تراجيديا البوح
نحو مدخل سوسيوسيميائي لقصص رحيم -خالد علي ياس
لقد أنتج القاص والرّوائي سعد محمد رحيم حتى الآن ست مجاميع قصصية وأربع روايات,حققتْ اثنتان منهما صدًى كبيرا في الوسطين الثقافي والأكاديمي عند تقديمهما غسق الكراكي, ظلال جسد.. ضفاف الرغبة ,ومع أنّه ينتمي لجيل يعدْ بالمقاييس النّقدية من أهم أجيال الكتابة السّردية في العراق هو جيل ما بعد الستينيات, إلاّ أنّ تجربته مازالتْ بعيدة عن الدّراسات النّقدية الجادة والموسعة سواء ما كان منها لنقاد المؤسسة الأدبية أو الأكاديمية, باستثناء بعض الدراسات القصيرة والمقالات واللقاءات الصحفية التي تنشر في أماكن مختلفة, ومع أنّ سعدا يشترك مع مجايليه من القاصين في وعي الكتابة السّردية مثل: وارد بدر سالم وسلام حربة وآخرين لأسباب تعود إلى الظروف الثقافية والسّياقات المعرفية التي أحاطتْ مرحلة إنتاج أعمالهم, أقول: ومع أنّه يشترك معهم بهذا الوعي إلاّ أنّه حدد لنفسه طريقا خاصا حلق منه خارج السّرب وبدأ العزف منفردا بأسلوبه الخاص آخذا على عاتقه إشكالية جيله, التي توزعتْ بين تأثره ــ الجيل ــ بالأسلوب الواقعي للجيل الخمسيني, ومحاكاة التجريب الهائل الذي تبناه الجيل السّتيني, فضلا عن همه المشروع بإضفاء بصمة خاصة به يتحدد بها أسلوبه الفني,وقد تبنين ــ أصبح بنية ــ ذلك فعلا في مجموعتيه الأخيرتين, المحطات القصية- 2004 و زهر اللوز- 2009 فضلا عن أعماله الرّوائية منذُ غسق الكراكي ـ 2000 وحتى مقتل بائع الكتب ـ 2016, مما مهد لتكامل في الأسلوب السّردي عبر بنية كلية متماسكة تتمحور خلفها رؤية للعالم معبرة عن ذهنية ثقافية لواقع مأساوي, جمعتْ ـ البنية ـ أعماله جميعا كأنّها عمل سردي واحد ذو دلالة مرتبطة برؤيته الخاصة للعالم؛ لذلك أصبح لزاما أنْ نتساءل عن مشروعية الخطاب السّردي وقدرته على التعبير عن قضايا خاصة, تحدد ما ذهبنا إليه في صدر هذه المقالة, وتمكث بوصفها دالا نصيا لما سوف نتتبعه: هل بالإمكان فعلا استخلاص بنية كلية دالة تجمع أعماله السّردية؟ وهل ترتبط هذه البنية بسياق ثقافي ومعرفي معين؟ وهل تجسدتْ في هذه الأعمال رؤية للعالم عبرتْ عن ذهنية الفئة المثقفة فعلا ؟.
