تمثلات بنائية للميتا سرد في رواية الصورة الثالثة
التعامل مع التخيلات دون تدخّل الكاتب
عمار ابراهيم الياسري
من بديهيات القول ان الطروحات الفلسفية والفكرية شهدت تحولات كبيرة مطلع القرن المنصرم ، وقد تعالقت تلك التحولات جماليا مع الانواع الادبية لتتمظهر من خلالها باشكال مغايرة ، فالذات المبدعة تسأم السائد دوما باحثة في التجريب عن المغايرة والتفرد ، وقد مرت الاشكال الادبية والفنية لاسيما الرواية بتحولات كبيرة على مستوى الشكل والسرد واللغة ، لنشهد تحولات السرد الكلاسيكي الى السرد الحداثي الذي هشم الابنية السابقة بشكل كبير ، وحينما بزغت فلسفة ما بعد الحداثة معلنة افول الحداثة في سبعينيات القرن المنصرم وفق الطروحات التي تبناها فوكو وليوتار وديفيد هارفي شهد الشكل تغيرات جديدة مع طروحاتها الفلسفية والفكرية ، والحقيقة أن الكثير من الظواهر الفنية التي اتسمت بها الرواية الستينية من العام المنصرم لا تنتمي إلى الحداثة بقدر ما تنتمي إلى ما بعد الحداثة ، اذ شهدت تقانات مثل العودة إلى الماضي والتقطيع السردي والتغريب البريختي وتوظيف العجائبي والسحري وتأمل النص لذاته وإقحام الهامش وتداخل الأجناس الأدبية والفنية والاحتفال بالعلمي وانفتاح النص على كل ذلك من جهة وعلى القراءة من جهة أخرى فضلا عن تكسرات بنية الزمن كلها ظواهر فنية تلتقي مع استراتيجيات الروي في ما بعد الحداثة.
تعمد روايات ما بعد الحداثة ايضا الى استخدام الكولاج أي الشذرات المتناثرة تهجين النص ، اي تزامن سرد حدثين أو أكثر في أماكن مختلفة من غير انتقال ، وكأننا نحيا في عالم التراكب والكولاج، أي ان ان المتقطع اصبح وسيلة كونية شمولية ، وقد تجسدت هذه التقانة في رواية أوراق متلاصقة للروائي جورج بيروس ، فقد صنع شذرات متلاصقة تعمل على هدم السرديات الكبرى، وهي ذاتها التي استخدمها عبد الكبير الخطيبي في روايته ملاحظات التودد ، حيث كانت عبارة عن شذرات مجمعة من كل متخيل ولكنها نشأت من خلال عزلتها وتفرقها ، والحال ذاته بانت ملامحه في رواية جريمة في الفيس بوك للروائي العراقي علاء مشذوب .
ومن الاشتغالات السردية الما بعد حداثية الميتا سرد وقد ظهر هذا الشكل الجديد بشكل واضح في أعمال الروائيين الانكليز في البداية على شكل تعليقات جانبية عند وصف الاحداث أو الشخصيات، فراحت كما يرى الناقد الانكليزي ديفيد لودج تتملق القارئ بمعاملته كنظير لها على المستوى الفكري ، وله من الدراية والخبرة ما يركب به انفلاتاتها الايهامية ، لذا فهو لا يغفل دور القراء في سروده ويشركهم في لعبة التخييل وإيقاظ إدراكهم بطبيعة وتقانات الكتابة الروائية.
ويقصد بالميتا سرد ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية السردية نظرية ونقدا في داخلها ،و كذلك استعراض طرائق هذه الكتابة وتشكيلاتها ومتخيلاتها من خلال تعليقات الكاتب او المخرج أي ان يعلم الكاتب متلقيه بصنعته السردية ، و هذا يعني أن الخطاب الميتا سردي كتابة نرجسية كما يطلق عليها احيانا قائمة على المركزية الذاتية وسبر أغوارها، ، حيث نلحظ فيها ان الكاتب يعمد لفضح لعبته السردية من خلال التعليق عليها واللعب بأحداثها وتحريك شخوصها ، ومن الاشتغالات الميتا سردية الاخرى ايضا كسر الإيهام السردي من خلال حواريات المؤلف او احد ابطاله مع المتلقي او الاشارة له ، وكذلك التداخل النصوصي اي ان نقرا رواية داخل رواية او نشاهد فيلماً داخل فيلم او مسرحية داخل مسرحية وما الى ذلك مع استشعار عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتا سردي والعكس صحيح أيضا ، ان هذه الاشتغالات جلها اطلق عليها بالميتا سرد او السرد النرجسي او ما وراء السرد .. الخ.
