بنية الكتابة في رواية آدم سامي- مور
إجتراح العنوان وتأطير الجذور وخاصية الفلسفة المقصودة
علي لفته سعيد
تمتاز رواية (آدم سامي- مور) لعلاء مشذوب بكونها تختلف اختلافا كليا عن نتاجاته الروائية وهي خاصية قد تمنح المتلقي بعدا آخر إذا ما كان قد قرأ الروايات الأخرى ولكنها ايضا تعطي أسبقية في محاورتها من جوانب عديدة يمكن لها أن تعطي مدلولا أوليا لماهية الرواية بدءا من عنوانها المثير وهو عنوان اجتراحي من قبل الروائي والذي يحمل مدلولات عديدة كونه يـتألف من ثلاث كلمات لا ترتبط الواحدة بالأخرى بل ان كل واحدة لها العالم الخاص والتأويل الخاص والمفهوم الدلالي المتخصص بالمعنى فما بين آدم بدء الخليقة وسامي الذي لا يبدو اسما مذكر لأنسان محدد كبطل مرافق لآدم بل يكتشف ان المدخل وقبلها التوضيح ستعني ان سامي تعني الساميين او السومريين بحسب اجتهادات القارئ حيث يركز في التوضيح انها ( رؤيا للإنسان الاول كيف كان يفكر ويعيش…..) ثم يضع المدخل لعالم الرواية كنسق أولي يمكن ان يساعد المتلقي في معرفة زوايا تلقيه واماكن محاورته لأنه سيحتاج لكل الدلالات الموحية التي تعبث بروح المفهوم كرواية من جهة وروح المفهوم كاستخلاص عميق من جهة ثانية.. ولهذا فان المدخل لم يكن عتبة اولى او استهلال بقدر ما كان مرتبطا بالعنوان وكأنه يضع أمام المتلقي سكّة قطار لكي ينتقل معه في حركة إضاءة لما سيأتي فيرسم صور التلقي.. إن فكرة الرواية قد تكون أعمق من كتابتها.. والفكرة هنا هي متابعة الأثر الأول للإنسان في سومر العراقية وحسنا فعل الروائي حين جعل أبطاله ليس من النوع الأثري أو يتحرّك معهم على أنهم منقّبين في الأثر بقدر ما جعل البطل إنسانا عاديا ولكنه يمتلك جذورا لم ينتبه لها وحين يعمل يتحوّل الى فيلسوف.. وبغض النظر عن طريقة التدوين في إقناع القارئ بهذه القصدية من عدمها فإن الروائي أراد طرح علاقاته مع المكان كجذر.. ولأن الموضوعة ليست هيّنة لأن الرواية مختلفة في فكرتها وبنائها عن روايات المشذوب الأخرى فإن تدوينها أيضا لم يكن سهلا, ولكن ما يهمنا هو إن الفكرة غلبت التدوين والتدوين غلب القصدية والقصدية فازت على التأويل والجمع إن الرواية أنتجت بنائية خاصة رغم إنها غير مختلفة عن سياق الروايات الأخرى بل هي انتهجت أسلوبها الخاص بها لكي تتغلّب عن نواقص معرفة المكان لأن عالمها أوسع وأشمل من تدوين رواية تقع بنحو 180 صفحة من القطع المتوسط.