دلالة النزوع
إذن نحن ــ في ضمن هذه المقالة ــ بصدد منهج بنيوي يُسخّر الدّلالة للنزوع نحو النّص فهماً, وهو لا يغفل البنية السوسيوثقافية؛ لذلك كان من الضروري البحث في دلالة النّصوص القصصية للقاص ليس بوصفها جزءا منقطعا عن بعضها بل بوصفها كلا متواصلا ومنفتحا على دلالات تأويلية يحددها أحيانا كثيرة النّسق الواقعي, وعليه يمكننا الانطلاق في تأويلنا نحو صوغ للبنية النّصية العامة التي تمثل القصص جميعا, وهو صوغ يتحدد من خلال الهيكلية الكلية التي تبنى عليها الأساليب السّردية المتباينة من نص إلى نص, إذ تبدو هذه البنية وكأنّها الخيط السّري الذي يجمع القصص ويحدد منها رؤية العالم, فهي نمط من مخاض عسير يبحث عن أمل أو ولادة جديدة لوعي إنساني مأزوم, حينما يَمْثُلُ الانتظار والهرب من الواقع إلى الذّاكرة, على شكل بنية مركزية تجمع أطراف السّرد وتحدد هويّة النّص القَصَصي, وتتمظهر من خلالها البنية السّطحية بكل مكوناتها المصاغة من الزمن والمكان وعلاقة السّارد بواقع النّص عندما يتمركز ببؤرة في طرف بعيد لكي يرصد ما يحدث في السّر والعلن.
ولمعرفة نمطية عالم سعد محمد رحيم, من خلال إجابة ما سبق أنْ حددناه من أسئلة, يجب الغور عميقا في هذا العالم إجراءً وتحليلا, إذ تقدم مجموعته المحطات القصية إنموذجا ناضجا للرؤية المأساوية للحياة الإنسانية, ففي قصص مثل: محطة قصية و زيارة يعيد إلى الأذهان أسلوب التّحليل عن بعد الذي عرف عند الواقعيين من القاصين عن طريق محاكاة الرؤية, فهو يعمل على وضع الشخوص بمواقف درامية تعمل على كشفهم للقارئ, مبتعدا بذلك عن تحليلهم التركيبي مما يسمح للسارد الوصف عن بُعد أحاط به فراغ أو احتضن هو الفراغ, وكان عليه أن يستريح.. هكذا ظنّ غير أنّه لسبب غير محدد مضى بالعربة وحمولتها باتجاه المدينة, وكاد يلتفت نحو المحطة, وتذكرأنّها لم تعد كما كانتْ فوجد ذاته/الصبي في نقطة قبل خمسين سنة منهمكا في يده الفرشاة المثقلة بالدهان الأخضر.ص7,بهذه السّلاسة السّردية تتبنين ملامح الدّلالة في قصص رحيم القصيرة, حيث الذّكريات وما تؤديه من دور بارز, والمكان الذي يغدو شاخصا أمامها, وهنا تتولد المفارقة الدّرامية التي تقوم على أساس ثنائي متناقض بين الحاضر والماضي, وبين الانتظار والرّحيل, فالمحطة القديمة علامة نصية تتفاعل ثقافيا مع قيم المجتمع القديم, بينما المحطة المشيدة حديثا الجديدة, علامة دالة على القيم الجديدة المغايرة التي عصفت بالمجتمعات القديمة الشيخ/الحوذي الذي يعيش حاضرا متدهورا وفي نفسه حنين لقيم أصيلة من الماضي, غير أنّ الدلالة تتحول في قصة المحطة الثالثة إلى ثنائية تنتج سردها من مدونة الموت والحياة, فالسّارد يقدم الحكاية من موقع حيادي شديد الموضوعية والانسياب محطة أولى والفجر يهب آخر ارتعاشاته.. يقف الرجل المستوحش وحيدا.. محطة ثانية,بعيدة بعيدة ووحده الذي تريده أن يجيء.. من القطارات يهبط ألف ألف وجه لا تعرفه, ولا يطل هو..