هتلية.. حكاية تاريخ
نوع خاص من السرد
وداد فرحان عزيز
في زمن وقح ،في زمن عصيب ، في زمن فقدنا فيه كل شيء جميل ،ضاعت فيه القيم والمبادىء ،ضاعت فيه الضحكات ،ضاعت فيه الحياة بأكملها ،في زمن اصبحنا بدلا من أن نصبح على أغاني فيروز شحرورة الصباح ،اصبحنا نفتح أذنينا على خبر مقتل فلان وفقدان فلان ، فقدنا الكثير الكثير من الاهل والأحباب ،فقدنا الكثير من الصحب والجيران ، يجتمع الشباب في ركن حارتنا يتساءلون :لمن الدور ،على من نحزن غدا ومن سنفقد غدا، اصبحنا كقطيع اغنام تنتظر دورها لتذبح فداءً لمن، لعقول اصابها الوجع، لعقول باعت ضمائرها وغسلها الجشع والطمع، لعقول ارادت ان ترتفع على اكتاف الابرياء فجعلت من دمائهم نهر يغطي وادي سومر وآشور وبابل مهد الانسانية ومنبع الحب والجمال ليصبح واديا من الكوارث والآهات وعويل ثكالى فقدن الاب أو الابن أوالزوج أوالاخ أو الحبيب.
وفي المساء ،آه والف آه منك يا مساء في بلادي ، نسينا فيه ارتشاف الشاي في بيوتنا ونسينا صينية العصرية وتجمع الصديقات والأحباب حولها وبدأنا نرتشفه في محافل العزاء نواسي من فقدت عزيزا دون رجعة ، أو أرتجف قلبها حزنا على قطعة من فلذة كبدها ،تعبت وربت وكبرت، سهرت الليالي الطوال تغطيه في المهد ترضعه من حليب دافئ نقي مضحية وبكل حب باوقات راحتها لتجعل منه رجلا يحملها على اكتافه ان ألم بها الدهر، واذا به يحمل على اكتاف دبابات المحتل ليرضخ هناك في معتقلاتهم بلا ذنب ،بلا رحمة، في زمن اصبح الانسان ليس انسانا ،يباع بارخص الاثمان بل اصبح بلا ثمن، ترى التوابيت تهرول مسرعة الى وادي السلام بأرتال تدمي العين والقلب لتلحق بآخر ينتظرها ، مع كل هذا يبدأ القاص والروائي الكبير شوقي كريم حسن يدق بأنامله قصة هذا الواقع المرير المؤلم وقلبه العراقي الاصيل ينزف دما ليس على اخيه (علي) الذي ظل اياما يبحث عن رأسه في مزابل حي طارق بعد ان اجتثته يد مدنسة لا تمت للانسانية والرحمة بشيء،بل ابكاه كل عراقي راح بغدر السافلين ،بل ابكته ولازالت تبكيه كل فاجعة تحمل اساها العراقيون ،قصة حكت ما دار بأهله على أيدي (هتلية) هذا الزمن الغادر نتاج هتلية الزمن الغابر ، خطها بحكايات الواقع لا بحكايات الخيال فأشار في عنوانها (ليست رواية) ليقول للتاريخ والاجيال انها من نسج الواقع وليس من نسج الخيال والتأمل كما هي عليها الروايات الأخر.
جرس خاص
كانت لـ(هتلية) شوقي كريم حسن جرس من نوع خاص لم يألفه غيره من اصحاب السرد ، بدأها بضحكة طويلة ،تركيبتها الموسيقية تدل على السخرية الكبيرة وربطها بأغنية سعدي الحلي التي تدل على العذاب والتعب العراقي ولأن سعدي الحلي مضربا لسوء الاخلاق ،متهما بها ،فجعل من غلاف الرواية صورة مشوهة له فكان للعنوان والغلاف والبداية تآلفا يدخل المتلقي الى اعماق الحكايات التي ظهرت لنا دون غيرها بلغة عراقية سلسة تحاكي اهل العراق خاصة خطوة جريئة لم يسبقه احد من قبل، فكاتبنا الكبير لم يهتم بأوجاع العراق فحسب بل اعكف على جمع معان والفاظ عراقية بحتة لم يتحدث بها سوى العراقي ليقول للتاريخ ان هذا الوجع لم يشهده الا العراقي لم يتحمل وزره سوى العراقي ،ثم يتابع سرده لاحداث الحكاية بلغة رصينة محبكة مشوقة تتخللها كلمات عراقية مثل :(تطش ،يتلطلط، أنوش ،تحوس ، المسودنة)لانه يؤمن ايمانا قاطعا بلغته السومرية الاصيلة التي لازالت تتداول على ألسنة العراقيين وهي ليست دخيلة عامية بل هي ما وجدها في اصول لغة السومريين وهو مشروع (شوقي) قيد البحث والانجاز،ونراه ايضا يتوقف عند هوسات الجنوبيات ليضفي رونقا عراقيا آخر يشد المتلقي الى مدينته العريقة المقدسة (الناصرية) ثم تسير به لتستقر في مدينة صباه التي ترعرع فيها مديتة الطين (مدينة الثورة) : (حوه… حوه … ليش مغرب واحنه النفخربيك) و(حوه… حوه …يا زين الرجال … وصاحب الغيرة) و(لاتبطل اللوم … والروحي تخليها /تنحب على المحبوب … بس لا تآذيها) ،كما رفد حكاياته بشخوص حقيقين من الواقع الشعبي لمدينته (عليوي النجار ، خضير القصاب ، شناوة الواوي بيت موحة ، جمالة ، فرج الاعور ،وغيرهم).
