إنحسار دور النخب الثقافية في العالم العربي
طه حسين أمام المحاكمة
شكيب كاظم
في ظني، إن خفوت أو بالأصح انحسار وانعدام،تأثير النخب العربية في مسيرة مجتمعاتها، يعود إلى عقود خَلَتْ، يوم بدأ نجم الراديكاليات بالصعود في الوطن العربي، بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وسحب البساط من تحت أقدام النخب المثقفة، وذوي الكفاءات والشهادات الدراسية العليا والعالية، والتي كان عليها التعويل في بناء المجتمع على أسس صحيحة من الرصانة، وقيادته كذلك. إذ شَهِد النصف الأول من القرن العشرين، وعلى وجه التحديد، عند نيل بعض الدول العربية استقلالها، وتخلصها من السيطرة العثمانية، تصاعد تأثير النخب الثقافية والصفوة من الدارسين، عن طريق التعليم والتوسع فيه، وإرسال البعثات إلى الدول الأوربية والغربية المتقدمة، للدراسة والتدريب، والعودة للوطن بالخبرات العلمية، وزيادة عدد الجامعات، وتوسيع أفق الناس، وقبول رأي الآخر، والرأي الآخر، ولولا ذلك ما أستطاع الدكتور طه حسين – مثلاً- ان ينشر كتابه الإشكالي المثير للنقاش والجدل ( في الشعر الجاهلي) سنة 1926، وأن ينشر الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في السنة التالية 1927، كتابه المغاير لما هو سائد وساكن الموسوم بـ ( الإسلام وأصول الحكم) أو ان يكتب حسين مردان ديوانيه ( اللحن الأسود) و( قصائد عارية) لما فيها من أدب مكشوف، أو ان يكتب الشاعر معروف بن عبد الغني الرصافي، منتصف العقد الرابع من القرن العشرين، يوم غادر بغداد، ذاهباً للعيش في الفلوجة، كتابه المدوي ( حل اللغز المقدس) وظل مخطوطاً لتنشره (دار الجمل) بكولونيا الألمانية، والتي يتولى الإشراف عليها الشاعر العراقي المهاجر خالد جابر المعالي، أو ينشر الشاعر اللبناني الياس ابو شبكة، أشعاره الخمرية والغزلية، أو ان يجاهر الدكتور علي الوردي بآرائه الصادمة للذائقة العامة.
نعم لم تمر هذه الأمور بسلام وهدوء، فلقد حاكم الجامع الأزهر الشيخ علي عبد الرازق وحرمه شهادة العالمية، التي يحصل عليها المتخرجون فيه، في حين قامت ضجة واسعة ضد الكتاب الذي ألفه طه حسين، وقدم للمحاكمة أيضاً، لكن محمد نور رئيس نيابة مصر وقتذاك حفظ الأوراق إدارياً، كما حذف طه حسين فصولاً صادمة من الكتاب، وأضاف أخر، وغير العنوان إلى ( فـــــي الأدب الجاهلي) كما قدم حسين مردان لمحكمة بداءة بغداد، التي أستأنست برأي الجواهري الكبير الذي وقف إلى جانب حرية الرأي، فبرأت ساحة حسين مردان، كما ان علي الوردي استفاد من رحابة صدر العهد الملكي في العراق ودمقراطيته ، لكن الراديكاليين الثوريين أخرسوه وأسكتوه، كما أن ذكري لهذه الآراء والكتب – وسقتها لضرب المثل لا الحصر- لا يعني موافقتي على الكثير منها ، لكن سقتها للدلالة على رحابة صدر السلطة والمجتمع، لذا حاول الكثير من الحكام وقتذاك خطب ود النخب الثقافية وتقريبهم،وإسناد الوظائف العامة لهم، لا لشراء الذمم، بل للإفادة من خبراتهم وكفاءاتهم، لذلك كنا نعجب لذلك الرعيل المثقف، كيف ترك آثاره على الحياة العامة، سواء في العراق ام في بقية بلدان الوطن العربي، ومازالت في الذاكرة جهود الشيخ محمد رضا الشبيبي وعبد الحسين الأزري والدكتور ناجي الأصيل وساطع الحصري وفهمي المدرس وكامل الجادرجي ومحمد جعفر أبو التمن والشريف محيي الدين حيدر وسعد صالح جريو وغيرهم في بناء أسس الدولة الحديثة في العراق ، وما زلنا نذكر كيف استوزر الدكتور طه حسين لوزارة المعارف بمصر، هو المنادي بحرية التعليم، وإن العلم مثل الماء والهواء، وجهود الدكتور عبد الرزاق الســـــــــــــــنهوري في القانون والقضاء، وقوانين إدارة الدولة، الدساتير، لقد كان من المؤمل ان تؤتي هذه الغراس أكلها ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين) لو استمر الحال على هذا المنوال، أخذ النخب المثقفة والعلمية والكفاءات دورها في البناء والإعلاء ، لكن صعود الراديكاليات في النصف الثاني من القرن العشرين – فكراً وسلوكاً وتصرفاً – أجهض هذا المشروع التعبوي التنموي، فأجبرت الصفوة على إخلاء مواقعها، والهجرة إلى ارض الله الواسعة، إلى الشتات الذي تلقف العقول المهاجرة المغادرة، فحرم البلد من كفاءاتها وخبراتها، إذ عندما تتبارى العقول والأفهام، يكون للنخب دورها وتأثيرها في الاقناع والقيادة، لكن حينما يتبارى العقل مع القبضة ولا اقول مع… فستكون الغلبة لها، فالقبضة دائماً هي المستحوذة حينما يكون الحوار للأقوى وليس للأعقل والأخلص و الأنبل، فأنى لقادم من الثكنة ان يفهم القادم من قاعات الجامعة، وان يسلم الأمور اليه، وهذا ما كان وعلى الله التكلان.
