الاستهلال
تستهل الرواية بمستوى إخباري يشبه تعريفا إعلاميا لخبرٍ يمكن قراءته في الصحف لكنه حوّره الى استهلال سردي حين انتقل من (عندما) وهي ظرف مركب زمني و(ما) المصدريّة (عندما جاءت البعثة- البريطانية الامريكية ) الى (كان) الفعل الماضي الناقص ليزاوج مع المستوى التصويري ( تعبأ بالكثير من الأحمال مع جنديين مسلحين) ليبدأ المستوى في انطلاقته الأولى لتوضيح معالم المكان وتسميته ( تل العبيد) ليتحول السرد من إخبار روي الى إخبار على لسان الراوي ( وكنت أنا العامل البسيط ) هو استهلال يتنوّع الى عدة متون ينتقل من شخص الى شخص ومن مكان الى آخر.. فما بين البعثة والعامل والمكان يتحوّل الإخبار الى عنصر دلالي ينطلق من عين الراوي / المتكلم / العامل الى الآخرين الذي يعملون أو يعمل معهم وهي لم تكن الخطوة الأولى للعثة بدلالة انهم يعملون أو هي موجودة قبل أن يتواجد الراوي.. لكن الاستهلال ينطلق بإيضاح سلسلة الحياة المتعلقة بالراوي / العامل/ الريفي / البسيط/ الراعي / الذي لا يفقه شيئا لكنه يملك الطموح.. ليتحول هو الآخر بعد معايشة زمنية للمنقبين الى منقّب ويحمل أفكارا مهمة.. ربما الرواية تناقش مبدئية من صنع الحضارة من ساهم فيها الساميين والعرب الجذور العربية التي وضعها في العنوان مشذوب ربما هي محاولة لبث روح الأصول والجذور في الجسد العروبي من جديد وعلى إن العرب هم من صنعوا حضارة العراق وليس فقط السومريين .. ربما هذه مداولة فكرية مستنتجة ومقصودة من الروائي الى العنوان الى المتن السردي من خلال اختياره منطقة هي الأصل في الحضارة وهي الناصرية حيث سومر والرقيمات الطينية التي ستكون واحدة من أعمدة النص الروائي والثيمة الروائية والادارة في تفعيل عناصر الصراع.
اللغة وشعرية الألواح
لغة السرد في الرواية غير معقدة فهي بسيطة تأخذ بياقة الجملة من حيث يشاء الراوي أن يكون، فهي تتنقل من بين الإخباري والتصويري ليمنح المتلقي عتبة أولى لفهم دائرة المراكز التي ستنطلق منها الراوية في رويها للأحداث.. ولذا فإن اللغة تتحرك وفق عين الراوي وهي عين بسيطة تحاول انبات الصورة في المخيلة وتراقبها كيف ستكون لها بقع ضوئية في ذهن المتلقي، خاصة وان الثيمة المحورية للرواية تغور في عمق التاريخ من خلال الفعل المعاصر أو ما يعني بداية عملية التنقيب في سومر وفي منطقة ( تل العبيد) بالناصرية.
ان المفردة تحاول أن تميط اللثام عن تاريخ مطمور لتأكيد حقيقة فكرية أرادها الروائي في تبنيها وكما أسلفنا من العنوان وهو فكر عميق لا يدركه حتى أهل الأرض الذين لا يهتمون بما بين أيديهم من كنوز حضارية بسبب التحولات السياسية والاحتلالات العديدة وتراجع الهم الحضاري لحساب الصراع مع الواقع الجديد الذي تتبناه الانظمة.. ان ما يمكن أن يعطي للغة انها لم تكن صعبة ولم تكن مجاورة لفعل السرد بل هي تقترب منه وتحاول أن تغوص في دواخله لأن الراوي يقف أمام شيء جديد على حياته ومنطقته.. هو لم ير من الكتب شيئا ليقف أمام ترجمات الرقيمات التي تبهره الأشعار التي تستخلص من هذه