الشاعرة وفاء عبد الرزاق : نصوص تبكي على أطلال جديدة

الشاعرة وفاء عبد الرزاق : نصوص تبكي على أطلال جديدة

فوزي الطائي

تهيأت للشاعر السياب أسباب كثيرة ليقوم بثورة التغيير في عالم الشعر العربي في العصر الحديث ، منها اطلاعه على الأدب العالمي من خلال اتقانه اللغة الانكليزية ومن خلال إشراقات عصره الذي فتح نوافذ الضوء وبوابات المجاهدة ، واختصر الزمن ، كذلك من خلال الظروف القاسية التي مر بها السياب ومخاضات الألم . وللسياب فضل كبير على كل من جاء من بعده من الشعراء العرب عراقيين كانوا أم عرباً ،  مع أن اكثرهم لا يعترف بهذا الفضل ويحاول أن يرسم له طريقاً في الإبداع على طريقته الخاصة ، ومحاولة السياب (الشجاعة) هذه أعطت له الريادة حتى على من جايلوه ، وتبقى شاعرية السياب وعبقريته الفذة لا تقارن بشاعر آخر . لقد غيروا وبدلّوا في سُنّة السياب فأصبح التغيير (بدعة) وكل (بدعة) في الشعر (نكبة) ومع كل نكبة تطمس حقائق وأصول كثيرة. لقد كانت ثورة السياب مبنية على أسس وقواعد لا يمكن تجاوزها بحال ، ولكن الطفرات غير الوراثية التي جاءت بعده كانت وليدة الاجتهاد الذي لا يظفر حتى بالحسنة الواحدة ، وهكذا جاءت قصيدة النثر المتحررة من كل شيء حتى من ضوابط الفكرة ، ثم النص المفتوح الذي بدأ بالشاعر وانتهى إليه ، وجاءنا الان مصطلح ما بعد الحداثة، وهو أشد أنواع الشعر اغتراباً وعزلة ، تقرأ كثيرا من نصوصه فلا تجد إلا ألفاظاً تسيح في الفوضى لا تحكمها ضوابط إلا ذائقة الشاعر نفسه ، ولكن وسط هذا الكم غير المتجانس من عوالم الشعر الحديثة لا تعدم وجود نصوص تؤسس الحداثة بصيغ مبدعة ، مقروءة ، لا توغل كثيرا في المتاهة . ومن هذه النصوص ما كتبته الشاعرة العراقية المقيمة في لندن الدكتورة وفاء عبد الرزاق في مجموعتها الشعرية المسماة (من مذكرات طفل الحرب) و(من) هنا (للتبعيض) أي هي ليست المذكرات كلها ، ثم لماذا تعود هذه المذكرات لطفل من دون أن تكون لرجل أو امرأة أو شاب مثلاً ؟. ربما لأن عمر الحرب عندنا طويل يبدأ مع حياة الطفولة ولا ينتهي في الكهولة ، ونحن نقرأ نصوص الشاعرة يعترينا بعد عدة صفحات شعورٌ إن الطفل أصبح غلاماً – شاباً – رجلاً مكتمل العقل والقوى ، فهل يعقل إن طفلاً يقول : ( يا قافلات البارود ، خذن صوتي لمن لا ابن يأتيه ليلاً / وفي يديه مجمرة / لمن لا تجتاحه رغبة في امرأة ..) حتى وأن كان صوت الشاعرة هو المعبر عن الطفل الغائب عن المكان والحاضر في الوجدان ، ثم نرى أن هذا الطفل لا يستطيع أن يعطينا استرسالاً في الكلام ، فهو يلوك حروفه : لاهثاً ، متعباً قد اضناه السقم والوحدة ، (شقاوة ملطخة بدشاديشكم / عند تبادل الحوار / وجدتي لعبة تنطلق بلمسة ولا يقر لها قرار) ، الطفل هذا هل يمثل نفسه فقط ، أم هو أنموذج لأطفال العراق الذين ولدوا في زمن تتناسل فيه الحروب ، ويسيل الدم فيه كالماء متضرعين به إلى الرب ، وفراعنة الحكم لا تأخذهم للمنظر لقمة جائع أو صيحة شاعر . ماذا دهاه هذا الوطن حتى تقام فيه مواسم لتكريم الأحزان و غسل السخام من على أرصفة الشوارع ، وتجفيف الدموع . بلد