حوار مع سعد محمد رحيم: – رزاق ابراهيم حسن

10

حوار مع سعد محمد رحيم: – رزاق ابراهيم حسن

الروائي مؤرخ ومهندس ورحّالة وعالم نفس وإجتماع

رزاق ابراهيم حسن

هذه اسئلة تجمع بين الخاص والعام بين تجربة سعد محمد رحيم والرواية العبراقية وتوخينا منها علاقتها بالمقالات والبحوث ومكتوبة ومنشورة في هذا الملف وهكذا جاءت الاسئلة لم تكن الاجابات بعيدة عنها ووضعت الكثير من الاسئلة والمتولدة عنها واليكم الاسئلة والاجابات.

{ من أين جئت إلى عالم الرواية، وهل تم الأمر باختيارك، أم استجابة لضرورة عابرة؟

ـ عالم الرواية كان مقصد حلمي مذ تحسست موضع قدمي بوعي في طرقات الزمان.. اكتشفته مبكراً في سرد أمي لحكايات الأبطال الخارقين والسحرة والجان، في قصص الناس المولعين بالاغتياب والنميمة، في التاريخ الشفوي لبلدتي السعدية وهو يتخلق بألسنة الكبار، في الأكاذيب البريئة المبدعة لأقراني، في قصص العشاق الواهمين، في أول الكتب البوليسية التي قرأتها، في روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم التي حصلت عليها وأنا في الثاني المتوسط.. عالم الرواية جئته من مسالك طفولتي ومراهقتي، من شغفهما الطري، من مزاجهما الملوّن، من مخاوفهما الصغيرة، من مسرّاتهما التي لا تضاهى، من أمنياتهما المترفة، من خيالاتهما اللذيذة والتي كما لو كانت من أطياف الجنة.. ولم يكن ذلك كله حدثاً عابراً.. كان قدراً باهراً ومغامرة حياة.. أن تكون روائياً يعني أن تتنازل عن فرص كثيرة متاحة لأجل مغامرة مثيرة وخطيرة وغير مضمونة النتائج.

 { وقف كثير من كتّاب القصة في العراق مترددين أمام التجربة الروائية ومؤجلين خوضها فهل مررت بهذه الهواجس وكيف تجاوزتها؟

ـ جربت كتابة الرواية حتى قبل إقدامي على كتابة القصة القصيرة.. ولم أبق في منطقة القصة القصيرة طويلاً قبل الدخول في مغامرة الكتابة الروائية.. كنت مغرماً بالسرد في شكليه الحديثين.. وكنت أعي أن تكنيك كل فن منهما يختلف عن الآخر، وأن التمكّن منهما معاً ليس بالأمر اليسير.. انقطعت لفترات مختلفة عن كتابة القصة لكني لم أفعل الأمر نفسه مع الرواية لاسيما في العشرين سنة الأخيرة.. أن تكون هناك هواجس عند محترف كتابة القصة القصيرة قبل كتابته للرواية شيء طبيعي، لأنك في هذه الحالة كمن يخرج من بيت فارهٍ جميل متقن البناء إلى العالم الواسع بتضاريسه ومدياته الشاسعة وفوضاه.. وبصراحة؛ وحتى بعد إنجازي لعدد من الروايات ما زلت أشعر بالرهبة كلما شرعت بكتابة رواية جديدة، وأهجس من ألاّ تكون روايتي بالمستوى الذي أرغب، وفيما إذا كانت تُقبل عند جمهور القراء أو تُرفض.    أسمّي هذا الهوس الجامح بالرواية عند الكتّاب، حتى غير الأدباء منهم، بالهرب إلى الرواية.. وليت ذلك يجري باتجاه فهم حياتنا وتمثيلها إبداعياً في محاولة لعصرنتها.. وليت ذلك يكون لا علامة أزمة وإنما فاعلية تنشيط للعقل والذاكرة.