الرقيمات.. وربما هي محاولة للاقتراب من ملحمة جلجامش ولكنها كتبت بنفس عصري ولسبت روح الماضي أو انها نصوص شعرية محمولة بدلالات أثرية جلجامشية تمكنت فيها روح شاعر من استخلاص وتجريب ونحت وتذهيب النص وربما تكون النصوص المترجمة من الرقيمات هي اللغة الأعلى في الرواية بل كانت هي المعين التي خلصتها من بعض الهنات التي راودت البناء.. بمعنى ان بنية الكتابة اعتمدت على الألواح بما تنحته من دلالات شعرية مقاربة للدلالات الشعرية التي استخلصتها الأساطير الشعرية والملاحم والاقرب لنا هي ملحمة جلجامش حتى لكأن الأسلوب واحد وان الشاعر المدون كان متأثرا فأثر في النص.. وهي بنية درامية أثرت بالراعي أو العامل الفقير الذي تعلم القراءة على يد الكتاتيب.. وهذه قصدية فاعلة ومفعّلة وقادرة على الاتيان بفعل التقريب والتقرب من روح التنقيب وهي قصدية مبثوثة ايضا في هذه الألواح سواء منها ما جاءت به على شكل شعر أو على شكل سردي بفقرات معلمة ومعلومة.. والألواح هنا أخذت ثلاث مستويات معا لينتجا مستويين من قبل القارئ وهذه المستويات هي المستوى الاخباري والتصويري والتحليلي ينتجان المستويين القصدي والفلسفي فيما يكون المستوى السادس ضمن مستويات بنية الكتابة متروك للمتلقي في تأويله للأحداث وربط الألواح بما يشاء من عناصر المخيلة التي يمكن أن يستخلصها من العمل ومنها بالإمكان القول ان الروائي أراد على لسان الراوي أن يمنح التأويل منصة عليا من أن الحياة بدأت هنا من هذه الأرض السومرية العربية من هذه الوحدات المنتجة للحياة.. ولكن ما يؤخذ على هذه الألواح انها وضعت بطريقة ترتيب غير منضبط وان الشاعر لم يأخذ بالحسبان موقع النص الذي أقحم كلوح مكانه ولوعته وادراكه وارتباطه ضمن التسلسل المنطقي للأحداث لذا فان بعض النصوص جاءت وكأنها أقحمت اقحاما سواء في منطقتها أو طولها غير المبرر.. بل ان الروائي لو جعل هذه الألواح لا تأتي على لسان الراوي ويجعلها تأتي على لسان المنقبين لأنهما الأقرب الى التفكير العلمي والترجمي بدلا من الراوي الانسان البسيط الذي بدا يحفظ بطريقة غريبة وخاصة وان الراوي يعترف بانه يتعلم ( كما أشعر وأنا معهم أنني طالب أتعلم على أيديهما أفك مفاتحي العالم القديم الذي هو عالمنا وكذلك أتعلم كيف يفكر العالم الجديد وكيف ينظر للآثار باحترام ) ص52ان أهم ما يعيب المتن السردي هو لغتها كجملة سردية.. فهناك الكثير من التكرار للمفردة داخل في السطر الواحد وهو ما يشكل ضعفا في المقدرة الكتابية على العكس من القدرة على كتابة الألواح شعريا.. وما نعنيه ان التكرار كان يمكن استخدام صفة الغائب عنه من مثل ( خرج أحدهم من خيمته، ليتأكد من الحبال التي تمسك الخيمة) ص13 وكان يمكن أن يقول تمسكها..( نزلت من على السلم الأول الى حيث الحفرة وأنزلت فيها السلم الثاني، ومن ثم نزلت على السقف قبل الأخير لأتفحص المكان….. ومن بعدها نزل خلفي المستر) ص21 وكذلك تكرار كلمة طلب في الصفحتين 22 و23 وفي ذات الصفحة كلمة السقف وكلمة طارئ في الصفحة 27 وهي كثيرة على طول الصفحات.
