سالم شفيق..من ضحايا أيام صدام
الأبرص في مسرحية الطوفان
صباح المندلاوي
مثله مثل مئات الالاف من العراقيين ممن لا تسعف ذاكرة اهاليهم في تحديد يوم الميلاد او الشهر، وعندها يبادر المعنيون في مديرية الجنسية لاختيار الاول من تموز عيداً لميلادهم، ولذا فهو وكما تشير وثاقة الشخصية من مواليد 1/ 7/ 1943.
يمضى طفولته المثقلة بالاحزان في نحلة سراج الدين الشعبية ببغداد. دخل المدرسة الابتدائية فيها، واذ يعاني اهله من ضائقة مالية يضطر ترك دراسته ويتوجه للعمل في احد محلات بيع القرطاسية في سوق السراي وحيث الكتب التي تباع على قارعة الطريق على اختلاف الاغلفة والعناوين، اضافة الى مكتبات العامرة بالكتب والمطبوعات.
لا يلبت طويلا حتى يترك العمل في هذا المحل ويلتحق باخيه في محل لبيع الاجهزة الكهربائية في باب الشيخ وبصعوبة بالغة ينهي دراسته المتوسطة نظراً لما تستلزمه من تكاليف ومصاريف لا يقوى عليها وهو المعيل لعائلته.في شبابه وبعد بلوغه العشرين عاماً يشاطر صديقه وفي احدى مدارس الرصافة ببغداد، خفايا الالعاب السحر وبمهارة الوقوف على الخشبة واثارة دهشة الحضور واصداء الاعجاب التي يحصدها وما تتركه في نفسه من نشوة وحبور ربما تدفعه لاحقا ليختار طريقه الى المسرح ورغبته في ان يكون ممثلاً بارعاً يشار اليه بالبنان ويلفت الانتباه ويحظى بالشهرة الاعجاب.
ومن هنا وحينما تتأسس فرقة مسرح الصداقة عام 1966 وبمبادرة من الفنان القدير اديب القليه جي وقد اتخذت من المركز الثقافي السوفيتي في شارع ابي نؤاس مقراً لها ومستفيدة من القائمة المسرحية فيها لتقديم عروضها.نراه ومن ضمن اعضاء الفرقة بالاضافة الى عدنان الحداد واسماعيل خليل، جواد الشكرجي، خضير الساعدي، وليد العبيدي، حافظ العادلي، عبد الله مصطفى. وهو ما اشار اليه الفنان اديب القليدجي في كتابه المعنون (97 عاماً من مسيرة المسرح في العراق) وعند التطرق الى فرقة مسرح الصداقة.
وفي اعتقادي ان الفرقة هذه وما قدمته من عروض ثورية ومتنوعة، قد وفرت الفرصة له للتعرف على مجموعة من الفنانين ممن عرفوا بولعهم وعشقهم للمسرح وكذلك حرصهم واخلاصهم.. فكانت الحوارات والاحاديث واياهم تذكر في داخله الكثير مما فاته وماله علاقة بالمسرح ها هو يشارك وبادوار ثانوية الى جانب شقيقته ثورة سالم في مسرحية (الاشقياء) للكاتب عبد الستار العزاوي ولصالح جمعية حماية الفنون والاداب وللفترة من 28 نيسان وحتى الثاني من ايار 1967 في اللقاءات التي جمعتني واياه في (كازينو رعد) على ضفاف دجلة في اواخر الستينيات من القرن الماضي، كان يلتهب حماسة للتعرف على المدارس المسرحية وقراءة سلسلة روائع المسرح العالمي وخوض النقاشات المسرحية وتقييم الاعمال التي تاخذ طريقها الى الخشبة بل كان يقرأ على مسامعي معي ثمة محاولات له في القصة ربما كان صديقه الصحفي المعروف سعيد القدسي ممن يعمل في جريدة النور، يشجعه في هذا الاتجاه.
ينضم الى الفرقة القومية للتمثيل- ولعلها محطة مهمة اخرى في حياته- ويؤدي دور (الابرص) في مسرحية (الطوفان) للكاتب القدير عادل كاظم والتي اخرجها الفنان المبدع ابراهيم جلال ولصالح الفرقة القومية وكان ذلك عام 1971- 1972.
كوكبة متميزة
فالعمل مع المخرج الكبير ابراهيم جلال منحه الكثير فضلاً عن تلك الكوكبة المتميزة من الممثلين والممثلات بدري حسون فريد، سعدون العبيدي، عزيز عبد الصاحب، فاطمة الربيعي، كريم عواد وحينما يقدم الفنان الدكتور سعدون العبيدي لاخراج مسرحية iB-c تأليف معاذ يوسف ولصالح الفرقة القومية تيمنا بتأميم النفط في العراق.. يختاره العبيدي لاداء دور في هذه المسرحية.
وتتوالى مساهماته من جديد في مسرحية (كرندل) التي كتبها طه سالم واخرجها سامي عبد الحميد (وبغداد الازل بين الجد والهزل) تأيف واخراج قاسم محمد.
وربما هناك مسرحيات اخرى قدمتها الفرقة في اواخر السبعينات ومطلح الثمانيات من القرن الماضي ينشر في الصحف المحلية بعض المتابعات واللقاءات الصحفية- اذكر في اذار عام 1975 اجرى معي لقاءً صحفياً حول مسرحية (تعال معي الى شيلى) والتي قد باشرت باخراجها وهي من تأليفي وتمهيدا لتقديمها في مهرجان مسرحي يقام بمناسبة يوم المسرح العالمي في ديالى. وقد نشر اللقاء في جريدة النور في حينه.