لقد مزج الكاتب اللغة العربية الرصينة الام ممزوجة باللغة العراقية الاصيلة المعبرة عن هوية الشعب العراقي وخصوصياته الثقافية وميوله النفسية التي هي نتاج تراكم تاريخ طويل من التجارب الحياتية والميراثات والمؤثرات الخفية والعلنية في داخل الوطن الواحد ،ولما يمتلكه العراق من تنوع طبيعي جغرافي وخصوصية بيئته له الأثر الكبير في تشكيل ثقافته ،حيث ان ساكني الجبال يختلفون حياتيا وثقافيا عن ساكني البوادي وعن ساكني الاهوار حتى ان اشكال الناس والوان البشرة وحجم الجسم تتأثر بنوعية البيئة ، اما في داخل الوطن الواحد فأن هناك ثقافات محلية متنوعة تبعا للتنوع البيئي الداخلي رغم ان الثقافات المحلية تشترك بقواسم مشتركة عديدة تجعلها تستحق تسمية (الثقافة الوطنية) فمثلا ان الثقافة الكردية العراقية رغم خصوصيتها الجبلية الا ان الاختلاط السكاني طيلة التاريخ مع سكان سهول النهرين خلق تقاربات وتداخلات ثقافية مع باقي العراق مهما اختلفت البيئات المحلية الا انها تجتمع في بيئة كبرى هي بيئة (وادي الرافدين) التي حتمت تمازجا وتداخلا سكانيا وثقافيا طيلة الاف السنين ، حيث لا تخلو حكايات مبدعنا منها، وكل ذلك اثر على اسلوب النطق وخلق لهجات متميزة في داخل اللغة الواحدة (اللغة العراقية) التي لعب الدور الاساسي في تكوينها ووحدتها هبة العراق :نهري دجلة والفرات ،فلولاهما لما وجد وطن اسمه العراق الذي ظل عبر العصور وحتى في ظل سيطرة الدول الاجنبية كما هو حاليا ممتدا من شمال نينوى حتى مصب النهرين في الخليج ،مع ان كل الحضارات التي قامت في العراق والجيوش التي غزته والأقوام التي استقرت فيه كلها كانت بسبب النهرين ،بالأضافة الى عطائهما وخلقهما الخصب والحياة المعطاء ،فأنهما كانا ايضا سببا للدمار وخراب الحضارات وسقوط الدول وتبدل السلالات والثقافات الا انه ظل دائما من نينوى الى البصرة موحدا ارضا وبشرا وثقافة ولغة ،وظل العراق شعبا واحدا بسلالات مختلفة ويكاد يكون البلد الوحيد في العالم الذي احتوى على هذا العدد من الفترات والنتاجات والعواصم الحضارية :سومر وآشور وبابل انفجرت خلالها نهضة حضارية جديدة مركزها بغداد دامت ما يقرب الستة قرون.
وميزة اخرى نرى فيها الكاتب يتحول وبسلاسة وعفوية من اللغة العربية الفصحى الى اللغة العراقية البحتة ثم يعود الى الفصحى من جديد بطريقة استرسالية تكاد تكون المقاطع هذه جزء لا يتجزء من بعضها (لاتبقين تبتسمين..وهاي شنو اشو من فوك لجوة..حنة وخضار…ههه سيد عواد لنبكه ما كامت اطلع حصرم..كامت اذب ذهب ها… واني جايبلي نص بطل مغشوش وأريد ارجع زمان..واكول يا زمان ارجع يا زمان..حتى انت يا سدرة سيد عبود..حتى انت؟ضحكت الشجرة وأطرقت خجلا وهي تتمتم بكلمات مبهمة غير واضحة الفهم /
ضحك السيد عواد وهو يعض ابهام يده اليسرى وكأنه شعر بالندم والانهيار ،كانا يتبادلان النظرات مستنشقين ثقل الخطوات التي بدأت تحني فذلة الشجرة مطلقة ادعية وتوسلات لا تتذوق سوى عبير الكراهيات ، عمتنه بجاهج عند مردوخ اريدج تقطعين رزقه..يريد يتركني ويتزوج غيري…..)ص 286
(اينك من حاضر مخبول ،هائج مثل روح البحر ، اينك من كل ما يحدث ، كانت احلامك تشعرني بالامل فما الذي جاء بك الان وانت تحمل كل هذا البوح الذي لا طائل من ورائه قلت – لا عليك لا بد وان تعود الايام الى طبيعتها ،أوما سمعنا ان دوام الحال من المحال
اهو رجعنا لايام الطبيعة..والبيضة من الدجاجة لو الدجاجة من البيضة..ومرت كاحلام الصباح رقيقة بيضاء تخطر في رداء اسود..اني حظي مصخم بالحب..يا فتاة الضباب لم يبق الا جسد متعب يحضن المنون….) ص285
نلاحظ هذا الامتزاج والتحول اللطيف بين اللغة العربية الفصحى ولغتنا العراقية (والذي يكاد ان يكون الطابع اللغوي للرواية) كامتزاج دجلة والفرات واصبحا يصبان في بودق واحد مكونان شط العرب فمن عشقه لدجلة والفرات ومن اصوله السومرية ومن دمه الذي ينبض حبا للعراق ، ومن اوجاعه وآلامه التي ولدتها اوجاع وآلام العراق من الام الفقراء من الام الكادحين من الام السجون والمعتقلات والتعذيب والترهيب والتنديد ولدت هتلية.
