الشاعر في قلب المعنى
شجر من محنة الوقت
رضا المحمداوي
(1)
طفولتي زجاجاتٌ فارغة
وأيامي قطراتٌ من مطرٍ
معلقة بغيمة ٍ من رماد
لسماءٍ لا تستطيع النزول
قصيدة (حجارة باردة)
من ديوان (مساقط الظل) عام
1997
* ربما يكون هذا المقطع الشعري المستّل من المجموعة الشعرية الاولى المعنونة بـ(مساقط الظل)للشاعر :نصير الشيخ ، والصادرة عام 1997… ربما يكون خُلاصةً من خلاصات التجربة الحياتية التي مرَّ بها الشاعر (مواليد العمارة 1962) وما زال يمرُّ بها وقد عَبَرَ نصف قرن بسنوات من وجوده على قيد الالم والشِعر والمحنة !
وما أنْ إنتهيتُ من قراءة المجموعة الشعرية الاخيرة لنصير الشيخ المعنونة بـ(شجر من محنة الوقت) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية ، حتى وجدتُ نفسي أبحث ُ في مكتبتي عن (مساقط الظل) ذلك الكُتيب الصغير الحجم (بطول 13سم وعرض 10سم) وضمَّ 14 قصيدة ، والذي إستعار فيه الشاعر مواصفات وخصائص النتاجات الادبية التي حرص ادباؤنا على طبعها على نفقاتهم الخاصة في زمن الحصار الاقتصادي، خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي، والذي لم ينتهِ إلاّ بسقوط الصنم الصدامي عام 2003
وما بين (مساقط الظل) و(شجر من محنة الوقت) فاصل زمني طويل نضجتْ تجربة الشاعر فيه وأكتملتْ بعض أدواتهِ الشعرية وأصبح أكثر قدرة على نظم القصيدة والمضي بها في طريق الشعر والحكمة والانجاز ، وهو الطريق الذي ستبدو فيه صورة الشاعر وهو يواجه الرغبة الجامحة للنزعة التجريبية التي بين جنبيه وقد اخذتْ تتسربُ الى اصابعه ِ ، تلك االنزعة التي تدفع الشاعر لتجريب الادوات والوسائل الشعرية التي يمتلكها في بناء تجربتهِ الشخصية ؛ وما يؤكد المنحى التجريبي لدى الشاعر هو هذا التنوع والتعدد في الموضوعات والاجواء والبيئات المبثوثة في قصائد المجموعة التي ضمَّتْ 22 قصيدة ، وتبعاً لهذا االتنوع والتعدد تتفاوت قدرة وإمكانية الشاعر في الامساك بجمرة المعنى وإبقائها متقدة ً ، ومتوهجة(2)
توهج داخلي
ثمَّة قصائد إنطوتْ على توهج داخلي ، وإتقاد ظاهر ، وقدمَّتْ نماذجَ فنية ً واضحة ً في تجربة الشاعر : نصير الشيخ في (شجر من محنة الوقت) ورسمتْ بألوان واضحة صورة ً متقدمة ً في تعاطي الشاعر مع القصيدة والوعي الحاد في التعامل الفني مع مفرداتها والحرص الواضح في الحفاظ على بنية القصيدة من التشتت أو الضياع 0
ومن بين هذه النماذج تقف قصيدة (صنوبر بهي) في المقدمة منها ،فالقصيدة ذات بناء متماسك ، فهي لا تذهبُ بعيدا ً عن وجهتها البنائية الاصلية ، وربَّما تفترش القصيدة ذلك البناء فتجلس أو تتمدد وتترك أطرافها تتحرك لكنها تبقى وحدة ً واحدة ً فلا يضعفها إطناب أو غموض جاهز لا ينطوي على معنى
تبدأ ُ القصيدة ب
(إليه
ذلك الذي ذهب َ في نزهة ٍ
قرب المحيطات التي من وراء حدودها
لا أ ُفق)
وتنتهي القصيدة ب
(إليك َ يا أبي
أيها الذاهب في نزهة ٍ للابدية
تفترش الرمال الساخنة ….)
