تجربة سعد محمد رحيم الإبداعية 2-2
كشف المختلف بين الواقعي والمتخيّل
محمد جبير
يتضح من خلال القراءة الواعية للنص تلك الجسور المشتركة بين التجربتين السرديتين والتي تشكل الملامح الاساسية في المشروع السردي الخاص بالكاتب ، ففضلا عن المدونة اليوميات هناك الرسائل المتبادلة بين مها المهاجرة الى المانيا وكمال المحارب على اكثر من جبهة واقعية وذاتية في نص غسق الكراكي ، كذلك الحال بين نصوص الرسائل التي ارسلها المرزوق لجانيت الباريسية التي تمتد من ص120 الى ص 141. في الفصل السابع في نص مقتل بائع الكتب والفصل الرابع منه الذي يشكل مرجعا معلوماتيا مهما في النص من خلال ما تكشفه المحاورات بين الباحث والمتقصي السردي ماجد البغدادي والصديق سامي الرفاعي الذي كشف الكثير من الجاونب الخفية من حياة المرزوق غير المعروفة ، كما انه زوده بالكثير من الصور التي اعاد قراءتها السارد ليرمم بها متشظيات الحدث السردي وتتضح لديه بعض جوانب الصورة ، وهو ذات الامر الذي يفعله السارد مع الصور التي عثر عليها في صندوق كمال ليعيد ترتيب تسلسل الحكاية السردية وفق مزاوجته في قراءة اليوميات وقراءة الصور الشخصية مع قيامه بتعشيق تلك القراءة مع الرسائل والحوارات الخاصة التي اجراها السارد مع الاصدقاء.
قد يدعو المشروع السردي الى قراءة فعالة ويجعل من القارئ منتجا للنص . فرانك ايفرار – اريك تينه ، رولان بارت – مغامرة في مواجهة النص ، ترجمة الدكتور وائل بركات ، دار الينابيع – دمشق ، ط1 -2000 ص119. وهو الامر الذي يحفزه رصانة المشروع السردي وخطابه العام الذي قد يتناغم مع المتلقي او ان يكون المؤلف هو ذلك القارئ الفاعل الذي يركب مغامرة اعادة قراءة النص بغية انتاج وجه اخر من وجوه المشروع بصيغة واليات ونظام اكثر تقنية وتطورا وحداثة في الرؤية والتفكير واساليب التعبير. وايهامه في المشاركة في صناعة النص الرئيس للحكاية ، لذلك قد يستخدم الكاتب في احيان معينة عناصر الجذب والتشويق لاشراك المتلقي في اعادة ترميم النص ، عن طريق استخدام صيغة المخاطب المباشرة ، التي قد تغري متلقيا يريد ان يكون فعالا في متن الحكاية الاساسي وليس منتجا لحكايته الخاصة او لتحييد المتلقي بأنتظار ان ينتهي السارد من حكايته هو ليعود لانتاج حكايته وفق مايترك من حطام الحكاية الاساس انت ايها القارئ الصديق ، أم أنا . الكراكي-ص112.
هذه المعطيات هي التي تفرض علينا نوع القراءة السردية لمرويات سعد محمد رحيم لاسيما في نصيه الكراكي ومقتل ، تقودنا الى القراءة التواصلية في المشروع وعدم الفصل بين النصين على الرغم من وجود الكثير من الاختلافات في البنية والنظام السردي .
فأن سؤال التشكيك في اليوم الاول من مدونة المرزوق في اسقاط التمثال الذي شكل دلالة لاسقاط نظام برمته بما يحمله من منظومات فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية وانفتاح الفضاء الانساني على حرية الانسان في اختيار نمط حياته ونظامه العام ، الا ان التشكيك ينبع من لحظة اختيار كمال لطريقة موته على ارض الكويت في مواجهته مع الاميركان ، الذين اسقطوا التمثال بعد مضي 12 عاما ، اذا ما افترضنا حسب مقولة بارت ان السرد عالم متطور من التاريخ والثقافة .واذا ما افترضنا سلفا أن كل كاتب ينتج نصوصه الابداعية ضمن بنية نصية سابقة أو معاصرة. سعيد يقطين ، انفتاح النص الروائي ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ،ط3 2006 ص 103.
فأن ثقافة النص تتجلى من خلال تنوع الرؤى والخطابات المعرفية للشخصيات في النص السردي ، فالكاتب يختار شخصياته من ذوي المعرفة والتعليم الذي يشكل مرتكزا ثقافيا في تحليل وتفسير وقراءة احداث المستقبل وفق معطيات الحاضر بما عرف من الماضي من حوادث وعلامات بارزة شكلت فارقة زمنية بين مرحلة واخرى مثلما شكل التاسع من نيسان فاصلة تاريخية بين مرحلتين مرحلة ما قبل وما بعد، وهو الامر الذي دفع بالمرزوق الى ان يثير شكوكه من السطور الاولى في مدونته لمرحلة الما بعد . فإننا نقرأ في يوميات كمال في التاسع من نيسان 1983 الاتي حيتان قصيرتان وغليظتان التفت احداهما على الاخرى . الكراكي –ص60. واذا صدق حدس كمال بعد 20 عاما ، فأن الالتفاف حاصل وحدث ما حدث واذا كان الامريكان تعمدوا خلخلة المجتمع فأن الامر لن يستقيم حتى ما بعد وفاتنا أنا وانت ..ربما مقتلنا . مقتل –ص53.
لم يختر الكاتب مكان العمل او مكان البحث والتقصي اعتباطا ، وانما للمكانيين دلالة اجتماعية وسياسية ونضالية بمعنى انهما يحملان ثقافة وتاريخا ، وليس اي تاريخ ، وانما تاريخا ينهض واقفا وشامخا على قدميه وكأن الكاتب يريد ان يقدم كتاب الشكر والعرفان لمدينته مرتع طفولته وصباه ، فكان العمل الصحفي هو مجلة الضد بكل ما تحمله الكلمة من معاني ودلالات ، والمكان الاخر بعقوبة الذي يقصده باحثا ومستقصيا بعد سبع سنوات من العنف والقتل والتهجير، المدينة التي قدمت الشهداء لهذا الوطن كما كان ذلك في نص غسق الكراكي . لقد وجدت الشخصية المتمردة نفسها ، بازاء عالم تسود فيه ظواهر التباعد والتنافر والتفكك والارتباك والفوضوية .. مما فرض على هذه الشخصيات لاسيما المثقفة منها ، ان تتبنى أطرا معرفية مبتكرة تساعدها في قراءة واقعها الراهن والنهوض به ، من خلال عملية الترابط بين هذه الظواهر ومحاولة تفسيرها والوقوف عند عللها ، بغية ايجاد الحلول الناجعة لها ، هادفة من كل ذلك ، الى شحن الوجدان الجماعي وتفعيل دوره في عملية التخطي والتجاوز . الدكتور احمد رشيد الددة ، السلطة في الرواية العربية ، وزارة الثقافة العراقية ، بغداد 2013 ص 173.
من اراد كتابة الرواية؟. سؤال يرد ذكره في متن نص غسق الكراكي وهو يتناغم مع ما سبق ان طرحناه في توفر عناصر او ادوات الحكاية السردية ، فالنص لا يمكنه بناء شخصيات مختلفة بالمرة عن تلك التي نلتقي بها في الحياة اليومية . فانسون جوف ، القراءة ، ترجمة الدكتور محمد ايت لعميم وشكير نصر الدين ، منشورات رؤية ، القاهرة 2016? ص 69 . في العودة الى جملة القول التي استهل بها النص حلم حياتي الكبير ان اكتب رواية ، ينفتح الفضاء السردي على خمس وحدات تحدد مسارات الحكاية وهي المفتاح ، الصندوق مدار أول ، اوراق الماء.. اوراق النار ، اوراق العشق .. اوراق التيه ، عودة الكراكي .