مستويات السرد
تبدأ وتنتهي الرواية بمستوى إخباري.. يقوم الراوي بتلو أحداثه وهو مستوىً يعبّر عن وجود حكاية يرويها بطل محدّد بالتعاون مع شخصيات أخرى يتم ذكرهم على لسان الراوي وهو ما يجعل الروي يأخذ مسارات محدّدة يلجأ فيها الروي الى تكرار الكلمات داخل الجملة وهي منطقة تؤدي الى وهن السرد في بعض مفاصله.. ولأن الروي على لسان ريفي بسيط كما يأتي بذكره الراوي نفسه ( أنا من قبل قد أتممت تعليمي لدى الكتاتيب بتميز وحفظت أصول ديني بعد أن تعلمت القراءة والكتابة، ولكني لم أفقه شيئا من اللغة الانكليزية) ص14
إن هذه الجملة لها مدلولات عديدة أولها إن الزمن هو زمن الكتاتيب وزمن الاحتلال الانكليزي لأن الراوي شاب والثانية إن الراوي / البطل إنسان بسيط لم يعرف اللغة الانكليزية وإنه سيتعامل مع الإنكليز ويتعلّم لغتهم وهي جملة استدراكية اندرجت في توصيف اللغة لكنها ستؤدي مفعولاً داخل المتن السردي في تقبّل ما يحصل من صراع وأحداث أو رفضه وفق هذه الجملة لأن البطل سيتحوّل الى ما يشبه القادر على المناقشة حتى في الدين وهو الذي عرف أصول دينه وهو تأويل آخر لتلك الجملة الاستدراكية.
إن المستويات السردية قد تكون مدغمة داخل المستوى الإخباري.. ففي بعض الأحيان يلجأ الراوي الى وصف ما حوله لاستكمال العلائق ما بين المكان والشخصيات وما بين ( مستر وولي ) وهو أحدى الشخصيات المهمة في عملية التنقيب أو الشخصيتين والشخصية الثانية التي اختفى أسمها لأنه أي البطل لا يعرفها ولم يكن مبرّرا إبقاء الاسم مخفيا خاصة وإنه تعلّم اللغة بعد مضي فترة على العمل وصار العمود الفقري للمنقبين.
الزمن وقضمه
تمتاز الراوية بأن زمنها منفلت من عقاله.. بمعنى إن الروائي جعل من راويه غير مهتم بالزمن وأنه بالإمكان هضمه وقضمه وعدم جعله واحداً من أركان الروي باستثناء ما يمكن أن يحدّد زمن اليوم الواحد إن كان مساء أو صباحاً والوقت الذي يحدّده ما بعد منتصف الليل أو قبله.. لأن الراوي هنا وهو يسرد ويخبرنا بالأحداث يريد كسر استمرارية السرد تارة أو يديم استمرارية الحدث وصناعته تارة أخرى.. فهو أي الراوي يمكن أن يحكي حكاية التنقيب البطيء جدا بصفحة واحدة وإنه تم التنقيب عن خمس طبقات في ليلةٍ واحدة وتم الترجمة من قبل المنقبين وحفظها الراوي وخاصة تلك المتعلقة بالنصوص الشعرية، بل إنه يذهب الى أن الراوي/ البسيط، الراعي، الذي تعلم اللغة على يد الكتاتيب يدون في دفتره الخاص ما يسمعه من المستر الثاني ( في ذهني مثل جدران رطبة، ومن خلا ل عيني أطبع الكلام مثل أولان على ورقة بيضاء / وما أن عدت للبيت حتى دونت ما فكه المستر الثاني من حروف ورموز، وكل ما كتبه وأعدت تدوينه في دفتري ومن ثم عدت إليهما) ص34.. هذه الجملة توضح إن له ذاكرة واصبحت له القدرة على الكتابة والتدوين والحفظ والادراك وايضا توضح هضم الزمن بسرعة ليلة واحدة حيث ينتهي العمل والذهاب الى البيت البعيد عن منطقة التنقيب والعودة نهارا لهم.. بمعنى إنه غير معني بترابط الزمن أكثر من اعتنائه بأهمية المكان وما يحصل عليه وهي نقطة قد لا تحسب لصالح الراوية ولكنها ايضا تريد قول ما يمكن أن يقال بأقل جهد زمني وكذلك يبرز لنا في بنية الكتابة المستوى القصدي الذي يخرج في بعض الأحيان من بين ثنايا المستوى الإخباري.