وتابعنا رواية اليوم الاخير الصورة الثالثة للروائي علي لفتة سعيد الصادرة مؤخرا وفككنا شتغالاتها الميتا سردية نلحظ التالي :
معمارية الميتا سرد:
أ- التضمين الميتا الســــردي:
ينتقل علي لفته سعيد من الحكاية المتعلقة بعوالم الكتابة الحقيقة إلى الحكاية الثانية حكاية سلوى ومن ثم يخضع سرده لنسق التناوب مع الاخذ بنظر الاعتبار أن القصة الميتا سردية هي البؤرة الأساسية ويمكن ان نعدها قصة من الدرجة الأولى من ناحية تبئيرها في حين تعد القصة التخيلية من الدرجة الثانية ، ولكننا نستشعر ايضا ان هنالك علاقة بنيوية بين القصتين تفضي الى معمارية سردية واحدة ، فالمعمارية السردية متكونة من محورين يجري الربط بينها من خلال تناظر مجموعة من الأحداث المتشابهة ويتم في هذه المحاور تناول ساعات معينة في حياة كل شخصية ، ففي العديد من صفحات الرواية نجد الحكاية الاولى ولكنه يغادر حكايته في صفحات اخرى اذ يقول في الصفحة 145 “اسفل الفندق احفظ حواراتهم لتدونها بين اوراق سلوى وحكاية الرجل ليفهم القارئ زمن الاحداث ” وهنا نلحظ كسر يقين السرد في الحكاية الاولى والانتقال الى الحكاية الثانية بطريقة واعية يعلمها المتلقي بعيدة عن الايهام الذي كتب عنه شراح ارسطو في كتابه فن الشعر ، والحال ذاته يتكرر في صفحات عديدة منها 46في حواره مع الذات و146 الحوارات بين الرجلين و 172 في مخاطبة القارئ ، وهنا نلحظ ان الروائي فضح اللعبة السردية وكشف آلياتها الفنية والجمالية أمام المتلقي جاعلا منه جزءا لا يتجزأ من بنية النص من خلال لملمة الاحداث المتشظية .
ب – ميتا سرد الشخصيات:
ركز علي لفته سعيد على تصوير صراع الشخصية السردية مع الشخصية الميتا سردية التي تتعالق في متن النص السردي للمؤلف السارد تعاليا وسيطرة ، فتفرض وجودها الميتا ورائي على مخيال الكاتب الضمني، بل قد تتمرد تلك الشخصية على خطة الروائي وتعلن انشقاقها ورفضها لرؤيته وهيمنته من خلال المناكفات الفلسفية بين محسن وذاته المسيطرة ، فالبناء الميتا سردي يخرق الميثاق السردي للرواية ليوهم بمبدأ التطابق بين المؤلف والشخصيات الروائية ، اذ ان الميثاق الروائي عهد ذهني واقرار مبدئي بين المؤلف والقارئ لأجل نفي التطابق ، ولو تابعنا الرواي كيف يرسم لنا تحولات شخصية البطل بين الروايتين نجد محسن في الحكاية الاولى يعيش التشظي الانطولوجي بينه وبين الذات ، اذ يقول في صفحة 23 ” دعنا الان ناكل غداءنا لفة فلافل وسيكارتين دائما انت معي تراقبني وتشاركني في كل شيء ” اما عن الحكاية المضمنة نلحظ في صفحة 146 حديثا بين محسن والذات اذ يقول له انت تقاطعني ماذا اسمع هذان الرجلان كشفا عن اوجاع روحيهما … ولكني كتبت ذلك اتذكر نفس الحوار وهو موجود في الفصل العاشر لينتقل الى الحكاية الممضمنة ، لينتج لنا المؤلف نص سردي بوليفوني، متعدد الأصوات والأساليب السردية .
ج – المبنى الميتا ســــردي :
ينهض المبنى الميتا سردي على كل ما يتعلق بميكانزمات التسريد ، اي انشاء معمارية السرد ومن خلال لغة الروائي عبر فضح مكوناتها الفنية والجمالية وتبيان تفاصيلها البنائية وجزئياتها التكوينية للرواية .
ولو لاحظنا الصفحة 113 من الرواية نلحظ ان سعيد قد كشف لنا مبناه الميتا سردي حينما يقول ” نعم سأكمل حكاية الرجل او لأقرا لك ما كتبته فلا تستعجل الأمور فهو يكشف لعبته السردية بأن الرواية تتضمن حكاية لزوج وزوجة انهكتهما الحرب تواردت له من خلال المعاشرة مع ليلى لتمتزج الازمنة بطريقة يصعب على حاذقي السرد خيوطها ، اذ تجد الراوي ينقل لك ليلة واحدة من الرواية الاصلية خلوته مع سلوى ليغادرها عائدا الى تداعياته عن المعارك ليغادرها الى تداعياته عن ابيه ليعود في الزمن الحاضر الى مهند وناهض ليستشرف لنا النهايات لرواية سلوى المضمنة .