هذه العتبات التي وسم بها الكاتب االوحدات الخمس في النص ، هي التي تزيح الغبار عن ما علق من عتمة في حكاية كمال او ما اراد من غموض في ذلك ، وذلك من خلال التواطؤ بين المؤلف الذي رسم الحكاية وبين لعبة الشخصية السردية على السارد والمؤلف في ارغام السارد على الانتقال في الزمان والمكان في الكثير من الحالات حتى تتداخل الازمنة والامكنة في تلقائية السرد ، فقد اعتمدت الانتقالات في اكثرها شحنات درامية على بنية الثنائيات لايضاح دلالة ومحتوى العتبة ، كما يتضح ذلك في الوحدة الثالثة والرابعة بشكل صريح وفي الوحدة الخامسة بشكل ضمني ، لاستدراج المتلقي في الدخول الى متن النص وفق ماتعالق في ذهنة من نصوص سابقة ، الا ان عتبة الاستهلال او المفتتح السردي للنص ، حملت كلمة واحدة دالة على وظيفة هذه الوحدة الرئيسة في النص والتي اطلق عليها المفتاح ، حيث تنتفع هذه العتبة الى اقصى حد من القوة المستندة ضمنيا ،بمختلف الوسطاء على كم من القوة التي تقع تحت تصرفه . جان ريكادو ، القضايا الجديدة للرواية ، ترجمة كامل عويد العامري ،دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، ط1 2004 ص87 أن اعداد النص يتم أعتبارا من قراءته لنفسه نفسه ،ص224. وكانت مفتاح المتلقي في الدخول الى عالم النص الذي يعيد تشكيله وفق معطياته الذاتية التي بنيت على التفاصيل الواقعية والخبرة المعرفية.ان فعل الاختيار في حد ذاته ليس الا اصطفاء ضمن امكانات عديدة اخرى متاحة ، ومن ثم يتشكل فعل الاختيار في حدود الانتقاء ، الذي يأتي انطلاقا من سلطة السارد الفعلي مرتبطا بقيم خاصة . عادل ضرغام ، في السرد الروائي ، منشورات الاختلاف ، ط1 2010 ? ص52. اذ تتضح وظيفة الاختيار في النص من خلال الدلالات الخاصة بكل اختيار سواء على صعيد المفردة او الفعل السردي ، اذ انه يصطفي وينتقي من الكم المتوفر ما يتناسب اطار المتخيل الواقعي للحكاية السردية في النص ، فقد اختار عتباته كما اختار مصيره في الحياة وفي النص الذي اراد ان يكتبه وترك المهمة للاخر الكاتب والمتلقي اذ ان كل منهما يكتب تلك الحكاية وفق المعطيات التخيليلة لكل منهما .
المفتاح اثار موضوع كتابة الرواية ، لان الرواية تساوي الحياة ، مفتتح حواري بين أنا – السارد و وذات أخرى لم تتضح معالمها ، تلك الذات هي من تحلم في كتابة الرواية ،ويتضح كما قال فوكو أن كل خطاب ظاهر ، ينطلق سرا وخفية من شئ تم قوله ميشال فوكو ، حفريات النص ، ترجمة سالم يفوت ،المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ط3 2005 ص28 فهل كان المعني بذلك الكاتب – المؤلف ام المتلقي الضمني الشخصية المحورية صانعة الحكاية في النص التي تريد ان ترسم مسارات الحكاية وتبادل الادوار مع المؤلف في كتابة نص الحياة ، كما ان تلك الحوارية تفجر الاحتمالات المفتوحة لتأويل المتلقي الخارجي، فأننا من خلال اعادة القراءة للنص نلمس صفات وافعال وحركة بين الحوارات لكننا لا نلمس شخصية محددة الملامح والمواصفات ، اذا نرى لم اعلق ، مداريا دهشتي بابتسامة ، ران صمت قصير ، لمحت في لمعان عينيه سطوة ، يشير الضمير هنا الى فعل السرد نفسه . جيرالد برنس ، علم السرد ، ترجمة الدكتور باسم صالح ،دار الكاتب العالمية ، بيروت 2012 ط1 ص 18. كما نلاحظ ايضا ان الراوي أنا هو الذي اخبرنا علم السرد، ص24 . عن كل ما تقدم في حوارية النص الافتتاحي. قد يكون امرا ملتبسا على المتلقي الذي يريد ان يعرف بغية ان يتواصل ، الا ان عدم المعرفة او التعرف على الشخص المخاطب يدفع بالمتلقي الى التواصل مع حوار المفتتح بغية ادراك زمن الحوار والهدف ومن الشخصية المتحدث عنها او التي نقل عنها جملة قول الافتتاح الاساسية ولماذا ، فالمتلقي يريد ان يعرف من هذا النص الاخباري في المفتتح متى وكيف ومن ولماذا واين ، وهي الاسئلة الخمسة في بنية الخبر التلقيدي في الصحافة وفق هرمه المعتدل او المقلوب ، اما اخباره السردي ، فأنه يتم وفق رؤية سردية تأملية تراعي الترتيب الابداعي للاسئلة الخمس خارج منظومتها الكتابية في الصحافة من حيث الترتيب المتسلسل والاجابة على تلك الاسئلة ، حيث يمكن ان يصف النص السردي ولايجيب عن الاسئلة وانما يطلقها قلقة في فضاء النص ، تبحث عن اجاباتها في تأويلات المتلقي الذاتية .
ما أن تنتهي هذه الحوارية حتى ندرك انها لحظة استذكار بعد مرور سنة على استشهاد كمال ، هذه الحوارية الاسترجاعية هي التي تعيد ترتيب قلق الكتابة السردية وهي التي تنتج نص غسق الكراكي بصيغته الورقية ، حيث يشكل الاسترجاع والاستباق قصا ثانيا شلوميت ريمون كنعان ، التخييل القصصي الشعرية المعاصرة ، ترجمة لحسن حماحة ، دار الثقافة ، المغرب ،1995 ? ص74 . ليكون مفتاحا لانتاج حكايات سردية للعديد من حيوات اشخصاص عراقيين عرفوا كمال او كانوا قريبين منه في التجربة والتصور والحياة في مثل هذا اليوم ، قبل سنة واحدة ، استشهد كمال، وكان ينبغي أن تمر سنة واحدة حتى يتعق الحزن ، وتسترخي الذاكرة . سنة واحدة، حتى تستكين الاسئلة ، بتواطؤ مع الزمن ، ربما ، من أجل أستمرارية تالية ، لكن بوتيرة مختلفة لان دورة الحياة الحقيقية صممت أن تتواصل في مستوى أخر غيرذاك الذي عهدناه ، فبعد سنة واحدة تكون الدموع قد جفت ، وصار واقعا ما حسبناه ، للوهلة الاولى ، من ايحاء الكوابيس . الكراكي ،ص12.نرى في هذا النص المقتطع من تمهيدات المفتاح انه يشير الى عدة اشياء ، سوف نرتبها بالنقاط الاتية .
اولا: مرت سنة على استشهاد كمال .
ثانيا : سنة تعتق الحزن .
ثالثا: الذاكرة استرخت من شد وتوتر الحزن واخذت تعود الى طبيعتها؟
رابعا: ما حسبناه كابوسا صار واقعا .
هذا من الجانب الشخصي الذاتي للسارد الذي اخذت الرواية تستدرجه لكتابتها روايته الوصية تستدرجني الى مغامرة البحث عنه .. لكأنه على مسافة مني ، وما علي الا أن أسير با تجاهه.. باتجاهه الملغز ، المراوغ ، المغري . الكراكي ،ص12. الا ان هذا الاستدراج لانتاج مشروع سردي يصطدم بصعوبات التنفيذ ، اذ ليس من السهل نقل الحياة الى الورق ، لان النقل في الرواية الاستقصائية هو مشروع اعادة خلق وابتكار لكل مكونات الحياة في النص الواقعي والحياة الواقعية على الورق التي تكتسب صفة الديمومة وليس الفناء كما هي على ارض الواقع التي تذهب اليها الصحافة الاستقصائية من اجل تدوينها او سردها ومن ثم كشفها امام الرأي العام
اولا : الرواية صنيعة خيال ، وهنا المفارقة ، أن أحيل كائنا بشريا من لحم ودم ، الى بطل روائي .
ثانيا : غالبا ما تتمرد شخصيات الروايات على مؤلفيها .
ثالثا: كان عصيا علي في حياتي .. لكن .. هل سيكون كذلك ايضا ، وانا أمام ركام من أوراقه واشيائه التي اظن انه تركها لي ، في صندوقه ، او عند الاخرين ؟ وهل ستعينني ذاكرتي وذاكرة اصدقائه ومعارفه ، لاحقق الفرصة التي سلبتها منه الحرب ! أقصد أن اكتب روايته ؟.