فلسفة النص
يندرج النص الروائي في ثيمته على المستوى الفلسفي الذي يبثه الروائي بين طيات أحداثه وتصاعد العناصر الدرامية.. وعلى الرغم من اختلافنا مع الروائي في إنتاج اللغة التي كتب فيها الراوية وكذلك بهذه الفلسفات على لسان راوٍ بسيط ولو أنتج الروائي طريقة الغائب بالكتابة لتخلّص من عقدة البساطة لدى الراوي المتكلم.. ولكن الرواية تأخذ الفلسفة كواحدةٍ من جمالياتها للعبور الى فهم آخر لثيمة النص بمجمله.. بمعنى إن الروائي كان يصبّ اهتمامه على تقشير التابوات التي علقت بالأثر والتاريخ والجذور وما يمكن أن تحمله كتب التاريخ من علاقات غير منسجمة، وهو ما جعل عنوان روايته ينتمي كذلك الى تلك الخاصية من المستوى الفلسفي.. ولأن الفلسفة سؤالٌ يبحث عن إجابة فإن البطل / الراوي كان يسأل ايضا والرواية تكتنز بالأسئلة بين طيات متونها ( هل يعقل إن الإنسان السومري القديم أو السامي كما يطلق عليه المستر الثاني ( سامي- مور) وهو اجتراح لتزاوج جنسين من البشر نزحا من مكانين مختلفين والتقيا في هذا المكان الخصيب لإنتاج حضارة ستكون شاهدة على الفكر الأول للبشرية. وهل صحيح نحن العراقيين ورثة كل هذه الحضارة العظيمة، وبقي بيننا خيط رفيع وممتد حتى هذه الساعة من خلال بعض الكلمات السومرية……) ص55 ربما نجد إن هذا التفكير كما يراه المتلقي غير مجدٍ بربطه بالراوي البسيط ( أنا بسيط في كل شيء حتى عند اطلاعي على ألواح الحروف المسمارية الأخيرة….) ص56 وهذه الخاصية التي انتابت الراوي جعلته يتحوّل من مستمعٍ الى متداخلٍ والى شارحٍ وتحوّل الى راوٍ مباشر لما يراه هو وليس بما يسمعه من المنقبّين، وصار كأنه يتحدّث الى المتلقي كمن يلقي عليه حكاية خرافية أسطورية أو سالفة المواقد الشتائية التي تمتاز بها الليالي العراقية ( تعالوا معي نقرأ كيف فسّر الكاهن أو الساحر هذا الكابوس اللعين، وطلب مني ان أناوله الالواح بالتسلسل التي تم وضعها فيه) ص67.. وكذلك ( وللأمانة، أذكر للقراء وهم يتابعون التيه الذي بسببه تركت بعثة التنقيب واعتزلت الحياة، أن أبي كان يعترف سرا وعلنا أنني السبب فيما هو عليه من نعمة) ص161.. مثلما هناك فلسفة أخرى على لسان الراوي ( وعندما لم يكن هناك من كلماتٍ تعبّر عما يجول في ذهن الإنسان فمعناه أن القصور بالشخص الذي أعجزه إبداعه أو فكره بالإتيان بالكمات التي توافق الحدث) ص75 وما يأتيه ممازجة بين الفلسفة والتأويل ( قال يا صحاب الكوووووخ، وأشار بيده كأنه شاعر عراقي يحمل الم الون) ص76 وكتبت كلمة الكوخ وكان هناك من يلقي قصيدة. ثم إن هذه الشخصية ظلّت طوال الصفحات غير ثابتة وقابلة ما يفعله المنقبان من فعل سارق إذا صح التعبير، وهو الذي رأى ما رآه أمامه وزاد وعيه من خلالها لكنه كان أسير المنقبين ( وانقدني مبلغا من المال نظير أمانتي وربما خضوعي كوني لم أنبس ببنت شفة وأنا ارى أمامي تاريخي يحمل أمامي الى جهة مجهولة) ص80.. وتصل قمة الفلسفة التي انتابت الراوي / البطل في أسئلته الوجودية التي حصل فيها التحول الدراماتيكي ( وأنا من ناحية التفكير الوعي، بدأت أسأل نفسي تلك الأسئلة التي أجابت عنها تلك الألواح دون سؤال عن : من هو الله؟ وكيف خلق الكون؟ ، وهل صحيح أن الله خلق الكون؟، وهو موجود ولا يُسأل عن سر وجوده، وكيف وجد؟ ولماذا وجد؟ ولماذا السومريون القدماء أجدادي لم يخافوا حينما سألوا مثل هذه الأسئلة بل كتبوها لتكون ارثا وتاريخا يحكي حقيقتنا الدينية. )ص86
