اعلاه