رابعا : ما يقلقني هو : كيف ؟ بأية لغة ؟ وبأي منظور ؟ وأستنادا الى أية قواعد للصنعة يمكنني أن أبتكر كمالا في رواية خامسا : لان بموته اكتملت دورة الحياة . الكراكي ،ص13.
لن تمرمرورا هامشيا جملة فكمال اكتملت بموته دورة الحياة وانما ستجد جذرها المتشكل في النسق العام للحكاية بعد اعادة انتاجها ورقيا او ذهنيا، لان المعرفة المسبقة للمرجع الحكائي كأنسان ومكان وزمان ، وبيئة ، ونص حياة قد لا تسهل الامر على السارد او المؤلف في انتاج الحكاية السردية وانما تعيق عملية الخلق الابداعي في اعادة رسم الحياة ليس وفق ما كان وانما وفق ما سيكون .
واذا ما اردنا العودة الى المقتبسات السابقة التي تشير الى محنة كتابة نص كمال فأننا نؤشر الكلمات الاتية خيال ، تمرد ، مطاوعة – ربما- ، اللغة ، المنظور . وهي المنطلقات الاساسية قبل البدء بالمشروع السردي او اللحظة التي يبدأ فيها تصميم ذلك المشروع الابداعي الذي يريد انجاز دورة الحياة للمرجع الرئيس في النص . هذا الامر يقودنا الى خطاب السرد الذي اراد ان يؤكده سعد محمد رحيم من خلال هذا البحث والتقصي في حيثيات كمال فأنه اراد كما يعترف هو بذلك أكتب هذه الرواية لاثبت أن كمال قد عاش .. وأنه بمعنى من المعاني لم يمت . الكراكي ، ص12.فقد كانت تجربة الانتقال في الزمن السردي عبر حالاته الثلاث هي حركة التنقل الى الخلف والى الامام .. حرية مزج الماضي والحاضر والمستقبل المتخيل روبرت همفري ،تيار الوعي في الرواية ، ترجمة الدكتور محمود الربيعي ، دار المعارف ، القاهرة ، ط2 1975 ص72.
المؤلف السارد .. السارد المؤلف :
بين قال لي الكراكي –ص11 في المقطع الاول من القسم الاول الذي حمل عتبة المفتاح و المقطع الرابع من القسم الخامس والاخير من نص الكراكي وانا اعرض الكراكي ،ص 150 والذي حمل عتبة عودة الكراكي علاقة تواصلية سردية ، حيث ينتمي المقطعان الى الكاتب المؤلف ، والذي يشكل البعد الاطاري لخطاب النص السردي ، بعيدا عن خطاب السارد المؤلف ، الذي يعيد تشكيل بناء الحكاية السردية وفق منطق الهدم بوصفه اعادة البناء .اراد الكاتب في هذه الصيغة الاطارية ان يغلق الدائرة على النص ، الا ان الدائرة في خطابها الوجودي لا تقبل الانغلاق على نفسها وانما تمزق شرنقة الانغلاق بغية الانطلاق للاجابة على الاسئلة الوجودية التي بثت في متن الحكاية اسئلة الذات ، والحياة ، والحرية ، والاخرين ، والغربة ، والمصير ، والموت . الكراكي ،ص150. هذه هي مفردات الخطاب في هذا النص ، وهي ذاتها مفردات خطاب مقتل بائع الكتب ولم يتم ترك هذا الخطاب منفلتا من دون ان تكون له مرجعيات تضبط ايقاعه الحياتي ، فقد كانت في النصين مرجعية وطنية تتمسك بالانتماء للارض والاصدقاء والمكان .فأذا كانت الدراسات النقدية الحديثة من أواخر الستينات في القرن الماضي ، تؤكد على الفصل بين المؤلف والسارد ، الا ان الكثير من الكتابات السردية الحديثة وعلى الرغم من التزامها او تبنيها للنظريات او المدارس الحديثة في السرد والقفز من الرواية الى السرد ، لم تتمكن من تجاوز اشكالية المؤلف السارد ، اذ يبقى المؤلف مهيمنا بوصفه نسقا فكريا يتحرك ضمن منظومة خاصة به يمكن لها ان تنشطر او تجد تمثلاتها في العديد من شخصيات الحكاية لتكون موازية او عاكسة او مناقضة لشخصية السارد مما تخلق جدلها الخاص في المتن السردي ، ومن هذه الزاوية تكون تلك الشخصيات تجسيد ورقي (تجسيدا ورقيا) فيما يبقى الكاتب روحــــــــا حية في النص او خارجه .
وترتبط عتبات النص في المقطع الاول والاخير من هذا النص مع العتبة المركزية غسق الكراكي لتفتح النص على افاق التضاد التي تعيد للحياة روحها ومجدها وبريق تألقها في البعث من جديد ، حيث تشير المرجعيات اللغوية القاموسية الى ان معنى كلمة غسق هو ظلمة أول الليل . القاموس الالكتروني . فيما تكون المرادفات لكلمة غسق الهزيع الاخير ، جهمة ، ديجور ، وجنة ، ظلام ، غبش ، غطش ، غيهب واضدادها هي أفول ، أشراق ، ضحى ، ضياء ، غرباء ، غروب ، مساء ، نور . الموسوعة ، يو كبيديا.
حيث تؤكد عتبات الاقسام الداخلية لاسيما المقاطع التي تحضر فيها أنا الكاتب على المخالفة النصية لتأكيد تميز روح الخطاب السردي في وعيه لمصائر وعذابات الانسان في وسط هجمة الظلام اذ انه لم يرغب في الخنوع او الخضوع لاول الظلام في زمن مقابل الاحتلال ولا ذل اليانكي الذي داس على كل القيم والاعتبارات الانسانية ، لذلك كان المقطع الخامس والاخير هو بمثابة المخالفة والاختلاف بين النص والسارد والكاتب الذي اراد ان يعرض حياة جديدة ل كمال حين تجاوز النص مرادفات الكلمة فالكلمة في الرواية تبنى في تفاعل مستمر مع كلمة الحياة . ميخائيل باختين ، الكلمة في الرواية ، ترجمة يوسف حلاق ، منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق 1988 ص178. وتشيرالى ما هو مشرق في تضادها اللغوي ، اذ ركز النص في خطابه العام على الاشراقات الانسانية في تجربة الحياة الشخصية بعيدا عن المباشرة وانما عن طريق البنية السردية التي اعتمدت وسائل وطرق متعددة في بناء الحكاية ، حيث يمثل هذا النمط الكتابي موقفا ازاء الحياة محمد درويش ، ترجمة ، استنطاق النص ، دار المأمون للترجمة ، بغداد 2012 ص 341. حيث ان قلة من الكتاب ذهبوا بعيدا منقبين في اغوار انفسهم ص521 . حيث ذهب الكاتب منقبا في عمق الذات الشخصي للمكان والزمان والحدث والشخصيات القريبة والبعيدة ليعيد ترتيب بنية المكونات السردية للنص السابق او اللاحق الذي يؤسس عناصر هدمه على اعادة بناء النص في التجربة الاولى والثانية ليكون الهدم اعادة بناء كما يؤكد ذلك جنيت .
يعترف جورج اوريل في مقالته لماذا اكتب بأن باعث شروعه في أي عمل ابداعي ينبثق من شعور بالتحزب بأتجاه جماعة ما ومن شعور طاغ ايضا تجاه اللا عدالة السائدة . لطفية الدليمي ، اصوات الرواية ، ترجمة وتقديم ، منشورات مجلة دبي الثقافية ، 2015 ص 120. جملة الختام السردي في نص غسق الكراكي نصت الاتي لم تنته رواية كمال بعد . فكمال أبدا سيحضر في عقلي وذاكرتي وأفكاري في سبيل اكمال روايته . وكلما نأى قليلا أو كثيرا سيعاود الرجوع مرة أخرى واخرى كما الكراكي . لذا فان هذه الرواية ستبقى تكتبني ما حييت . الكراكي ، ص150 .