{ هناك أدباء كتبوا الرواية من غير مؤهلات فنية لازمة.. هل بالإمكان التحدث عن اسباب ونتائج ذلك؟

ـ الرواية أرض مصائد، تفكر باجتيازها من غير أن تقع في إحداها، وهذا بحاجة إلى خبرة ومهارة ومعرفة بالجغرافية السرّية الخاصة بكتابة الرواية.. طريقة تعاطيك مع اللغة وتوظيف تجربتك الحياتية وثقافتك، ومخيلتك التي تعينك، ورؤيتك، وأسلوبك، وتمثّلك لتقنيات السرد الروائي هذه كلها عناصر أساسية لابد من أن يحوزها الروائي، إن افتقر إلى واحد منها ستتعثر روايته. وفضلا عما ذكرت أعتقد أن هناك شيئاً آخر مكملاً، وأعرِّفه بحدس الروائي في إيجاد الخلطة المناسبة والسحرية من هذه العناصر ليبدع رواية لافتة للانتباه وممتعة.. أولئك الذين يفتقرون إلى التجربة والرؤية والمعرفة بالتقنيات لا يستطيعون سوى كتابة إنشاء باهت وفاتر ومهلهل ومنفر للقارئ. وفي النهاية سيهدرون كثيرا من الورق والحبر والجهد والوقت لأجل نصوص لا تستحق سوى حاويات القمامة. والأدهى أن الجوائز الخاصة بالرواية باتت تغري المئات لمغادرة ما يتقنونه جيداً إلى ما لا يتقنونه.. هذه المغادرة غير المحسوبة ضارة ويمكن أن تفتك بمكانة صاحبها الأدبية.

   حين تكتب وأنت تفكر بالجوائز وما تعتقده بأنه معاييرها واشتراطاتها لن تكتب سوى نص زائف، يفتقر للصدق الفني، ولن يفوز بأية جائزة.

{ ما منظورك للروائي الجيد؟

ـ أرى أن في أعماق كل روائي بارع حكواتي ومهندس ومؤرخ وعالم نفس وعالم اجتماع وجرّاح وعالم طبيعة ورحّالة وعاشق. الروائي الجيد فنان مسكون بهاجس الخلق، وهو تلميذ دائم ومجتهد في مدرسة الحياة. يكتب ويستمر في الكتابة ولا يهتم بقيل وقال من يحاولون إعاقته.. واثقٌ من نفسه، وغير راضٍ عنها أحياناً. ويعتقد دوماً أن عمله القادم يجب أن يكون أفضل ولذا عليه أن يبذل جهداً أكبر من أجله.

{ كثير من القراء يتّهمون الرواية العراقية بأن أجواءها كئيبة حالكة غالباً ومغرقة بالشكلانية والغموض؟

ـ هذه ملاحظة دقيقة.. الرواية العراقية تفتقد إلى روح الفكاهة، وحتى سخريتها، إن وجدت، تكون في معظم الأحايين مرّة، مغموسة باليأس، وتبعث على الضيق.. هذه السوداوية والقتامة تنبع من روح محاصرة محبطة ومجروحة.. لم تكن محنتنا مؤقتة. كانت طويلة مستمرة ومن النوع الثقيل الكاتم للأنفاس. فخلال نصف قرن أو يزيد تفاقمت معاناتنا، ولم تتح لنا أية فسحة زمنية حرّة لالتقاط الأنفاس. هذا الاكفهرار يضع حاجزاً نفسياً للرواية مع قرائها. فمن غير قدر من الفكاهة، ظاهرة أو خفية، ومن مرح الحياة تغدو أية رواية بلا نكهة، بلا طعم.. الفكاهة لا تعني الاستخفاف بالألم الإنساني، بالفعل الإنساني، وبالمصائر التراجيدية. بل قد تعكس الفكاهة روح ألمٍ مقاوِمة عند البشر، وعدم الإذعان للشرّ، والانتصار للحياة والجمال، فضلاً عن السخرية من مسبّبي الألم والمأساة، والحط من قدرهم، وفضحهم.. تجد هذه الفكاهة في روايات عديدة تحكي عن الظلم والمعاناة والعبودية كما في (رسائل من بيت الموتى) لديستويفسكي، و (يوم من حياة إيفان) لسولجنستن و (النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان وفي (الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال) لريتشارد فلاناغان.. تخلّف الفكاهة بصيص شعاع في وسط ظلام كثيف.. الرواية الجيدة تجعلك تبكي وتضحك وتعاني وتفرح وتحزن.. إنها استعارة فذة من الحياة وللحياة.