التشبيه والاستعارة
التشبيه والاستعارة من بدائع اللغة العربية استخدمها الكاتب بجدارة وتشويق مضيفا اليها رونقا يشوق القارئ ويأخذه حيث جمال الوصف والخيال ثم يرجع به حيث الواقع ، (تلاشت الاناث اللواتي يشبعن العسل ، وحدنا شياطين سوق الحورية كنا نبحث عمن يحدثنا لم يعد الموت الينا باستمرار ولم يرفض تركنا نمارس لعب الشياطين التي لا ترتوي بغير ماء الحكايات وعسل الاناث اللواتي ينظرن الينا برضا واهم)ص 41 هنا يستعير كلمة العسل ليعبر باسمى تعبير عن ما تمنحه الانثى من الحب حيث يرتشفه الرجال الذين شبههم بالشياطين حد الارتواء ولان الشيطان يغوي الى الرذيلة فوصفهم بالشياطين وبعد الارتواء تبدو علائم الرضا اللارضا حيث يصفه بالرضا الواهم
(كانت فكرة الخلاص تلوح براياتها دون ان تدلني على دروب الوصول اليها)ص 121 وكأنه يقول انه يعرف كيفية الخلاص من هذا الذي هو فيه لكن لا طريق للخلاص
(وبعد ان اغتسل بماء الزعفران الممزوج بعرق معبد الارتحالات ، وعطر جسده بكافور البساتين العتيقة الذي شع بالبهاء مانحا الروح عجائب الاسترخاء)ص 218. هنا حيث يصف الامبراطور الذي توضأ وضوءه الاخير فأي وصف حملنا اليه شوقي كريم حسن بهذا المزج بين الزعفران ورثة المكان الذي يشبهه بالمعبد واي عطر كافوري ذلك الذي يأتي به من البساتين العتيقة ليس لتكتمل هنا صورة حسية مجسمة فحسب وانما اصبحت صورة متكاملة لهذا المشهد
(السؤال افعى مقحوطة ، الاجابات صحارى لا تدري ما الذي يمكن ان يعيد بهاء خلوتها ، تجلسني ركامات الفجر عند بوابة الطين وحدها كانت تلوح لي…)ص178 هنا شبه السؤال من حدة وقعه عليه كالافعى المسمومة التائهة في صحارى الاجابات في تيهانها فلايجد من اجابة.
وفي آخر حكاياته اعطى نمط لضياع الانسان حيث فضل الانسان التخلي عن آدميته التي منحها اياه الخالق ليصبح كلبا يعوي حيث ما عادت الانسانية تنفع بشيء.
هتلية حكايات الوجع العراقي ، حكايات آلام السجون واحزانها ، حكايات الدماء الزكية البريئة التي سالت بغير ذنب والعجب ولا عجب في ذلك ان هذه الدماء تتحد حتى بعد موتها حيث يصفها (في الهنا خيوط من الدم … دم بألوان بدأت تجف رويدا لكنها بدأت تختلط مع بعضها بأرتياح دون أن تسأل ، أو هي تعمدت ان تطرد خوفها وارتباكها وحاولت أن تنسج أغطية وداعها الاخير بنسج احلامها المتناسقة الالوان والاشكال)ص 11 ، ليقول لنا ان الدم العراقي بكل طوائفه يتحد حتى بعد الموت ليجف متعانقا يشهد التاريخ اننا شعب واحد برغم كل الموت. هتلية هي تاريخ امة كتبت بقلم روائي مؤرخ لتخلد هذا التاريخ لا لتروى فحسب ومنها يحق لتا ان نضفي صفة جديدة لشوقي كريم حسن هي (الروائي المؤرخ).
