د – العتبــــات الميتا سرديــــة:
وهي عتبات النص الموازي للنص السردي المتكونة من “العناوين والإهداءات والمقدمات والهوامش والحواشي والتمهيدات والصور وكلمات الغلاف والمقتبسات وهذه العتبات هي المقدمة التي يكتبها الروائي إلى المسرود له ويشرح فيها تصوراته النظرية والنقدية ، ويسرد له احيانا مختلف الحيثيات التي دفعته إلى نشر نصه، ولو تفحصنا الرواية نجد احالة ميتا سردية في عتبة العنوان للرواية الصورة الثالثة والتي تحيل الى زوج سلوى والتي احالتنا الى الانهزام الانطولوجي للزوج بعد الاصابة بالحرب اذ يصفه الباحث في الصفحة 188 حينما يقول ” نصف الوجه غائر والنصف الاخر منتفخ .. اشكال غريبة في النصف الاول .. خربشة ..ازرار الخيوط المبعوجة ثم خيط غير مستقيم ملتو ” ولم يتطرق الكاتب في التمهيد وصورة الغلاف الاولى والمقاطع المسرودة في الغلاف الاخير الى اي احالات ميتا سردية
هـ – كســر الإيهـــام الواقعـــي:
تستند معمارية البناء الميتا سردي إلى كسر الجدار الفاصل بين الحقيقة والوهم، كما كسره بريشت في مسرحه الملحمي والجدلي ، حيث يشرع الكاتب منذ البداية إلى إخبار المتلقي بأن عالم الرواية المقدمة إليه فيها تضمين روائي ، وبالتالي فهو عالم من أوهام مختلقة وعالم من الافتراضات الممكنة والمحتملة التي تجرد الواقع المتخيل ، فهي تعمل على نحو مقصود على هدم الخيال السردي لتعلق بشكل مباشر على طبيعتها الروائية ، ولو تابعنا صفحات كثيرة من الرواية نجد ان البطل محسن او الذات المحاورة عمدا الى كسر يقين السرد ففي الصفحة 145 يقول” اسفل الفندق احفظ حواراتهم لتدونها بين اوراق سلوى وحكاية الرجل ليفهم القارئ زمن الاحداث” والحال ذاته تكرر في الصفحة 172 حينما يقول ” بل عليك ان تستذكر الواقع لتخرج الى القارئ بفكرة تدهشه ” وهنا نلحظ ان المؤلف يعلم القارئ بضرورة الانتباه الى زمن الاحداث وبالاشتغال الجمالي لتوظيف الواقع ، فضلا عن ممارسة النقد داخل النص السردي ، وكذلك معرفة المراحل التكوينية لتشكل معمارية النص السردي ولكن ما يثير الاستغراب ان الناقد فاضل ثامر حينما كتب عن الميتا سرد ودرس اكثر من ثلاثين روايه في مؤلفه اغفل هذا النص المتقدم معماريا في هذا الاشتغالة بينما درس نصوصا لا تنتمي الى الميتا بأي شكل من الاشكال .
تاريخانية الميتا سرد :
تعد التاريخانية من الاتجاهات النقدية البارزة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد أخذ في التنامي مع نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات في القرن المنصرم على يد عدد من الدارسين في طليعتهم أستاذ جامعة كاليفورنيا ستيفن غرينبلات، وهو الذي أطلق مصطلح شعرية أو بيوطيقا الثقافة غير أن مصطلح التحليل الثقافي فرض نفسه كتسمية إجرائية ملائمة لهذا الاتجاه لارتباط البويطيقيا الثقافية بالنقد الثقافي .