  فيما يتعلق بالإغراق في لعبة الشكلانية والغموض أقول إن تحديث الأشكال هو نتاج تحوّلات الوعي والرؤية إلى الواقع، وتغيّر شروط الوجود البشري، وهو ما يجب أن يتساوق مع تطوّر العلوم والمعارف المختلفة. وإلا فإن الإيغال في التجريب الشكلاني العائم سيفضي إلى الافتعال وتشويه النص الروائي.

{ ما المصاعب التي تواجهك في اثناء كتابة العمل الأدبي، وهل تضطر لإعادة صياغة أعمالك أو تتركها كما هي بعد الكتابة الأولى؟

ـ الكتابة الأولى فيها شيء من التلقائية والعفوية والطزاجة وكثير من الصدق.. إنها نتاج تفاعل الوعي والمخيلة، في لحظات التجلي الإبداعي مع المرجع والذاكرة، وعبر الأداة؛ القلم والورقة، أو لوح المفاتيح وشاشة الحاسوب.. وفي الغالب يبقى معظم ما أنجزه أولاً على حاله. ولكن هذا لا يعني أنني لا أعدِّل؛ أحذف أو أضيف.. فلمرات عديدة أقرأ ما كتبت، وأعالج الاختلالات إن وجدت، وأسعى لضبط الإيقاع الداخلي للعمل. ولا أدفع النص إلى النشر إلا بعد شهور طويلة من الانتهاء منه.

  تعسر الكتابة أحياناً، وتعتقد في لحظة معينة أنك ربما نضبت ولم يعد بمقدورك قول شيء جديد.. في هذه الحالة ألجأ إلى القراءة والتأمل. وأجدني بحاجة إلى إعادة الثقة بنفسي، وتحفيز دافع الكتابة في دخيلتي، ووسيلتي هي الرجوع إلى كتب سير بعض الكتّاب الكبار أقرأ فيها، أو إلى حواراتهم وما يقولونه عن حيواتهم وشغفهم بالكتابة وكفاحهم من أجل تحقيق أحلامهم. فالإيمان بجدوى الكتابة يحيي روح الإبداع.

{ خطر لي أن روايتك الأخيرة (مقتل بائع الكتب) متأثرة بتقنية الميتا سرد، أليس كذلك؟ وهل حصل هذا التأثر بلا قصد؟