اقول ان اجمل النصوص تلك التي تكتب نفسها بنفسها ، لذك لن ينتهي نص كمال لانه نص متجدد وسيبقى متجددا يعيد كتابة نفسه بأشكال مختلفة ليكون صرخة في وجه اللاعدالة بشتى انواعها الاجتماعية، واذا لم تتحقق على ارض الواقع فإن امكانية تحققه في النص السردي تعود الى رؤية المؤلف وخطاب السرد الذي يتأسس من تلك الرؤية ممزوجة برؤى الاخرين في النص سواء في الالتقاء او الاختلاف. يميز بوث بين السارد الواعي لنفسه ككاتب والسارد الذي قلما يتحدث او لا يتحدث اطلاقا عن عمل الكتابة، فهو لايعرف انه يكتب أو يفكر نجاة وسواس ، السارد في الرواية الحديثة ، مجلة المخبر ، العدد الثامن 2012 منشورات جامعة محمد خـــيضر ، بسكرة الجزائر.
– يلمس المتلقي الواعي دقة وحرفية الكاتب في التعامل مع الحكاية السردية في متن النص بمستوى عال من الوعي بتقنيات الاشتغال السردي للحكاية الداخلية او الخارجية وموقع المؤلف السارد من هذه الحكاية التي تتشكل عبر النص او التي تحكى ضمن المتن السردي ، فأنه في النصين السابقين لم يكن خارج السردية او السياق السردي وانما عنصرا فعالا في مركز العملية السيردية ذاتها ، واختار من اللحظة الاولى ان يكون عارفا بكل شئ من خلال اصراره على قول الكلمة الاولى التي نطق بها السارد قال لي فقد اعلن عن عزمه في اخبارنا انه سيكون راويا عليما او مدركا لكل ما سيأتي من تفصيلات تسهم في ترتيب الحكاية السردية ، التي توحي للمتلقي انه سيقوم ببنائها وفق تراتيبية تصاعدية او درامية ، تقود الى ذروة محددة كما يحدث في النصوص الروائية الكلاسيكية التي تبنى وفق هذه القاعدة ، تشير عتبة النص مقتل بائع الكتب الى فضاء ثقافي ابداعي مثلما اشار مستهل غسق الكراكي الى ذلك الفضاء من خلال جمل القول التي اشرنا اليها سابقا والوحدات السردية التي حفل بها جسد السرد ، واذا كان الكاتب في النص الاول متخفيا في جلد السارد ، فأنه سيكون حاضرا في النص من خلال أشارات يتم بثها في متن السرد لاسيما في لقاء ماجد البغدادي الصحفي بأحد أصدقاء المرزوق مصطفى كريم ، الذي سيكون اشبه بالمفتاح في النص السابق ليس هو المال ما شجعني على الدخول في المغامرة .. بل الفضول ، والشغف وما حكوه عنه .. أعتقد انه يستحق أن يخلد بكتاب .. صديقي الروائي سعد محمد رحيم دلني عليك .. كان لمدة ستة عشر عاما في بعقوبة قبل أن يهدم نصف منزله بأنفجار عبوة ناسفة في 2006 فغادر المدينة .. هو صديقك كما قال ويعرف المرزوق .. أعلمني ، ليس غير مصطفى كريم من سيساعدك ويعينك في رسم خارطة طريق للعمل . أعطاني رقم موبايلك فخابرتك ، وها أنذا معك . مقتل ، ص9. يظهر الكاتب في هذه التمهيدات افعال الشخصيات اكثر من التحدث عنهم انشائيا ، جاعلا القارئ شريكا للمؤلف ومتواطئا معه وعادا اياه طرفا قابضا في عقد الابداع . غي دو موباسان ، فلوبير .. الروائي والفنان ، ترجمة محمد كاظم مجيد الجبوري ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد 2014 ص 22 ، 23 .
وقد لاتوجد كتابة مثالية كاملة ، نحن كائنات ينقصنا شئ ما دائما ، والكمال الذي نسعى اليه لن نبلغه ابدا مقتل ،ص61.هذا مقتبس من مدونة المرزوق التي عثر عليها بعد وفاته وهي وجه من اوجه السرد التي تكشف او تضئ جانب من حياة هذه الشخصية التي يراد رسم صورتها الكاملة في واقع زائف ومزيف للحقائق ، الا ان ادراك المرزوق ، بوصفه شخصية مثقفة او قريبة من الاشتغال في حقل الثقافة او زاهدة في علاقات هذه النخبة التي لا يجد فيها الصدق الانساني ليحمي صدق روحه وذكرياته التي تشكل كل تاريخه الانساني بين اوراق الكتب المختلفة التي صار يعرف هواتها وروادها ومقتنيها ومخاطر كل نوع من تلك الكتب على حياته الشخصية .
ليست الشخصية المبحوثة ببعيدة عن شخصية الكاتب ، المؤلف او السارد ، المؤلف الصحفي ماجد البغدادي او الروائي سعد محمد رحيم الذي يختفي بثوب المرزوق ، ليظهر في مجتمع النص اثناء سرد الوقائع بصفته الروائية ، وتمنح ثنائية الاختفاء والظهور خلف النص او داخل النص الحرية في الانتقال عبر الزمن السردي الى الازمنة الواقعية خارج السياق السردي للاحداث في المتن الحكائي لاضاءة زوايا من الذاكرة تختزن وقائع تسهم في تحفيز الفعل السرد الاني الى الفعل الافتراضي التخيلي الذي يمسك بجسد الحكاية .
محطة الضائعين:
قد تمر كلمة الغلاف الثاني ، دون ان تلفت انتباه المتلقي ، الا انها اشارة ذكية من الكاتب وتهويمية في نفس الوقت ، اذ بنيت من مقطعين ، الاول لا أحد يرغب بمحطة الضائعين هذه ، يقول الرجل .تقول زوجه : لا احد يصل في اللحظة المناسبة ابدا . ثم نحكي .. تحكي هي قصصا يقول زوجها انه لم يسمعها منها من قبل ، يحكي هو عن سره البعيد مع امرأة ربما تكون الان في الجهة الاخرى من الكون . ما الذي يمكن ان يتشكل في ذهن المتلقي وهو يقرأ هذا المقطع من نص الغلاف الاخير؟.
يلاحظ في هذا النص الذي ورد بصيغة الغائب ، انه يرتكز على مؤثثات هي محطة الضائعين ، عدم الرغبة بها ، عدم الوصول في اللحظة المناسبة ، وهم حكائي ، قصص لم يسمعها ، سر بعيد في محاولة اعادة تفكيك النص وهدمه ، يحتاج المتلقي الى محفزات لتنشيط الذاكرة القرائية لتمكنه من اعادة لحمة النص بما يتأسس على الخبرات السابقة وتصور افق المستقبل للحدث السردي ، الا ان هذا النص في مقطعه هذا يشكل حكاية سردية مستقلة عن النص الاصلي بين دفتي الكتاب لانه يحمل في ثناياه كل مقومات النص السردي من متعة واثارة للمخيلة في اكتشاف التفاصيل التي ترمم ما يحتاج ترميمه في ذاكرة النص النشيطة المؤسس على انقاض ن
تجربة سعد محمد رحيم الإبداعية 2-2
كشف المختلف بين الواقعي والمتخيّل
محمد جبير
يتضح من خلال القراءة الواعية للنص تلك الجسور المشتركة بين التجربتين السرديتين والتي تشكل الملامح الاساسية في المشروع السردي الخاص بالكاتب ، ففضلا عن المدونة اليوميات هناك الرسائل المتبادلة بين مها المهاجرة الى المانيا وكمال المحارب على اكثر من جبهة واقعية وذاتية في نص غسق الكراكي ، كذلك الحال بين نصوص الرسائل التي ارسلها المرزوق لجانيت الباريسية التي تمتد من ص120 الى ص 141. في الفصل السابع في نص مقتل بائع الكتب والفصل الرابع منه الذي يشكل مرجعا معلوماتيا مهما في النص من خلال ما تكشفه المحاورات بين الباحث والمتقصي السردي ماجد البغدادي والصديق سامي الرفاعي الذي كشف الكثير من الجاونب الخفية من حياة المرزوق غير المعروفة ، كما انه زوده بالكثير من الصور التي اعاد قراءتها السارد ليرمم بها متشظيات الحدث السردي وتتضح لديه بعض جوانب الصورة ، وهو ذات الامر الذي يفعله السارد مع الصور التي عثر عليها في صندوق كمال ليعيد ترتيب تسلسل الحكاية السردية وفق مزاوجته في قراءة اليوميات وقراءة الصور الشخصية مع قيامه بتعشيق تلك القراءة مع الرسائل والحوارات الخاصة التي اجراها السارد مع الاصدقاء.