تعاورته الكلاب ، وعوت في طرقاته الذئاب ، وكثر في احلامه السراب . إن اشد أنواع الاغتراب أن يجد الإنسان نفسه فجأةً غريباً على عائلته وعلى نفسه ! ، هي معاناة وحالة من الشقاء لا يستطيع الشعر أن يحل طلاسمها ، من الذي يستطيع أن يغامر أو أن يغوص في أعماق النفس ويستخرج لنا صوتاً من تحت الأمواج باسلاً في رؤاه ، مجرداً من صداه ، طفل الحرب هو الروح العراقية التي كتب عليها أن تُقنن لها الحياة، وان تُسقى أحلامها بالقطارة ، وان تباع قلائد (أنانا وعشتار و شبعاد) في سوق النخاسة ، امعاناً في الهوان ، وقتلاً لهوية التاريخ الذي كان مشرقاً في يوم من الأيام : (أكفن يدي بثوب الفضاء / الذين نسوا لعبهم / ارتدوا آخر قمصانهم / ثم التحمت أشلاؤهم بي وكأنها تنتظر زائراً) ، ما هذا الزائر ؟ ملك الموت ، أم وجه الحرب القبيح ، استغاثة لا نجد لها من مجيب ، وصرخة في واد العزلة .. طفل الحرب يتكلم والشاعرة تنصت إليه من قريب ، ليس بمقدورها فعل شيء سوى أن تشاطره اللوعة ، وتقرأ في وجهه (المعوذتين) ، عسى أن يذهب عن روعه الفزع ، وحدة الفكرة في النص لم يصبها التشتت ، كانت حاضرة في ذهن الشاعرة وهي تكتب ، ووحدة الشطر تقفز أحياناً من مكانها لتحوم حول المعنى من بعيد ثم تعود إلى مأمنها في مدارج الكلمات : (الفضل للبساتين / المطرقة الرؤوس / وللاشجار التي نسيت الكلام / بعيداً بعيداً / العيون الراحلة لنوارس اكلتها الكواسج ..) الشطران الاخيران هما القفزة التي نوهنا عنها ، وتعود عندما تهدأ هذه الموجة : (هاهي براءتي / كطفل بلا أذرع تلوح لي بالصمت) ، وهناك تكدس لفظي ممل لا يفضي إلى معنى، أو صورة ، ولا حتى إلى لعبة شكلية ، تأمل قول الشاعرة ( يالفظاعة الفضاء / الافضية السود لم تترك / للزنابق رغبة / أن يطاردها أخ كي تتفتح ) .يقول الشاعر الانكليزي توماس اليوت : (البحر الهادئ لا يصنع بحاراً ناجحاً) ، هل للحرب عندنا معطيات إيجابية على الذات والمجتمع ؟ ، ربما ، فهذه اليابان التي ضربت بالقنبلة الذرية ، ارتقت سلم الحضارة والتكنولوجيا الحديثة حتى وصلت لقمة عالية ، وهذه ألمانيا التي عبثت بها النازية ودمرتها الحروب هي الآن من دول العالم الكبرى … وهناك امثلة أخرى … لكن الحروب التي ذاقها شعبنا هل ننتظر منها حسنة ، الجواب : لا ، لماذا ؟ لأننا لم نوظف بعد فعل الحرب معادلاً موضوعياً لفعل الحياة ، كما فعل غيرنا ولم تتهيأ لنا بعد الإرادة في عبور هذا الجدار السميك الذي يفصل بين الحياة والموت ، نعم لم نفقد الأمل ، ولم ينفد فينا الصبر ، لكن إرادة الحياة (وهذا هو الهم) ، مازالت في نفوسنا كسولة ، خجولة ، البكاء يأخذنا بعيداً … ليصبح في حياتنا هو الغاية ! ونصوص (من مذكرات طفل الحرب) شواهد على ذلك أين روح الأمل ؟ أين فواتح البشارة ؟ أين القشة التي تكسر ظهر الحزن ؟  (أتقيأ أيامي / وأشم رائحة ولاة العهد / ومن ضلل النمل / ليبقى أعمى / أتقيأ كل العميان / الذين يرمون لدمي / كسر الحياة) ، ومن الأساليب البلاغية في مجموعة الشاعرة وفاء عبد الرزاق هذه : النداء والاستفهام ، (أيتها الأشلاء / الأفعال حضرت / والأقوال شبكة عنكبوت / أيتها الراضية المرضية / برفق اسألي ..) هنا الراضية المرضية تناص قراني قد يكون الوحيد في المجموعة ، وقد وظف بشكل جيد لفظاً ومعنى ، ويبدوان الأشياء التي تناديها الشاعرة قريبة إلى نفسها ، بل هي من شواهد دمار الحضارة والبنيان بمعول الحرب ، (أيتها العصفورة المسالمة / أتغنين لزهرة جمجمة) ؟ ، وتستفيد من الاستفهام للاستعلام عن مكنونات لا تعرفها الشاعرة وتنتظر من المسؤول جواباً : (وأطوي ثيابي عن الفتك ، أحادثها : ألا تحبين الورد ؟) ، (ولمن تكتب اليوم ، لمن فيه خيط دم، الخيوط عبء فاطو الورق ) . وعولت الشاعرة في كتابتها النص على العفوية كثيراً ، لم تأت بصنعة أو تكلف ، تدفقت الكلمات كمجرى ماء في ساقية ، وهو ما يجعل القارئ أن يقتنع بجدوى ما تكتب وفاء عبد الرزاق ، فضلاً عن نبل الفكرة ، التي تحملها النصوص وهذا في الوقت نفسه لا يمنعنا أن نؤشر ما يحمله ماء الساقية هذا من زبد يطفو على فضاء الأشطر هنا وهناك ، بينما يتماسك هيكل النص في اشطر أخرى بشكل رائع : (حين صلى الموت لآلات الحرب ، خشيت عليك، خشيت أن يلبسك قبعة / ويقول اهتديت ..) و(أسرفت الليلة، صِرْفاً كان الحزن / أفكر ما الذي يفعله الاخرون / حين يفلتون من عربات العمر ، تحت سماء ساترة) ، وحملت نصوص أخرى بجمالية مائزة تدلل على مقدرة الشاعرة في صنع قصيدة مقرؤة بذائقة : ( أشعر بأنني مسافر ، بين النار والهواء ، حقيبتي جسدي / ولي بعض ذكرى ، في العين التي التهمها الغراب ) و : (كل شيء متكالب ، حتى الذي يعوّذني ينبح) . وانتظرنا من الشاعرة أن تعوضنا عن الوزن الشعري الغائب بإيقاع داخلي أو تناغم لقافية بنبرة عالية تناسب موضوع النص ، لكن بقي استرسال النص على عفويته متوالياً ، يصعد جبلاً ، ويهبط سهلاً ، كانت الفكرة تطرق ذهن الشاعرة فتفتح لها طريقاً قصيرة للوصول إلى محطة القارئ من دون اكتراث لموسيقى الكلمات ، مثلما غاب التناص القراني (إلا نادراً) و التوظيف للموروث الشعبي كان قليلاً ، ربما لأن الجو العام للنص احتفالي حربي ، وميداني ، وتعودنا أن نستعين بالله ، ونذكر كلماته سبحانه في الملمات والرخاء لتهدئة النفوس المتعبة وإسباغ معالم الحكمة، وزرع الصبر ، والوعد بغد مشرق جميل . ولا ادري لماذا تعمدت الشاعرة أن تكتب نصوصها من دون الأخذ بالحسبان (الفضاء الشعري) فقد أضحى غائباً إلى حد . هل تريد لكلماتها أن تسيح في أزمانٍ متعددة وتؤوي في ديارٍ متجددة؟نسمع من شعراء كبار إنهم يخططون لكتابة قصائدهم في الذهن أولاً فهل خططت وفاء عبد الرزاق لنصوصها هذه ؟ … إن علاقة الشاعر بالنص (في تصوري الخاص) قبل الكتابة هي علاقة صداقة وبوح وحوار ، ورسم لحدود الفكرة ، والنأي بالعمل الأدبي فوق قمم مشرفة ، وكلما مضى الزمن على إقامة هذه العلاقة جاءت النتائج لصالحه ، وحين يمسك الكاتب قلمه ويشرع ببناء نصه سيدرك أن علاقة الصداقة تلك تحولت إلى علاقة محبة ، حتى إذا بلغ هذا العشق مراميه وأثمر الذرية (الصالحة) بدأت المرحلة التالية والأخيرة ، وهي التعايش مع النص بكل ما يحمله هذا التعايش ، من خطايا وحسنات .