التحوّل والصراع
في رواية ( آدم سامي – مور) ثمة تحوّل دراماتيكي في الشخصية الراوية للحدث.. وهو تحوّل ينم عن تصاعد الوعي لديه وقد أراده الروائي أن يكون محصلة نتائج البحث عن الأصل والجذور وأراده أن يكون محمّلاً لأفكاره التي يوردها كما أسلفنا على لسان راويه.. ولهذا جعل بنية الكتابة لديه تنقسم الى ثلاثة فصول، رغم إن الرواية لم تذكر جملة (الفصل الأول) وذكرت عنوانه ( من الرعي الى التنقيب) وهي الخطوات الأولى للدخول الى عالم الراوي والمدينة والأصل والتنقيب والمنقبّين والبعثات التي تأتي الى العراق. لكنه ذكر الفصل الثاني بورقة منفصلة وعنوان مهم ( من الإحتلال الى المملكة ) وهو فصل التحوّل وتصاعد الصراع بعد أن كان الفصل الأول فصل النمو للرواية من جهة والراوي من جهة أخرى وللشخصيات الأخرى التي كانت مذابة أمام فعل الروي حتى إن شخصية المنقبين كانت أقل استمرارية وسحرية مع الحدث إلّا بما يحتاجه الراوي لكي يثبت مكانه ويعلن زمانه وارتباطه به.. ولهذا فان الفصل الثاني كان مكمن تحوّل الشخصية المحورية / الراوي في القراءة والاستدلال والبحث عن الكتب في رحلة جديدة الى بغداد لاستكمال أدوات المعرفة لديه الذي أدخلها له في رأسه جانبان هما البعثة التنقيبية والثاني الحضارة التي انبهر بها والتي يعيش فوقها وساهم باكتشافها وقراءة ألواحها والدخول الى قصورها المندرسة.. ولكن هذه الرحلة الى بغداد كان فيها شيء من الازاحة المكانية لفعل الثقافي المكتبية لكون بغداد هي حاضرة المعرفة لذا جعل الراوي يذهب الى بغداد ولم يكتف بمكتبات الناصرية حيث فعل الروي الأول وفعل الحرف والحركة.. وكان هذا الوعي قد تشكّل بعد القراءة التي كانت في مكانه المديني ما بعد حدود مكانه القرية القريبة من موقع البحث مما ولد نوعا من الإرباك في التسلسل الزمني والمستوى الإخباري.. فهو قد كان أصلا واعياً مناقشاً وحافظاً للنصوص وقادراً على معرفة ما يحصل عليه المنقبّان من دون العمال الآخرين الذين كان فعلهم هو المساعدة أو العمل على تنفيذ ما يطلبه منه الراوي وكان فعل الاعتكاف بالنسبة له من أجل القراءة، هو فعل متقدّم ولم يجعله خاتمة الحضور داخل الروي الزماني المتعارف عليه.. في حين كان الفصل الثالث والذي يبدأ بعنوان ( من التنقيب الى التفسير )هو الفصل المتحكّم بالتحوّل النهائي الى الفلسفة والى التخاطر والاستحكام والتساؤل الأكثر حميمية والأكثر سخونة والأكثر استغرابا حين يتم السؤال عن الله وعن الوجود وهو التحول الى الفلسفة الوجودية وهو تحوّل أيضا دراماتيكي سواء على مستوى البناء الدرامي أو تصاعد الصراع أو البحث عن مخارج موسّعة للوصول الى المحتوى الفكري للروائي وراويه.. والتي يحاول أن يقدمها بشيء من المقبولية بالحديث المباشر.