قد يدعو المشروع السردي الى قراءة فعالة ويجعل من القارئ منتجا للنص . فرانك ايفرار – اريك تينه ، رولان بارت – مغامرة في مواجهة النص ، ترجمة الدكتور وائل بركات ، دار الينابيع – دمشق ، ط1 -2000 ص119. وهو الامر الذي يحفزه رصانة المشروع السردي وخطابه العام الذي قد يتناغم مع المتلقي او ان يكون المؤلف هو ذلك القارئ الفاعل الذي يركب مغامرة اعادة قراءة النص بغية انتاج وجه اخر من وجوه المشروع بصيغة واليات ونظام اكثر تقنية وتطورا وحداثة في الرؤية والتفكير واساليب التعبير. وايهامه في المشاركة في صناعة النص الرئيس للحكاية ، لذلك قد يستخدم الكاتب في احيان معينة عناصر الجذب والتشويق لاشراك المتلقي في اعادة ترميم النص ، عن طريق استخدام صيغة المخاطب المباشرة ، التي قد تغري متلقيا يريد ان يكون فعالا في متن الحكاية الاساسي وليس منتجا لحكايته الخاصة او لتحييد المتلقي بأنتظار ان ينتهي السارد من حكايته هو ليعود لانتاج حكايته وفق مايترك من حطام الحكاية الاساس انت ايها القارئ الصديق ، أم أنا . الكراكي-ص112.
هذه المعطيات هي التي تفرض علينا نوع القراءة السردية لمرويات سعد محمد رحيم لاسيما في نصيه الكراكي ومقتل ، تقودنا الى القراءة التواصلية في المشروع وعدم الفصل بين النصين على الرغم من وجود الكثير من الاختلافات في البنية والنظام السردي .
فأن سؤال التشكيك في اليوم الاول من مدونة المرزوق في اسقاط التمثال الذي شكل دلالة لاسقاط نظام برمته بما يحمله من منظومات فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية وانفتاح الفضاء الانساني على حرية الانسان في اختيار نمط حياته ونظامه العام ، الا ان التشكيك ينبع من لحظة اختيار كمال لطريقة موته على ارض الكويت في مواجهته مع الاميركان ، الذين اسقطوا التمثال بعد مضي 12 عاما ، اذا ما افترضنا حسب مقولة بارت ان السرد عالم متطور من التاريخ والثقافة .واذا ما افترضنا سلفا أن كل كاتب ينتج نصوصه الابداعية ضمن بنية نصية سابقة أو معاصرة. سعيد يقطين ، انفتاح النص الروائي ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ،ط3 2006 ص 103.
فأن ثقافة النص تتجلى من خلال تنوع الرؤى والخطابات المعرفية للشخصيات في النص السردي ، فالكاتب يختار شخصياته من ذوي المعرفة والتعليم الذي يشكل مرتكزا ثقافيا في تحليل وتفسير وقراءة احداث المستقبل وفق معطيات الحاضر بما عرف من الماضي من حوادث وعلامات بارزة شكلت فارقة زمنية بين مرحلة واخرى مثلما شكل التاسع من نيسان فاصلة تاريخية بين مرحلتين مرحلة ما قبل وما بعد، وهو الامر الذي دفع بالمرزوق الى ان يثير شكوكه من السطور الاولى في مدونته لمرحلة الما بعد . فإننا نقرأ في يوميات كمال في التاسع من نيسان 1983 الاتي حيتان قصيرتان وغليظتان التفت احداهما على الاخرى . الكراكي –ص60. واذا صدق حدس كمال بعد 20 عاما ، فأن الالتفاف حاصل وحدث ما حدث واذا كان الامريكان تعمدوا خلخلة المجتمع فأن الامر لن يستقيم حتى ما بعد وفاتنا أنا وانت ..ربما مقتلنا . مقتل –ص53.
لم يختر الكاتب مكان العمل او مكان البحث والتقصي اعتباطا ، وانما للمكانيين دلالة اجتماعية وسياسية ونضالية بمعنى انهما يحملان ثقافة وتاريخا ، وليس اي تاريخ ، وانما تاريخا ينهض واقفا وشامخا على قدميه وكأن الكاتب يريد ان يقدم كتاب الشكر والعرفان لمدينته مرتع طفولته وصباه ، فكان العمل الصحفي هو مجلة الضد بكل ما تحمله الكلمة من معاني ودلالات ، والمكان الاخر بعقوبة الذي يقصده باحثا ومستقصيا بعد سبع سنوات من العنف والقتل والتهجير، المدينة التي قدمت الشهداء لهذا الوطن كما كان ذلك في نص غسق الكراكي . لقد وجدت الشخصية المتمردة نفسها ، بازاء عالم تسود فيه ظواهر التباعد والتنافر والتفكك والارتباك والفوضوية .. مما فرض على هذه الشخصيات لاسيما المثقفة منها ، ان تتبنى أطرا معرفية مبتكرة تساعدها في قراءة واقعها الراهن والنهوض به ، من خلال عملية الترابط بين هذه الظواهر ومحاولة تفسيرها والوقوف عند عللها ، بغية ايجاد الحلول الناجعة لها ، هادفة من كل ذلك ، الى شحن الوجدان الجماعي وتفعيل دوره في عملية التخطي والتجاوز . الدكتور احمد رشيد الددة ، السلطة في الرواية العربية ، وزارة الثقافة العراقية ، بغداد 2013 ص 173.
من اراد كتابة الرواية؟. سؤال يرد ذكره في متن نص غسق الكراكي وهو يتناغم مع ما سبق ان طرحناه في توفر عناصر او ادوات الحكاية السردية ، فالنص لا يمكنه بناء شخصيات مختلفة بالمرة عن تلك التي نلتقي بها في الحياة اليومية . فانسون جوف ، القراءة ، ترجمة الدكتور محمد ايت لعميم وشكير نصر الدين ، منشورات رؤية ، القاهرة 2016? ص 69 . في العودة الى جملة القول التي استهل بها النص حلم حياتي الكبير ان اكتب رواية ، ينفتح الفضاء السردي على خمس وحدات تحدد مسارات الحكاية وهي المفتاح ، الصندوق مدار أول ، اوراق الماء.. اوراق النار ، اوراق العشق .. اوراق التيه ، عودة الكراكي .
هذه العتبات التي وسم بها الكاتب االوحدات الخمس في النص ، هي التي تزيح الغبار عن ما علق من عتمة في حكاية كمال او ما اراد من غموض في ذلك ، وذلك من خلال التواطؤ بين المؤلف الذي رسم الحكاية وبين لعبة الشخصية السردية على السارد والمؤلف في ارغام السارد على الانتقال في الزمان والمكان في الكثير من الحالات حتى تتداخل الازمنة والامكنة في تلقائية السرد ، فقد اعتمدت الانتقالات في اكثرها شحنات درامية على بنية الثنائيات لايضاح دلالة ومحتوى العتبة ، كما يتضح ذلك في الوحدة الثالثة والرابعة بشكل صريح وفي الوحدة الخامسة بشكل ضمني ، لاستدراج المتلقي في الدخول الى متن النص وفق ماتعالق في ذهنة من نصوص سابقة ، الا ان عتبة الاستهلال او المفتتح السردي للنص ، حملت كلمة واحدة دالة على وظيفة هذه الوحدة الرئيسة في النص والتي اطلق عليها المفتاح ، حيث تنتفع هذه العتبة الى اقصى حد من القوة المستندة ضمنيا ،بمختلف الوسطاء على كم من القوة التي تقع تحت تصرفه . جان ريكادو ، القضايا الجديدة للرواية ، ترجمة كامل عويد العامري ،دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، ط1 2004 ص87 أن اعداد النص يتم أعتبارا من قراءته لنفسه نفسه ،ص224. وكانت مفتاح المتلقي في الدخول الى عالم النص الذي يعيد تشكيله وفق معطياته الذاتية التي بنيت على التفاصيل الواقعية والخبرة المعرفية.ان فعل الاختيار في حد ذاته ليس الا اصطفاء ضمن امكانات عديدة اخرى متاحة ، ومن ثم يتشكل فعل الاختيار في حدود الانتقاء ، الذي يأتي انطلاقا من سلطة السارد الفعلي مرتبطا بقيم خاصة . عادل ضرغام ، في السرد الروائي ، منشورات الاختلاف ، ط1 2010 ? ص52. اذ تتضح وظيفة الاختيار في النص من خلال الدلالات الخاصة بكل اختيار سواء على صعيد المفردة او الفعل السردي ، اذ انه يصطفي وينتقي من الكم المتوفر ما يتناسب اطار المتخيل الواقعي للحكاية السردية في النص ، فقد اختار عتباته كما اختار مصيره في الحياة وفي النص الذي اراد ان يكتبه وترك المهمة للاخر الكاتب والمتلقي اذ ان كل منهما يكتب تلك الحكاية وفق المعطيات التخيليلة لكل منهما .