ـ التأثر بالتقنيات عملية شعورية واعية يستبطنها الكاتب ويستثمرها، حين تكون جزءاً من منظوره الفني وأسلوبه وطريقة تعامله مع اللغة السردية والبناء الدرامي للرواية. ولذا فإن تعاملي مع تقنية الميتا سرد لم يتأت من طريق مصادفة عشوائية، وإنما كان خياراً واعياً ومحسوباً. فالمحتوى الذي خططت له كان يقترح الشكل والأسلوب.. وسبق أن كتبت رواية (غسق الكراكي) ونشرتها في العام 2000 على وفق إجراءات هذه التقنية ومقتضياتها الفنية. لكن ما أردت تجنبه في رواياتي التي فيها يحاول الراوي/ الكاتب الإفصاح عن بعض هواجسه ومشكلاته في كتابة الرواية ويناقشها مع قارئه هو الافتعال والتزييف، وإلباس النص شيئاً غريبا لا يليق به ولا يناسبه.. في رواية (غسق الكراكي) تموت الشخصية الرئيسة كمال الحالم بكتابة روايته فيتصدى للكتابة ابن عمه محمد سعيد. وفي (ترنيمة امرأة.. شفق البحر) يبقى هاجس كتابة رواية يسكن شخصية الراوي سامر.. كذلك في رواية (مقتل بائع الكتب) نجد شخصية الراوي ماجد بغدادي مهمومة بكيفية كتابة كتابه.. أما في رواية (ظلال جسد.. ضفاف الرغبة) الفائزة بجائزة كتارا لهذا العام 2016 في ضمن فئة الروايات غير المنشورة فقد لجأت فيها لهذه التقنية أيضاً لأن الراوي الحائر الذي مر بتجربة غريبة لم يكن أمامه سوى أن يحيل ما حصل إلى شيء مكتوب كي يستوعبه.. وإذن كان التوسل بهذه التقنية ضرورة فنية فرضتها المتون الحكائية لتلكم الروايات. وعموما تتآلف رواياتي، أو معظمها، مع هذه التقنية لأنها تمنحها جمالية خاصة وتشرك القارئ في بنائها، وتضع كيفية تأليفها، أو جانباً منها، تحت المجهر.

{ أنت كاتب منشغل بالسياسة ومسائل الفكر والفلسفة، وهذا واضح من خلال كتاباتك الصحافية؟ كيف ترى علاقة الرواية بالسياسة؟

ـ كتابة الرواية الآن/ هنا فعالية سياسية وموقف سياسي.. الرواية تعبير عن رؤية للعالم لاشك أنها معجونة بالسياسة بهذا القدر أو ذاك.. المواطن في هذا الجزء من العالم يجد نفسه متورطاً منذ ولادته بحبائل السياسة وعقابيلها.. ولا خلاص له منها إلا بالتكيّف معها والتصدّي لها.. خطاب الرواية لابد من أن يكون خطاب تمرّد ومعارضة، وهذا شرط لازم، وإلا من المضحك أن نكتب ما يتساوق ويرهن نفسه ويخضع لما هو قائم وما يُفرض علينا.. فما هو قائم غير إنساني وغير معقول وغير صالح ولابد من تغييره. وإحدى وظائف الرواية هي المساهمة في تحويل العالم، حيث تكون صوت الضمير، وصوت الضحايا والمهمّشين والمنسيّين. وبطبيعة الحال لا أدعو إلى أن تكون الرواية رسالة سياسية مباشرة كما هو الحال في المقالة والدراسة السياسية وإنما أن تسخِّر الجمال والمعرفة وتستلهم التاريخ والواقع بما يجعلها قوة دافعة تعيد للإنسان ثقته بنفسه وإيمانه بقدرته على الفعل الخلاق.

   لست كاتباً سياسياً.. ولا أرغب أن أكون.. وانغماسي في الكتابة الفكرية المتشربة برؤية سياسية أوجبته ظروف واقعنا وتناقضاته وصراعاته..

{ تهتم بالكتابات الفكرية الفلسفية، وتتحدث عن التنوير والبنيوية والحداثة وما بعدها.. كيف ينعكس هذا على كتاباتك السردية؟

ـ الاهتمام بهذه المناهج والمدارس لا يعني التبني الأعمى لها، وهي في النهاية تختلف في ما بينها في الرؤى والأفكار وكيفية النظر إلى العالم وطريقة التعامل مع الخطاب الثقافي والأدبي.. أهتم بها لأنها أفكار العصر وفلسفاته ومناهجه، ولابد من تحصين ثقافتي بها.. أستفيد، من منظور نقدي، من كشوفاتها واشتغالاتها وفتوحاتها المعرفية، وتدخل قطعاً في نسيج ثقافتي لترصِّنه.. لكنني لا أجعل أياً منها قوالب جامدة لتفكيري ولا أستخدمها كمقاييس على وفقها أبني نصوصي الأدبية.. كتابة النص الأدبي فعل حر لا يمكن إخضاعه لمتطلبات منهج أدبي أو فكري بشكل صارم.. الاطلاع على المناهج الفكرية والأدبية والفلسفات الحديثة والقديمة وتمثلها نقدياً ضرورة لأي كاتب وأديب بشرط ألا يغدو واقعاً في أسرها.

