الغراب لمحفوظ داود سلمان أنموذجاً

الغراب لمحفوظ داود سلمان أنموذجاً

حينما يرثي الشاعر نفسه

نجاح هادي كبة

العنوان عتبة أولى للنص فهو مؤشر علاماتي لبنية النص والغراب رمز التشاؤم عند العرب فهو في أحلامهم رجل مخامر غدار يستحل قتل النفس ويدل على الغربة والتشاؤم بالاخبار والغموم والانكاد وعلى مايوجب الدعاء عليه فقالوا في أمثالهم : (أشأم من غراب البين) . لذلك رمز محفوظ للموت بالغراب .

لقد اختزل محفوظ كل هذه الدلالات –  المذكورة آنفا –  بمفردة واحدة هي الغراب عنوانا لقصيدته التي رثى فيها نفسه قبل ان يخطفه المنون في آخر ديوان من دواوينه (خمارة بلقيس) وقد جاءت هذه العنونة ممثلة للنص –  كما ينبغي –  فكانت تناصاً مع ماورد عن الغراب من العرب بل أرى الشاعر وكأنه سرد عن فأله السيء من (الغراب –  الموت) بمكيال وصل به حد الاختناق ، فيتعجب الشاعر كيف اخترق (الغراب – الموت) زجاج نافذته وتخطى اليباب والسباسب (وهو الشجر الذي تصنع منه السهام) ، يقول :

كيف اخترقت زجاج نافذتي تخطيت الفيافي والسباسب واليباب

هل انت حقا ما يشاع : دليل قوم كنت

تسعى او تدليهم على أرض الخراب أم أنت نصف الليل كنت تزور مكتبتي وتحمل من

عويل الريح أشياء وذاكرة من الغاب الجميل

وبعض ثلج من شتاء راحل ، في شهر آب ….

وماذا يملك الشاعر ويتأصل في نفسيته غير غرامة بالكتب ؟. هل الكتب والمكتبة أعزّ من الروح لدى محفوظ ؟ نعم (فالغراب –  الموت) ، يزور مكتبته قبل ان يزوره ، ثم لا يكتفي الشاعر في ذلك بل يؤكده بكل عفوية نابعة من وجدانه وعواطفه ، يقول

كيف اخترقت زجاج نافذتي وخلّفت الحديقة

يذبل الليمون فوق سياجها ، واتيت تنقر بعض أشعاري

وتكمن في كتاب

وماذا يمتلك الشاعر أيضاً ويتأصل في نفسيته غير أشعاره فهي كمكتبة وكتبه تلك أمانيه التي عوّضته عن زخارف الدنيا فلاذ بها  ليشبع روحه وفكره وليعكس الجمال للأخر بدلاً من الخراب .

ثم يستسلم الشاعر للقدر الإلهي الموت ويهوّن على (الغراب –  الموت) بانه هيّأ له مايصيبه واصبح جسده امامه كيف يشتهيه ؟ فقد نسج الشاعر له الرؤى فيضا من محارق او سهاد ، يقول :

انت كنت تبحث في المدى ، او تجمع الأبعاد

تبحث في احتراقات مؤجلة ، وفي الأحطاب

تسأل عن رماد ….

فأنا نسجت لك الرؤى ، وجمعت فيضا من محارق او سهاد

ثم يتناص الشاعر مع رموز تراثية كمجنون ليلى وديك الجن ليتماهي بألمه معها وليخفف مع وقع الموت عليه ، وليشاركها آمالها وخيباتها ويطلب من (الغراب –  الموت) ان ينقل الرسائل عن مجنون ليلى ويخبره عن الشاعر ديك الجن الذي قتل زوجته ظنا منه بخيانتها وصنع منها كوزاً يشرب منه الماء ليطفئ حبه منها، يقول :