المفتاح اثار موضوع كتابة الرواية ، لان الرواية تساوي الحياة ، مفتتح حواري بين أنا – السارد و وذات أخرى لم تتضح معالمها ، تلك الذات هي من تحلم في كتابة الرواية ،ويتضح كما قال فوكو أن كل خطاب ظاهر ، ينطلق سرا وخفية من شئ تم قوله ميشال فوكو ، حفريات النص ، ترجمة سالم يفوت ،المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ط3 2005 ص28 فهل كان المعني بذلك الكاتب – المؤلف ام المتلقي الضمني الشخصية المحورية صانعة الحكاية في النص التي تريد ان ترسم مسارات الحكاية وتبادل الادوار مع المؤلف في كتابة نص الحياة ، كما ان تلك الحوارية تفجر الاحتمالات المفتوحة لتأويل المتلقي الخارجي، فأننا من خلال اعادة القراءة للنص نلمس صفات وافعال وحركة بين الحوارات لكننا لا نلمس شخصية محددة الملامح والمواصفات ، اذا نرى لم اعلق ، مداريا دهشتي بابتسامة ، ران صمت قصير ، لمحت في لمعان عينيه سطوة ، يشير الضمير هنا الى فعل السرد نفسه . جيرالد برنس ، علم السرد ، ترجمة الدكتور باسم صالح ،دار الكاتب العالمية ، بيروت 2012 ط1 ص 18. كما نلاحظ ايضا ان الراوي أنا هو الذي اخبرنا علم السرد، ص24 . عن كل ما تقدم في حوارية النص الافتتاحي. قد يكون امرا ملتبسا على المتلقي الذي يريد ان يعرف بغية ان يتواصل ، الا ان عدم المعرفة او التعرف على الشخص المخاطب يدفع بالمتلقي الى التواصل مع حوار المفتتح بغية ادراك زمن الحوار والهدف ومن الشخصية المتحدث عنها او التي نقل عنها جملة قول الافتتاح الاساسية ولماذا ، فالمتلقي يريد ان يعرف من هذا النص الاخباري في المفتتح متى وكيف ومن ولماذا واين ، وهي الاسئلة الخمسة في بنية الخبر التلقيدي في الصحافة وفق هرمه المعتدل او المقلوب ، اما اخباره السردي ، فأنه يتم وفق رؤية سردية تأملية تراعي الترتيب الابداعي للاسئلة الخمس خارج منظومتها الكتابية في الصحافة من حيث الترتيب المتسلسل والاجابة على تلك الاسئلة ، حيث يمكن ان يصف النص السردي ولايجيب عن الاسئلة وانما يطلقها قلقة في فضاء النص ، تبحث عن اجاباتها في تأويلات المتلقي الذاتية .
ما أن تنتهي هذه الحوارية حتى ندرك انها لحظة استذكار بعد مرور سنة على استشهاد كمال ، هذه الحوارية الاسترجاعية هي التي تعيد ترتيب قلق الكتابة السردية وهي التي تنتج نص غسق الكراكي بصيغته الورقية ، حيث يشكل الاسترجاع والاستباق قصا ثانيا شلوميت ريمون كنعان ، التخييل القصصي الشعرية المعاصرة ، ترجمة لحسن حماحة ، دار الثقافة ، المغرب ،1995 ? ص74 . ليكون مفتاحا لانتاج حكايات سردية للعديد من حيوات اشخصاص عراقيين عرفوا كمال او كانوا قريبين منه في التجربة والتصور والحياة في مثل هذا اليوم ، قبل سنة واحدة ، استشهد كمال، وكان ينبغي أن تمر سنة واحدة حتى يتعق الحزن ، وتسترخي الذاكرة . سنة واحدة، حتى تستكين الاسئلة ، بتواطؤ مع الزمن ، ربما ، من أجل أستمرارية تالية ، لكن بوتيرة مختلفة لان دورة الحياة الحقيقية صممت أن تتواصل في مستوى أخر غيرذاك الذي عهدناه ، فبعد سنة واحدة تكون الدموع قد جفت ، وصار واقعا ما حسبناه ، للوهلة الاولى ، من ايحاء الكوابيس . الكراكي ،ص12.نرى في هذا النص المقتطع من تمهيدات المفتاح انه يشير الى عدة اشياء ، سوف نرتبها بالنقاط الاتية .
اولا: مرت سنة على استشهاد كمال .
ثانيا : سنة تعتق الحزن .
ثالثا: الذاكرة استرخت من شد وتوتر الحزن واخذت تعود الى طبيعتها؟
رابعا: ما حسبناه كابوسا صار واقعا .
هذا من الجانب الشخصي الذاتي للسارد الذي اخذت الرواية تستدرجه لكتابتها روايته الوصية تستدرجني الى مغامرة البحث عنه .. لكأنه على مسافة مني ، وما علي الا أن أسير با تجاهه.. باتجاهه الملغز ، المراوغ ، المغري . الكراكي ،ص12. الا ان هذا الاستدراج لانتاج مشروع سردي يصطدم بصعوبات التنفيذ ، اذ ليس من السهل نقل الحياة الى الورق ، لان النقل في الرواية الاستقصائية هو مشروع اعادة خلق وابتكار لكل مكونات الحياة في النص الواقعي والحياة الواقعية على الورق التي تكتسب صفة الديمومة وليس الفناء كما هي على ارض الواقع التي تذهب اليها الصحافة الاستقصائية من اجل تدوينها او سردها ومن ثم كشفها امام الرأي العام
اولا : الرواية صنيعة خيال ، وهنا المفارقة ، أن أحيل كائنا بشريا من لحم ودم ، الى بطل روائي .
ثانيا : غالبا ما تتمرد شخصيات الروايات على مؤلفيها .
ثالثا: كان عصيا علي في حياتي .. لكن .. هل سيكون كذلك ايضا ، وانا أمام ركام من أوراقه واشيائه التي اظن انه تركها لي ، في صندوقه ، او عند الاخرين ؟ وهل ستعينني ذاكرتي وذاكرة اصدقائه ومعارفه ، لاحقق الفرصة التي سلبتها منه الحرب ! أقصد أن اكتب روايته ؟.
رابعا : ما يقلقني هو : كيف ؟ بأية لغة ؟ وبأي منظور ؟ وأستنادا الى أية قواعد للصنعة يمكنني أن أبتكر كمالا في رواية خامسا : لان بموته اكتملت دورة الحياة . الكراكي ،ص13.
لن تمرمرورا هامشيا جملة فكمال اكتملت بموته دورة الحياة وانما ستجد جذرها المتشكل في النسق العام للحكاية بعد اعادة انتاجها ورقيا او ذهنيا، لان المعرفة المسبقة للمرجع الحكائي كأنسان ومكان وزمان ، وبيئة ، ونص حياة قد لا تسهل الامر على السارد او المؤلف في انتاج الحكاية السردية وانما تعيق عملية الخلق الابداعي في اعادة رسم الحياة ليس وفق ما كان وانما وفق ما سيكون .
واذا ما اردنا العودة الى المقتبسات السابقة التي تشير الى محنة كتابة نص كمال فأننا نؤشر الكلمات الاتية خيال ، تمرد ، مطاوعة – ربما- ، اللغة ، المنظور . وهي المنطلقات الاساسية قبل البدء بالمشروع السردي او اللحظة التي يبدأ فيها تصميم ذلك المشروع الابداعي الذي يريد انجاز دورة الحياة للمرجع الرئيس في النص . هذا الامر يقودنا الى خطاب السرد الذي اراد ان يؤكده سعد محمد رحيم من خلال هذا البحث والتقصي في حيثيات كمال فأنه اراد كما يعترف هو بذلك أكتب هذه الرواية لاثبت أن كمال قد عاش .. وأنه بمعنى من المعاني لم يمت . الكراكي ، ص12.فقد كانت تجربة الانتقال في الزمن السردي عبر حالاته الثلاث هي حركة التنقل الى الخلف والى الامام .. حرية مزج الماضي والحاضر والمستقبل المتخيل روبرت همفري ،تيار الوعي في الرواية ، ترجمة الدكتور محمود الربيعي ، دار المعارف ، القاهرة ، ط2 1975 ص72.