{ أصبح واضحا أن الأعمال الأدبية أكثر جرأة من التاريخ والسياسة في الدعوة للتغيير.

ـ الرواية ليست بديلة عن أي حقل معرفي آخر؛ التاريخ وعلم السياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس والعلوم الطبيعية كافة.. إنها عالم قائم بذاته، مستقل لكن له صلته بالعوالم الأخرى كلها.. لا شيء يفلت من مصيدة اللغة الروائية والتخييل الروائي.. فلطالما أن الحياة برحابتها وتعقيداتها هي فضاء حرية تلك اللغة وتلك المخيلة فإن كل ما في الحياة يصلح ليكون موضوعة للتناول في الرواية. لكن مسألة الجرأة لا تتبع النوع الأدبي، وليست صفة قائمة في بعضه من دون الآخر. وإنما تبرز أو تغيب في نص الكاتب وهو يعلن عن موقفه ورأيه ووجهة نظره.. وأحسب أن الرواية لابد من أن تكون جريئة لتكون مقنعة وجيدة تختبر حريتها وصدقها ووفائها للحياة ولصوت الضمير.. قد تكون الرواية شجاعة أو مترددة أو جبانة بحسب شجاعة أو تردد أو جبن كاتبها.

{ كيف تتصوّر رسالة الروائي؟

ـ إذا كان المقصود رسالة إيديولوجية، فأنا لست من أشياع الأدب الملتزم بالطريقة الجدانوفية.. لكني أعلم أن لكل عمل أدبي وظيفة تتعدى نطاقها الفني، ومؤداها أن نجعل من الرواية بقعة محرّرة للوعي والروح الإنسانية.. أن ننتصر فيها لقيم الحق والخير والجمال، وأن نحدّ عبرها من مشاعر الكراهية والتعصب ومزاج العنف… أن تكون الرواية علامة نورانية ساطعة حتى وإن كانت ضئيلة شحيحة الضوء في الليل الكثيف لعالمنا.. أن تصبح شهادة على جانب من تاريخنا وجوهر روحنا وعصرنا.. وبعد الفراغ من قراءتها لن نظل أنفسنا، إذ يكون شيء ما فينا قد تغير نحو الأحسن.. وشخصياً أفكر وأسعى لأُضمن روايتي تلك العناصر التي تجعلها مقروءة لسنوات طويلة مقبلة. وقد انجح أو أخفق، لا أدري.. فنحن جميعاً سنرحل وتبقى الرواية.

{ إذا ما صنفنا كتاب القصة والرواية في العراق بمقاييس إبداعية.. كيف ترى موقعك فيه؟

ـ لست أنا من يجيب على هذا السؤال.. وبرأيي يبقى من الصعب إجراء مثل هذا التصنيف.. ولا أراه قضية مهمة إلا إذا أصبحت لدينا حركة نقدية واسعة، قادرة على تقويم مجمل الأعمال السردية المنتجة في بلادنا خلال المائة سنة الأخيرة برؤى منهجية علمية، وتأشير المكانة الإبداعية لكل كاتب.. المهم لدينا اليوم هو انتعاش ملموس في مضمار السرد الروائي، وحراك كمي ونوعي، وإقبال القراء، وإن لم يكن بمستوى ما نطمح، لاسيما من الشباب، على اقتناء الروايات العراقية وقراءتها، والتواصل مع كتابها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. ولا أجد ضيراً في هذا الإنتاج الكبير، فهو علامة عافية، حتى ولو لم تبرز من بينها سوى بضعة أعمال جيدة في كل سنة.. الإنتاج الإبداعي الواسع محرِّض للعمل النقدي، أو هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر، ومحرِّك للحياة العقلية والثقافية في الفضاء المجتمعي.