منطقية الروي
ثيمة الرواية تبدو منطقية ومهمة ويحسب لها إنها تريد فكّ بعض الرموز التي تنتاب الجذور وتجيب على الأسئلة التي يبثها الروائي.. ولكن اللامنطقي إنها جاءت على لسان راعٍ تحوّل الى منطقة فلسفية دون الحصول على مبرّرات سوى إنه كان مع المنقبين وإنه راح الى بغداد ليشتري الكتب وصارت هذه الحجة قراءة الكتب وكأنها المعين والمعيل للتحوّل الى تلك المنقطة الفلسفية.. ولو جعل الروائي راويه يلتقي بشخصيات أثارية من المدينة ويسألهم عما وجد بطريقة لا تخالف منطقية السرد.. من جهة اخرى فأن ما تحتاجه الثيمة هي اللغة التي يمكن لها أن تقود الفكرة الى برّ الأمان مثلما تحتاج الى زمنٍ معقول في البناء لكي تأخذ التراتبية المتعلقة بمصداقية العمل وإدراتها.. ومنطقية الرواية تنعكس بأحداثها ومكانها في فكرتها وإعلائها للشأن المحلي.. للواقع الذي يعيشه الفرد العراقي وإن كان بهامشٍ قليل من الوضوح ولكنه يبرز واضحا من خلال لغة العمال وحاجتهم للعمل وتركهم المدينة والمجيئ مع الراوي فضلا عن حياة الراوي وأخته وأبيه ومستواهم المعيشي وكيف كان وكيف أصبح عليه بعد العمل في التنقيب.. ولكن اللامعقولية تكمن في طريقة وضع الحوار مثلا رغم إنه حوارٌ مهم في جسم الرواية وجسدها وقوّة ضوئه في المتن.. ولكن الروائي اختار الطريقة التي يمكن ربطها باللامعقولية مثل الحوار الذي دار في الصفحة (106) والذي يبدأ بطريقة جميلة أول الأمر( بدأ شرب الشاي ينعش الذاكرة وينشط الحديث بعد شفطه الحرارة التي تدخل مع رشفة شاي، كنت أنا رابعهم ولم يبد أي من المسترين تذمرا لجلوسي معهم……… على الرغم من أنني لم أكن أفقه كثيرا في فن الخرائط او الحروف المسمارية باستثناء، طريقة التنقيب والمحافظة على اللقى والاثار والألواح إن وجدت) ان هذا الجزء يوضح إن الراوي لم يزل لم يفهم شيئا ولكنه أسقط قبلها جميع التعاريف على لسانه وكان بالإمكان الإبقاء على الحوارات السابقة على لسان الآخرين كما جاء بعد هذا الجزء لأنه كشف عن نقاش بين المنقبين حول أعظم الحضارات وعن مكانة أور مثلما تمت مناقشة أصل الأديان التي انطلقت أيضا من أور بحسب ما جاء في الرواية، ولكن هذا الحوار جاء طويلاً بمعية الروائي الذي أراد سكب المعلومات لكي يوصل المستوى القصدي الى أعلى مراتب وهي بنية قصدية مرادية لكل هذه الرواية من أساسها المنطقي.. وهو أمر ينعكس على قراءة الألواح وترجمتها ليلا وحفظها واستذكارها رغم معرفتنا إن قراءة الألواح تحتاج الى خبراءٍ وليس الى منقّبين وتحتاج الى وقتٍ ايضا. ما أردنا قوله إن هذه الرواية تمتاز بفعالية الحكاية وأهمتها وعلى الرغم من عدم معاونة اللغة وتراتبيّتها لخلق عالم أكثر دهشة من المعلومات.. لكانت لها حكاية أخرى. وتبقى رواية حاولت مناقشة الجذور مثلما يبقى عنوانها مائزا في قدرته على لفت الانتباه.
