المؤلف السارد .. السارد المؤلف :
بين قال لي الكراكي –ص11 في المقطع الاول من القسم الاول الذي حمل عتبة المفتاح و المقطع الرابع من القسم الخامس والاخير من نص الكراكي وانا اعرض الكراكي ،ص 150 والذي حمل عتبة عودة الكراكي علاقة تواصلية سردية ، حيث ينتمي المقطعان الى الكاتب المؤلف ، والذي يشكل البعد الاطاري لخطاب النص السردي ، بعيدا عن خطاب السارد المؤلف ، الذي يعيد تشكيل بناء الحكاية السردية وفق منطق الهدم بوصفه اعادة البناء .اراد الكاتب في هذه الصيغة الاطارية ان يغلق الدائرة على النص ، الا ان الدائرة في خطابها الوجودي لا تقبل الانغلاق على نفسها وانما تمزق شرنقة الانغلاق بغية الانطلاق للاجابة على الاسئلة الوجودية التي بثت في متن الحكاية اسئلة الذات ، والحياة ، والحرية ، والاخرين ، والغربة ، والمصير ، والموت . الكراكي ،ص150. هذه هي مفردات الخطاب في هذا النص ، وهي ذاتها مفردات خطاب مقتل بائع الكتب ولم يتم ترك هذا الخطاب منفلتا من دون ان تكون له مرجعيات تضبط ايقاعه الحياتي ، فقد كانت في النصين مرجعية وطنية تتمسك بالانتماء للارض والاصدقاء والمكان .فأذا كانت الدراسات النقدية الحديثة من أواخر الستينات في القرن الماضي ، تؤكد على الفصل بين المؤلف والسارد ، الا ان الكثير من الكتابات السردية الحديثة وعلى الرغم من التزامها او تبنيها للنظريات او المدارس الحديثة في السرد والقفز من الرواية الى السرد ، لم تتمكن من تجاوز اشكالية المؤلف السارد ، اذ يبقى المؤلف مهيمنا بوصفه نسقا فكريا يتحرك ضمن منظومة خاصة به يمكن لها ان تنشطر او تجد تمثلاتها في العديد من شخصيات الحكاية لتكون موازية او عاكسة او مناقضة لشخصية السارد مما تخلق جدلها الخاص في المتن السردي ، ومن هذه الزاوية تكون تلك الشخصيات تجسيد ورقي (تجسيدا ورقيا) فيما يبقى الكاتب روحــــــــا حية في النص او خارجه .
وترتبط عتبات النص في المقطع الاول والاخير من هذا النص مع العتبة المركزية غسق الكراكي لتفتح النص على افاق التضاد التي تعيد للحياة روحها ومجدها وبريق تألقها في البعث من جديد ، حيث تشير المرجعيات اللغوية القاموسية الى ان معنى كلمة غسق هو ظلمة أول الليل . القاموس الالكتروني . فيما تكون المرادفات لكلمة غسق الهزيع الاخير ، جهمة ، ديجور ، وجنة ، ظلام ، غبش ، غطش ، غيهب واضدادها هي أفول ، أشراق ، ضحى ، ضياء ، غرباء ، غروب ، مساء ، نور . الموسوعة ، يو كبيديا.
حيث تؤكد عتبات الاقسام الداخلية لاسيما المقاطع التي تحضر فيها أنا الكاتب على المخالفة النصية لتأكيد تميز روح الخطاب السردي في وعيه لمصائر وعذابات الانسان في وسط هجمة الظلام اذ انه لم يرغب في الخنوع او الخضوع لاول الظلام في زمن مقابل الاحتلال ولا ذل اليانكي الذي داس على كل القيم والاعتبارات الانسانية ، لذلك كان المقطع الخامس والاخير هو بمثابة المخالفة والاختلاف بين النص والسارد والكاتب الذي اراد ان يعرض حياة جديدة ل كمال حين تجاوز النص مرادفات الكلمة فالكلمة في الرواية تبنى في تفاعل مستمر مع كلمة الحياة . ميخائيل باختين ، الكلمة في الرواية ، ترجمة يوسف حلاق ، منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق 1988 ص178. وتشيرالى ما هو مشرق في تضادها اللغوي ، اذ ركز النص في خطابه العام على الاشراقات الانسانية في تجربة الحياة الشخصية بعيدا عن المباشرة وانما عن طريق البنية السردية التي اعتمدت وسائل وطرق متعددة في بناء الحكاية ، حيث يمثل هذا النمط الكتابي موقفا ازاء الحياة محمد درويش ، ترجمة ، استنطاق النص ، دار المأمون للترجمة ، بغداد 2012 ص 341. حيث ان قلة من الكتاب ذهبوا بعيدا منقبين في اغوار انفسهم ص521 . حيث ذهب الكاتب منقبا في عمق الذات الشخصي للمكان والزمان والحدث والشخصيات القريبة والبعيدة ليعيد ترتيب بنية المكونات السردية للنص السابق او اللاحق الذي يؤسس عناصر هدمه على اعادة بناء النص في التجربة الاولى والثانية ليكون الهدم اعادة بناء كما يؤكد ذلك جنيت .
يعترف جورج اوريل في مقالته لماذا اكتب بأن باعث شروعه في أي عمل ابداعي ينبثق من شعور بالتحزب بأتجاه جماعة ما ومن شعور طاغ ايضا تجاه اللا عدالة السائدة . لطفية الدليمي ، اصوات الرواية ، ترجمة وتقديم ، منشورات مجلة دبي الثقافية ، 2015 ص 120. جملة الختام السردي في نص غسق الكراكي نصت الاتي لم تنته رواية كمال بعد . فكمال أبدا سيحضر في عقلي وذاكرتي وأفكاري في سبيل اكمال روايته . وكلما نأى قليلا أو كثيرا سيعاود الرجوع مرة أخرى واخرى كما الكراكي . لذا فان هذه الرواية ستبقى تكتبني ما حييت . الكراكي ، ص150 .
اقول ان اجمل النصوص تلك التي تكتب نفسها بنفسها ، لذك لن ينتهي نص كمال لانه نص متجدد وسيبقى متجددا يعيد كتابة نفسه بأشكال مختلفة ليكون صرخة في وجه اللاعدالة بشتى انواعها الاجتماعية، واذا لم تتحقق على ارض الواقع فإن امكانية تحققه في النص السردي تعود الى رؤية المؤلف وخطاب السرد الذي يتأسس من تلك الرؤية ممزوجة برؤى الاخرين في النص سواء في الالتقاء او الاختلاف. يميز بوث بين السارد الواعي لنفسه ككاتب والسارد الذي قلما يتحدث او لا يتحدث اطلاقا عن عمل الكتابة، فهو لايعرف انه يكتب أو يفكر نجاة وسواس ، السارد في الرواية الحديثة ، مجلة المخبر ، العدد الثامن 2012 منشورات جامعة محمد خـــيضر ، بسكرة الجزائر.