إنها قصيدة رثاء من نوع خاص للاب الميت الراحل في ذكراه المتجددة حيث تعيش العائلة المكونة من ستة أخوة
(في شتائه المُلبد بالسكون
يفتح ُ دفتراً من خزائنهِ الملكية
كل ورقة
صورة ٌ مُحّنطة ٌبوسامتها)
ثم يفرد الشاعرُ ورقة ً لكل اخ ، والورقة ،هنا،هي صورة شخصية لذلك الاخ وميوله وطبيعته 0
(ورقة .. لسيد العشب راعي النجوم
ورقة ٌ… للسائر عَبْرَ ظلهِ
ورقة ٌ … للذي يتقدمنا
يحمل سرَّ الله على جبهته
ورقة ٌ… لصاحب الملذات
ورقة ٌ… للذي غاص في لهجة الحيرة
ورقة ٌ …لآخر الرايات)
وتحاكي قصيدة (خريف مؤجل) قصيدة (صنوبر بهي) في بنائها وتماسكها ووضوحها ووضوح معناها ومبناها ، واعتمدَ الشاعر اللازمة المتكررة (سأعتذرُ)كوحدةٍ بنائية وإيقاعية في المضي بالقصيدة والاسترسال فيها على نحوٍ مقتصد ، ومكثف
(ساعتذرُ …لخوف العصافير ونحن نهّم ُ بإفتضاض
حبات السنبل الاخضر
سأعتذرُ …لمرآة وجهي تتلبسه دماء كربلاء
سأعتذر ُ للقطارات المحملة بالقيظ والحنين والطحين
سأعتذرُ …لموجة البحر
سأعتذرُ..للتي تجيء محملة ً بالعطر تارة …..)
إنَّ هاتين القصيدتين ،على وجه التحديد، تقفان كنماذج بنائية واضحة المعالم وتدلان دلالة أكيدة على قدرة الشاعر في صياغة قصيدة ذات طراز بنائي خاص ومتميز ؛ ولا تبتعد قصيدة (محنة الوقت) التي وسمتْ المجموعة الشعرية بعنوانها عن أجواء البناء الفني والدقة في إصابة المعنى
والقصيدة تُعنى بالفقدان، والاحساس بالغربة، والفراغ إزاء الآخر الغائب، والغربة الذاتية ، وقد رسم الشاعر للقصيدة مفتتحاً مؤثراً له ُ إيحاؤه ُبالتداعي
(باصابع تيبَّستْ من فرط غربتها
وقلب لا يسعه ُ حزن الكربلاءات
عَلَقّتْ صورته ُ
على حائط متهدل)
إنَّها صورة للمرأة ،او الزوجة أو الاخت أو الأم وهي تتعامل وتتفاعل مع أيقونة الشخص الغائب ودلالاته الرمزية ، وتأخذُكَ القصيدة بعذوبتها الآسرة وتنساب بإنسيابية هادئة ، وثمة حزن شفيف يتسلل اليكَ مع هذه اللمسة الانثوية المُعَذبّة اليائسة التي ذبلتْ بفعل قطار الزمن الذي مرَّ عليها (3)
ومن قصائد البناء المُتقن والفكرة الواضحة ننتقل الى محور مهم من محاور قصائد (شجرٌ من محنة الوقت) وهو محور الذات المسحوقة والمُحبطة التي تئنّ تحت وطأة مشاعرها وإنكسارها وشعورها بالخسارة والفقدان والاحساس بالندم ، ومن قصائد هذه (الثيمة) قصيدة (طاعن في الرخام) وهي القصيدة الاولى في المجموعة إذ ْ يطالعك مفتتحها :
(من شباك العدم / وُلدتُ
أنام باغطية الحرب / أأكلُ من الحزن ما أشتهي
أستظلُ الساعة / بسقائف الندم
مفتتحاً بالوهم / سور الخراب
منهمراً في النشيج / ومنكسراً في الغواية)