ألديك عن مجنون ليلى بعض أخبار ، وهل

مازال ديك الجن مخذولا يخضّب راحتيه الدم

كان ينام تحت نهودها ، ومليكة في وجدة كانت

تنام على سلاسل من قتاد

لكن الشاعر رأى ان الاستسلام (للغراب –  الموت) غير مجدٍ ، فقدّم له نصائح إرشادية بأسلوب شاعري ، علّه يخطف منه الأمل ويبعد شبح الرحيل عنه ، يقول:

أن كنت تبحث عن ملاذٍ آمن فلديك أشجار من

القيصوم ، والشيح الجميل ، تجيء أسراب العذارى

في المحاجر بعض لون من أسى ، تدمى على

خطواتها أرض السواد ….

فعلى (الغراب –  الموت) ان يبحث عن ملاذ آمن آخر فمن جاء به إلى حدود الشاعر مكتبته وأشعاره وكتبه وحديقته التي ترك الغراب الليمون يذبل على سياجها ، عليه ان يطير صوب جزيرة العرب موطنه هناك حيث نبات القيصوم والشيح ذوا اللون النجمي الجميل وهناك أيضاً أسراب العذارى وفيهن لوعة الحب (لون من أسى) إذ يتوله بهنّ على البعد حتى في أرض السواد حيث (تدمى على خطواتها أرض السواد) .

وما دام (الغراب –  الموت) يلاحق الشاعر فلا بد ان يوظف الشاعر القسوة لردعه فقد بلغ السيل الزبى وان يصارع (الغراب –  الموت) وأن يظهر أمامه قوّة عضلاته وان يكسر عظمه وجناحه أو أن يقذفه للثعبان كل يلتهمه وينجو منه فالأفكار اللاواعية تتيح للإنسان رؤى لمقاومة الضغوط النفسية ، يقول :

الشاعر المجنون يدعو ان يكسّر عظم ريشك

او جناحك حين تعبر في المدى الأرض الخراب

أو أن تهجّر ليس من عش لديك ولا فراخ

في انتظارك او رفيق في الغياب واذا رحلت يصل ثعبان وينفخ في جبينك

أو تموت مشرحا في النار تخلد في العذاب

وهكذا تأخذ عواطف الشاعر صعودا ونزولا تبعاً لحالته السايكولوجية ويرجع كرة ثانية ليهادن الغراب –  الموت ، علّه يكف عنه ، يقول :

لكنني مازلت منتظرا تحط على المزاهر ، تقضم الأوراق

 تدلف نحو مكتبتي ، وتقرأ في كتاب

          ثم يشرع يترجاه ان يحقق أمنياته ويتمني منه ان يحقق آماله لينقل له أخبار حبيبته (ليلى) وهي تحمل إليه زهرة ورد حمراء ومُقّبَّل كالعسل او يعطيه آمالا أخرى، يقول :

فعساك تحمل بعض أخبار ، لعل هناك بعض الطيف من ليلى

تجيء ، بزهرة حمراء ، يقطر من مقبلها الرضاب

ولعل بعض الثلج يسقط فوق نافذتي لعل ازاهرا

بيضاء تورق على بعض الجمر يوري النار

يستمر الشاعر بترويض (الغراب –  الموت) فأراد ان يكون من أصحابه المقربين من نفسه ليبعد المنون عنه وليجالسه على الشرب علّه يكون نديمه وصديقه ، فلطالما وحَّد الكأس قلوباً متباعدة ، يقول :

أو تأتي الى كأس ونثمل في مثابات من

الليل البهيم نعبّ من نزقٍ ونغرف من سراب ….

          لكن الحقيقة المرة هي ان يتجرع الشاعر الموت فكل مايدور مع صاحبه (الغراب –  الموت) على مائدة الصهباء هو الشرب حد الثمالة وأحاديث خرافة من سراب وكأنه الشاعر ينطق بما قاله مالك بن الريب

خذاني فجرّاني ببردي إليكما           فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا

سلام عليك أيها الشاعر المبدع ومدرار ينزل عليك من السماء .