– يلمس المتلقي الواعي دقة وحرفية الكاتب في التعامل مع الحكاية السردية في متن النص بمستوى عال من الوعي بتقنيات الاشتغال السردي للحكاية الداخلية او الخارجية وموقع المؤلف السارد من هذه الحكاية التي تتشكل عبر النص او التي تحكى ضمن المتن السردي ، فأنه في النصين السابقين لم يكن خارج السردية او السياق السردي وانما عنصرا فعالا في مركز العملية السيردية ذاتها ، واختار من اللحظة الاولى ان يكون عارفا بكل شئ من خلال اصراره على قول الكلمة الاولى التي نطق بها السارد قال لي فقد اعلن عن عزمه في اخبارنا انه سيكون راويا عليما او مدركا لكل ما سيأتي من تفصيلات تسهم في ترتيب الحكاية السردية ، التي توحي للمتلقي انه سيقوم ببنائها وفق تراتيبية تصاعدية او درامية ، تقود الى ذروة محددة كما يحدث في النصوص الروائية الكلاسيكية التي تبنى وفق هذه القاعدة ، تشير عتبة النص مقتل بائع الكتب الى فضاء ثقافي ابداعي مثلما اشار مستهل غسق الكراكي الى ذلك الفضاء من خلال جمل القول التي اشرنا اليها سابقا والوحدات السردية التي حفل بها جسد السرد ، واذا كان الكاتب في النص الاول متخفيا في جلد السارد ، فأنه سيكون حاضرا في النص من خلال أشارات يتم بثها في متن السرد لاسيما في لقاء ماجد البغدادي الصحفي بأحد أصدقاء المرزوق مصطفى كريم ، الذي سيكون اشبه بالمفتاح في النص السابق ليس هو المال ما شجعني على الدخول في المغامرة .. بل الفضول ، والشغف وما حكوه عنه .. أعتقد انه يستحق أن يخلد بكتاب .. صديقي الروائي سعد محمد رحيم دلني عليك .. كان لمدة ستة عشر عاما في بعقوبة قبل أن يهدم نصف منزله بأنفجار عبوة ناسفة في 2006 فغادر المدينة .. هو صديقك كما قال ويعرف المرزوق .. أعلمني ، ليس غير مصطفى كريم من سيساعدك ويعينك في رسم خارطة طريق للعمل . أعطاني رقم موبايلك فخابرتك ، وها أنذا معك . مقتل ، ص9. يظهر الكاتب في هذه التمهيدات افعال الشخصيات اكثر من التحدث عنهم انشائيا ، جاعلا القارئ شريكا للمؤلف ومتواطئا معه وعادا اياه طرفا قابضا في عقد الابداع . غي دو موباسان ، فلوبير .. الروائي والفنان ، ترجمة محمد كاظم مجيد الجبوري ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد 2014 ص 22 ، 23 .
وقد لاتوجد كتابة مثالية كاملة ، نحن كائنات ينقصنا شئ ما دائما ، والكمال الذي نسعى اليه لن نبلغه ابدا مقتل ،ص61.هذا مقتبس من مدونة المرزوق التي عثر عليها بعد وفاته وهي وجه من اوجه السرد التي تكشف او تضئ جانب من حياة هذه الشخصية التي يراد رسم صورتها الكاملة في واقع زائف ومزيف للحقائق ، الا ان ادراك المرزوق ، بوصفه شخصية مثقفة او قريبة من الاشتغال في حقل الثقافة او زاهدة في علاقات هذه النخبة التي لا يجد فيها الصدق الانساني ليحمي صدق روحه وذكرياته التي تشكل كل تاريخه الانساني بين اوراق الكتب المختلفة التي صار يعرف هواتها وروادها ومقتنيها ومخاطر كل نوع من تلك الكتب على حياته الشخصية .
ليست الشخصية المبحوثة ببعيدة عن شخصية الكاتب ، المؤلف او السارد ، المؤلف الصحفي ماجد البغدادي او الروائي سعد محمد رحيم الذي يختفي بثوب المرزوق ، ليظهر في مجتمع النص اثناء سرد الوقائع بصفته الروائية ، وتمنح ثنائية الاختفاء والظهور خلف النص او داخل النص الحرية في الانتقال عبر الزمن السردي الى الازمنة الواقعية خارج السياق السردي للاحداث في المتن الحكائي لاضاءة زوايا من الذاكرة تختزن وقائع تسهم في تحفيز الفعل السرد الاني الى الفعل الافتراضي التخيلي الذي يمسك بجسد الحكاية .
محطة الضائعين:
قد تمر كلمة الغلاف الثاني ، دون ان تلفت انتباه المتلقي ، الا انها اشارة ذكية من الكاتب وتهويمية في نفس الوقت ، اذ بنيت من مقطعين ، الاول لا أحد يرغب بمحطة الضائعين هذه ، يقول الرجل .تقول زوجه : لا احد يصل في اللحظة المناسبة ابدا . ثم نحكي .. تحكي هي قصصا يقول زوجها انه لم يسمعها منها من قبل ، يحكي هو عن سره البعيد مع امرأة ربما تكون الان في الجهة الاخرى من الكون . ما الذي يمكن ان يتشكل في ذهن المتلقي وهو يقرأ هذا المقطع من نص الغلاف الاخير؟.
يلاحظ في هذا النص الذي ورد بصيغة الغائب ، انه يرتكز على مؤثثات هي محطة الضائعين ، عدم الرغبة بها ، عدم الوصول في اللحظة المناسبة ، وهم حكائي ، قصص لم يسمعها ، سر بعيد في محاولة اعادة تفكيك النص وهدمه ، يحتاج المتلقي الى محفزات لتنشيط الذاكرة القرائية لتمكنه من اعادة لحمة النص بما يتأسس على الخبرات السابقة وتصور افق المستقبل للحدث السردي ، الا ان هذا النص في مقطعه هذا يشكل حكاية سردية مستقلة عن النص الاصلي بين دفتي الكتاب لانه يحمل في ثناياه كل مقومات النص السردي من متعة واثارة للمخيلة في اكتشاف التفاصيل التي ترمم ما يحتاج ترميمه في ذاكرة النص النشيطة المؤسس على انقاض نص ، المقطع.محطة الضائعين ، هي محطة اخر العمر التي لا تمل الاسترجاع لتشكيل حكايات جديدة ، من قول على اثر قول او قول لاحق يمحو قولا سابقا لانتاج حكاية او وهم انتاج حكاية لان ما تبقى من زمن الحكي في محطة الضائعين هو نسيج اوهام تجربة مضت واستباقات متخيل افتراضي ،ليصبح النسيج الحكائي بين الاثنين هو عنصر الشد والجذب في الوجود الانساني في المحطة التي لا يصل لها احد في الوقت المناسب .
مقتبس الغلاف الاخير يشير فضلا عن الحالة السابقة الى حال اخرى ، هي انا الحاضر او المتكلم ، الذي يستخدم النفي لاثبات الحال او تقديم اسئلة توكيد واقع الحال أما أنا فلا أحكي ، لكن هذا النفي للحكي هو في الاساسي حكي متقدم يحفز المتلقي في البحث عن التفاصيل عن جانيت او لا احكي عن ناتاشا . و لا عن غادتي الهاربة بين النجوم البعيدة فقد تم من خلال ذلك الاخبار عن هذه الشخصيات ، اذ انها ليست مجرد اسماء وانما اسماء لكل منها حكاية مع المرزوق الشخصية المبحوثة في متن النص السردي ، الا ان المشترك بين الاثنين الغائب ، الحاضر هو الحب الضائع ، في الغائب سره البعيد وفي الحاضر غادتي الهاربة .
ص ، المقطع.محطة الضائعين ، هي محطة اخر العمر التي لا تمل الاسترجاع لتشكيل حكايات جديدة ، من قول على اثر قول او قول لاحق يمحو قولا سابقا لانتاج حكاية او وهم انتاج حكاية لان ما تبقى من زمن الحكي في محطة الضائعين هو نسيج اوهام تجربة مضت واستباقات متخيل افتراضي ،ليصبح النسيج الحكائي بين الاثنين هو عنصر الشد والجذب في الوجود الانساني في المحطة التي لا يصل لها احد في الوقت المناسب .
مقتبس الغلاف الاخير يشير فضلا عن الحالة السابقة الى حال اخرى ، هي انا الحاضر او المتكلم ، الذي يستخدم النفي لاثبات الحال او تقديم اسئلة توكيد واقع الحال أما أنا فلا أحكي ، لكن هذا النفي للحكي هو في الاساسي حكي متقدم يحفز المتلقي في البحث عن التفاصيل عن جانيت او لا احكي عن ناتاشا . و لا عن غادتي الهاربة بين النجوم البعيدة فقد تم من خلال ذلك الاخبار عن هذه الشخصيات ، اذ انها ليست مجرد اسماء وانما اسماء لكل منها حكاية مع المرزوق الشخصية المبحوثة في متن النص السردي ، الا ان المشترك بين الاثنين الغائب ، الحاضر هو الحب الضائع ، في الغائب سره البعيد وفي الحاضر غادتي الهاربة .
