أمّا في قصيدة (رمال) فإن الذات المُنكسرة والمُحبطة تنشطر الى نصفين ، في المقطع الاول يستعير الشاعر ضمير المذكر الغائب
(كأمير مخلوع / تقشّرُ صمته السنوات / وأيامه تمضغها الادعية)
لكن سرعان ما ينقلب الشاعر على هذا الضمير الغائب الى ضمير المُخاطب المذكر الحاضر
(تحدَّق في بئرك الهاوية / ترسم صلبك خشبا ً)
انقلاب الشاعر
رغم أني لمْ أجدْ ضرورة ً تستدعي هذا الانقلاب في ضمائر المُخاطبة والتحول في ضمير الفاعل
لكن في قصيدة (كهوف المدن) يحافظ الشاعر على وحدة ضمير الفاعل الغائب على نحو متصاعد ، ومتوتر ، ومحافظا ً بذلك على إيقاع متسارع يستعير الشاعرُ به ِ نبض الشارع وهمومه حيث يرصد الشاعر تفاصيل اليوميات والحياة الرتيبة والضياع
(يمّسد ُ فكرة الموت .. يلمعها / ويمد إنشوطة ً / من سقف الغرفة / حتى أطراف أقدامه)
(يَعّد ُ المصابيح / مطفأة كلياليه ِ / يَعّد ُ البنايات شاهقة مثل خيباته)(4)
وبإستثناء قصائد تواجهنا بانثيالها العاطفي وغنائيتها العالية بل وحميميتها وقربها الى النفس مثل (ذكرى أبدية) و(أقاصي)، وكذلك باستثناء القصائد التي تلبسّتْ روح االمتصوفة وأستعارتْ روحها الصافية ومفرداتها ،وقد خيَّم َ عليها جو ٌ روحاني شفيف مثل قصيدة (تكايا الوجد) و(عشبة الروح) حيث العوالم الروحية المؤثرة ؛ فإنَّ هناك من القصائد ما إرتبط بما هو خارجي وحركته الضائعة التي جرّتْ بعض القصائد الى الغموض وعدم الوضوح ، وبدتْ القصائد، هنا، وكأنها أضاعتْ بوصلتها فضيَّعتْ نفسها وبدا الشاعر وكأنهُ لا يكاد يتلمس طريقه وهو يقودها للافصاح عن نفسها ، ومن القصائد التي تدل على هذا المعنى الغامض او الضائع قصيدة (زائر) و(طعنة النرجس) و(مدونة السحاب) و(وردة الحنين)
وإني لأعجب ازاء هذه القصائد كيف لشاعر مثل(نصير الشيخ) يكتب قصيدة ً متألقة ً ومتوهجة ً من الداخل بذلك الاحساس المتدفق وبذلك البناء االمتماسك وهو ما لمسناهُ في الكثير من قصائد (شجر من محنة الوقت)… كيف لهذا الشاعر أنْ يترك كل ذلك ألالق والوهج لينساق الى غرائبية التركيب وغموض المعنى عَبْرَ جُمَل ٍ وعبارات لا تحتمي إلاّ بتلك الستارة السوداء التي تحجبُ الصورة االمؤثرة فهل مارستْ اللغة ،هنا، سطوتها وأشهرتْ غوايتها أمام (نصير الشيخ) ليقع هو في غوايتها وينساق معها في آفآق ومديات بعيدة ؟ أمْ أنهُ وَلَع ُ الشاعر الدائم بكل ما هو متسام ٍ وبعيد عمّا هو واقعي ومفهوم وواضح ؟ أمْ أنَّ الضرورة الفنية قد ألقتْ بأحكامها على الشاعر والقصيدة معاً فكان هذا الستار الذي وقفتْ وراءهُ القصيدة ؟
هذه الاسئلة وغيرها وجدتُ نفسي أدوَّنها وأنا افرغ ُ من قراءة تلك القصائد الغامضة ؟!
