يعتريه حزن شدبد حينما يرى اغلب اصدقائه ومعارفه قد غادروا الوطن في اواخر السبعينات من القرن الماضي هرباً من بطش النظام الدكتاتوري، وبما يوحى ان القادم هو الاسوأ والاقسة.
وبالفعل تندلع الحرب العراقية- الايرانية، طبول الحرب ترهب وترعب الجميع.. والانكى من ذلك وتحديداً في عام 1980 يجرى تسفير الكثير من العوائل بحجة التبعية الايرانية الى ايران ومنهم افراد عائلته واصدقائه.
يلتم غيظه وامتعاضه مما يجري.. يفكر في قرارة نفسه ومن الاهمية ان يجد منفذاً وحسب الامكانيات المتاحة للخروج من العراق قبل ان تمتد اليه دسائس النظام والاعيبه.
في الخامس عشر من اذار عام 1983 يغادر الى الجارة الكويت عند طريق منفذ سفوان الحدودي.
يتعرض الى تهديد من قبل المخابرات الصدامية لغرض العودة الى الوطن.. وعن طريق احدى الممثلات في الفرقة القومية.
وعندما يرفض مثل هذا الطلب وبأنه قد حسم امره في ان لا يعود الى الوطن وما يمر به فظائع وفجائع تبوح له تلك الممثلة بسر خطير وتخبره بأنه من الاسلم له ان يبقى في الكويت لانه على قائمة الاسماء الذين ينتظرهم القتل.
دب القلق والخوف الى اعماقه.. وهل يصعب على ازلام صدام في الكويت ان يخطفوه او يغتالوه؟!
يفكر في السفر الى قبرص للعمل في صحافة المنظمات الفلسطينية يصل قبرص.. يشعر بشيء من الاطمئنان والراحة المخابرات الصدامية تتعقبه من جديد.. تدس له السم الزعاف (مادة الزئبقيك) في الغذاء الذي يتناوله عندها يصاب بتمـزق في الاوعية والامعاء.
يبذل شقيقه مساعيه لغرض نقله الى امريكا حيث يقيم فيها. وبعد مراجعات لعيادات الاطباء واجراء فحوصات تظل معاناته تكبر يوماً بعد يوم ودون ان يتماثل الى الشفاء يتخذ قراراً يترك امريكا ويعود الى ايران حيث الاهل والاقرباء، فاذا ما وافته المنية على الاقل يتوسد الثرى بين اهله والاقرباء.ولما يصعب السفر الى ايران مباشرة، يختار السفر الى سوريا ومنها الى ايران.
وبعد اقامة قصيرة في دمشق وبعد مساع مخلصة من العراقيين المعتمين فيها يتمكن من الحصول على سمة دخول الى ايران.
يصل ايران في العرشين من ايلول عام 1985
وضع صحي
يراجع العديد من الاطباء للوقوف على وضعه الصحي المتردي بيد انه لايجد نفعاً فيما يحاول
تتهور حالته الصحية اكثر فاكثر.. حتى يتوقف قلبه عن الخفقان في الثالث والعشرين من تشرين الثاني عام 1985. في مدينة قزوين ويوارى الثرى في مقبرة السيدة معصومة في مدينة قم المقدسة واذ تمر في مثل هذه الايام الذكرى السنوية لرحيله هل فكرت الجهات المعنية ومنها الفرقة القومية للتمثيل وباعتباره احد اعضائها لاقامة فعالية تستذكره وذلك بتقديم شهادات عنه من قبل زملائه واصدقائه وبعض المخرجين الذين جمعيتهم ذكريات مشتركة واياه، على ان تجمع تلك الشهادات في دفتي كتاب ولترى النور.
وهو بعض الوفاء لهذا الفنان الذي ذهب ضحية السياسات الطائشة للنظام السابق مقرونة باركتاب الجرائم الوحشية البشعة ضد الابرياء والمعارضين.
ولعل دار الثقافة والنشر الكردية هي ايضاً مدعوة لاستذكار هذا الفنان والاحتفاء به وجمع ما نشر عنه خلال العروض المسرحية التي شارك فيها او اللقاءات التي اجريت معه فضلاً عن نتاجاته الادبية ومحاولاته في كتاب القصة ومتابعاته الصحفية.واخيراً ماذا لو بادرت وزارة الثقافة لتخصيص جلسة استذكار له، يسبقه عرض فلم سينمائي قصير عن حياته وابرز الصعوبات التي واجهته عبر مشواره الفني، وصولاً الى المغتربات التي عاشها ومسلسل المخاوف التي داهمته حتى ساعة يتوقف قلبه عن الخفقان وبمرض السرطان ولتضاف جريمة جديدة الى سجل الجرائم والممارسات الوحشية واللاانسانية للنظام الدكتاتورية السابق.ومن هنا فأن مؤسسة الشهداء مدعوة لانصاف هؤلاء الضحايا وشمولهم بالامتيازات المألوفة. ويا حبذا لو تم اطلاق اسمه على احد الشوارع في محلة سراج الدين او قريباً من ساحة بيروت حيث كان في اواخر السبعينات من القرن الماضي يسكن في شارع فلسطين.ولا ندري ايضاً ان كانت الجهات المعينة ستبادر لنقل رفاته من ايران والى العراق الذي كان يحلم بخلاصه من مخالب سلطة بوليسية قمعية جرت البلاد الى حروب كارثية والى خراب ودمار وضياع وتشرذم.في الذكرى الحادية والثلاثين لرحيلك والتي مرت قبل ايام نتذكرك باعتزاز بالغ. كنت عصاميا وطموحاً..
ونموذجاً للفنان المخلص والحريض والملتزم بقضايا شعبه ووطنه.
