{ كيف تتصور روايتك الكبيرة؟ الرواية التي تحلم بها؟

ـ تجربة كتابة رواية هي خلاصة لتلك المهمة المستحيلة في استعادة حياة متخيلة، لكنها متجذرة في التاريخ.. إنها محاولة لإعادة صياغة شذرات هاربة من تلك الحياة جمالياً وبمحمول دلالي منعش للفكر والعاطفة والضمير.. يتجلى سؤال الزمان والوجود في الرواية أكثر من أي حقل فني ومعرفي آخر في عالم اليوم.. الرواية التي تشتغل على تخوم التاريخ، وفي قلب الواقع حتى ولو اشتطّ بها الخيال هي ما نعوِّل عليها.

   تأخذ الرواية معضلة الوجود على عاتقها. وحين أقول الوجود فإنني أشير ضمناً إلى الإنسان والعالم والكون والهوية والحرية والعدالة والسعادة والمصير والأمل.. هذه الأشياء كلها أريد أن تتأثث بها روايتي/ الحلم.. رواية لا تنسى.. ولكن هل أستطيع الاقتراب من هذا الحلم؟ لست مغرورا إلى الحد الذي أقول معه بثقة؛ نعم.

{ حصلت على جائزة كتارا للرواية العربية مؤخرا.. وقبلها حصلت على جائزة الإبداع العراقي مرتين، ماذا تضيف لك الجوائز؟ وهل هي غاية؟

ـ لا، ليست الجوائز غاية بأية حال، ولكن أن تصادفك في مسيرتك كنجمة سعد فأهلاً بها وسهلاً.. الجوائز، بغض النظر عمّا يمكن أن يقال عنها، منشِّطة للمجال الإبداعي والفكري.. تمنح الثقة للكاتب وتلفت لأعماله الانتباه، وتساهم في نشرها وإيصالها لقطاعات أوسع من القراء فيما وراء الحدود الوطنية.. وشخصياً أتمنى أن تكون لدينا، في العراق، جائزة للرواية ولبقية الفنون الإبداعية ذات أفق وصدى عربيين.. جائزة تليق بتاريخنا الحضاري والثقافي.

{ ما الذي يشغلك الآن.. أهو عمل روائي تعتقد أنه سيشكل إضافة حقيقية لمنجزك، أم شيء آخر؟

ـ أخطط لعمل روائي جديد.. وأكتب ملاحظات وأفكاراً آمل أن تعينني فيما بعد حين أشرع بالكتابة المنتظمة.. وهو عمل بحاجة إلى وثائق أنا الآن بصدد جمعها والاطلاع عليها.. وستأخذ مني كتابته سنتين في الأقل إذا ما مدّ الله في عمري.. وأعتقد أنه سيختلف عن بقية أعمالي نسبياً في الموضوعة والتقنية.. وسيكون فضاؤه عراقياً بتاريخه الشائك والغني، ولكن العراق كجزء من عالم أرحب.. العراق في أفق ما بعد الكولونيالية.. حيث يكون الآخر حاضراً بوجوهه المتعددة.. لكنها في النهاية ليست رواية سياسية، بل رواية حياة؛ حيوات شخصيات تتلاقى مصائرها وتتبدل.. لا أريد أن أتحدث عن التفاصيل، وربما لست على دراية بما ستؤول إليه مسارات الحدث الروائي بعد الشروع بالكتابة، لأن الرواية في الغالب في أثناء كتابتها تطيح بخططنا المسبقة. وقد تذهب الشخصيات في اتجاهات لم نتوقعها.