تسعى التاريخانية إلى قراءة النص الأدبي في إطاره التاريخي والثقافي حيث تؤثر الأيديولوجيا وصراع القوى الاجتماعية في تشكل النص، وحيث تتغير الدلالات وتتضارب حسب المتغيرات التاريخية والثقافية ، وهذا التضارب في الدلالات هو ما أخذته التاريخانية من التقويض ، حيث يقول غرينبلات محدداً معالم هذا الاتجاه في النهاية لا بد للتاريخانية أن تذهب إلى ما هو أبعد من النص لتحدد الروابط بين النص والقيم من جهة والمؤسسات والممارسات الأخرى في الثقافة من جهة أخرى ، ولو تابعنا رواية الصورة الثالثة نجد ان المؤلف قد درس ثيمة الحرب بتشكيل يبتعد عن التوظيف الوثائقي للتاريخ بل اشتغل على ادبية التاريخ في تبيان ويلاتها معلنا ذلك بقوة من خلال العنوان الصورة الثالثة ، اذن نحن امام صور ثلاث لتلك البؤرة ، وهذه الصور نكتشف لاحقا علاقتها مع زوج سلوى في الرواية.
الصورة الاولى كانت لشاب في عنفوانه محبا للحياة ومقدسا للحياة الزوجية بأمتياز اذ ينقل السارد عنه ما نصه “وسيما جميلا مربوع الكفين له وجه دائري وحاجبا امراة قروية وعينان واسعتان .. مزهوا بشاربه الكثيف كانت ابتسامته تدل على حيوته ” ومن قراءة ثقافية لهذه الصورة تاريخانيا نجدها تحيل الى زمن جميل زمن السلام .. بعيدا عن صوت المجنزرات والمدافع .. فكل شيء لم تطاه الحرب ممتلئ بالحيوية والجمال .. بل ارتبطت تمفصلات الوصف بالحياة الهادئة المسالمة ، والتي نستكشفها من خلال مفردات وصف الشخصية حاجبا امراة قروية ، انسان يعمل باتقان ، رجل محب .
اما الصورة الثانية فقد شهدت تحولات الشخصية من السلم الى الحرب اذ كان مرتديا الملابس الزيتونية وحاملا لسلاح rbg7 وهنا يقف كل شيء رسمته لنا الصورة الاولى من سلام وامان وحب وعمل الى الصورة الثانية حيث الحرب والقطيعة .. قطيعة الازواج عن زوجاتهم وعن اعمالهم حتى ان السارد وبخ زوج سلوى بطريقة كسرت الايهام على ذلك قائلا ” احاول توبيخه لانه سمح باهمال وردته بلا غذاء “.. هكذا هي الحرب قاسية وملعونة تجلب الويلات وتغير من خارطة الوطن ديموغرافيا وسايكولوجيا .. الخ ، وكما وصفها السارد ” ليست الحرب انتصارات عسكرية او ظهار بشاعة العدوان .. وربما تكون سلوى واحدة من هذه الخسارات ” فالاحالات التاريخانية هنا تجلت من خلال احالة مفهوم الاستلاب الانطولوجي لسلوى الى مفهوم شمولي اصاب اغلب مكونات المجتمع ، ليس من خلال التحلل الجنسي بل الحياتي ايضا .
اما الصورة الثالثة للزوج فقد كانت بعد اصابته في الحرب واعتزاله الحياة والتي كانت منعطفا كبيرا في تحولات النص فحينما شاهد محسن تلك الصورة يصفها لنا بقوله ” نصف الوجه غائر والنصف الاخر منتفخ .. اشكال غريبة في النصف الاول .. خربشة ..ازرار الخيوط المبعوجة ثم خيط غير مستقيم ملتو زز لاجفن ولا رموش بقيت ” وهنا نلحظ الجدب الذي اصاب كل مفازات الحياة لبيت سلوى ، نعم حياة عاطلة سببها جنون الحرب الذي اكل الاخضر واليابس وبالتالي هو عطل اصاب حياة المجتمع بشكل كبير حيث يقول السارد في صفحة 191 ” واكتشفت ان روحه معطلة وان جسده تحول الى خشبه ” ومن خلال صور الزوج الثلاثة قدم لنا المؤلف رؤية تاريخية للحرب وتحولاتها الاجتماعية بطريقة ابعد من الوثائقية اقرب الى التوظيف الادبي مشتكشفا عبر الانساق المضمرة العطب الجسدي والروحي للمجتمع ، ولكن هل كانت الصورة الثالثة هي التحول الاخير ، لا اظن صديقي لأنك تركت الباب مفتوحا لصور قادمة اشد قساوة من صورك الثلاث الماضية .. ختاما اردد كلمات السارد ” كن ما تريد فالحل انك اما ان تموت هنا في الحرب او قهرا بعد الحرب هذا اذا تركوكم بلا حرب ” .. علي لفته سعيد روائي ذكي وحاذق له من شعرية السرد ما يدهش وله من معماريته ما يروق .. اعتقد ان نصه هذا يرقى لدراسات معمقة بامتياز في كل تقانات القص اكاديميا وثقافيا .
