ولا يصل,بريد.. في المحطة الأولى وضعوا تابوتا فيه جثة رجل صعلوك, في عربة الموتى.. في المحطة الثانية وضعوا تابوتا فيه جثة امرأة متشردة, وقبل أن يصل القطار المحطة الثالثة حيث توجد المقبرة,ق امت الجثتان من تابوتيهما.. فتحتا النافذة.. تشابكتْ أذرعهما فتلقفهما الهواء.ص20-21 فبهذه الخاتمة الغرائبية تنفتح دلالة البنية الكلية على مزدوجة/ثنائية ثانية تقابل الأولى الانتظار/الموت تتجسد في الغياب/الحياة, من خلال بنية البحث عن الغائب عبر محطات متاهية لا نهاية لها, يمكن التعبير عنها سيميائيا باستعارة مربع غريماس الشّهير: فعلاقة التناقض المترسخة بين الانتظار/ الحضور و الغياب/ الرحيل صريحة ودالة, وهي متمثلة بالموت بوصفه شكلا من أشكال الصراع المأساوي المتجذر في سايكولوجية المجتمع والشّخصيات, في حين يتضمن الانتظار معارضة للغياب وهو يحفل بحيز معنوي أساس متمثل بالقتل/ الموت, بينما يتضمن الغياب تعارضه للانتظار بحيز معنوي أساس مناقض للأول هو الحياة, والغريب أنّ مع ثنائية غياب/ الرحيل تتمركز ثيمة حياة ,بينما مع ثنائية انتظار/ حضور تتمركز ثيمة موت, مما يدعم بقوة سيميائية المحطات بوصفه دالا سوسيولوجيا على الهرب/ السفر مكانيا وزمنيا, مما يشير بقوة إلى اضطراب وفوضى الواقع ومأساته, وهذا يعني بالضرورة أنّ التعارضات والتناقضات ما هي إلاّ تشخيص لا واعٍ للخوف من المجهول, تمظهر في البنية الدالة للنصوص بوصفه رؤية كلية جامعة لذهنية ثقافية خفية مرتبطة بما يعبر عنه وعي السّارد, الذي هو مرتبط جماليا بما تساءلنا عنه في بدء المقالة, من إمكانية وجود بنية كلية دالة ومدى ارتباطها برؤية القاص للعالم, وتعبيره الواعي عن ذهنية الطبقة المثقفة التي حولتْ وعيها إلى رموز وعلامات معبرة عن سوداوية الواقع ورفضه والخوف منه. إنَّ هذا التوزيع الدّلالي لمقولات البنية, يتيح لنا الإدراك ثم النّزوع النّقدي للمعطيات السيميائية المتموضعة في البنية السّطحية جميعها, وصولا إلى بنية دلالية أعمق, مما يكشف أنساق بناء الحدث وأوضاع الشخصيات والقدرة على تأثيث المكان والتلاعب بالزمن من خلال الذّاكرة واستعادة الصور من الماضي, تواصلا مع شكل السّارد وموقع سرد الوحدات, ولاسيما بغياب أو عدم وضوح وجهة النظر, من منطلق أنّنا نتعامل في هذه المقالة مع القصة القصيرة وليستْ الرّواية, أقول: إنّ التوزيع الدّلالي يتوضح أكثر لو أنّنا تتبعنا نتائجه في القصص الأخرى لمجموعةمحطات قصية مثل: محطة التيه وفي انتظار الملاك وانتظار وغيرها من النصوص التي تحددتْ بنيتها بدلالة ثابتة تمحورتْ فيها رؤى متباينة؛ لكنّها متماسكة, وقد ظهرتْ بشكل موحد, مما يؤكد بأسلوب لا يقبل الشك أنّ النّصوص/ القصص تجمعها بنية كلية واحدة ذات دلالة مركزية معبرة عن الرؤية المأساوية للعالم التي تجسدتْ نصيا بفعل ظروف سوسيوثقافية مصاحبة لمرحلة إنتاج النّصوص ,وأثرتْ فعليا في وعي الكتابة لمبدعها. أما مجموعته اللاحقة زهر اللوز فقد مثلتْ الجزء المكمّل للرؤية التي بدأتْ تنضج وتترسخ بقوة في المحطات القصية, حيث التناغمُ بين الجزء والكل وصولا لبنية سردية متكاملة ذات دلالة, ففي قصة الحافلة مثلا, تأخذ البنية دلالتها انطلاقا من المعنى الزمني في حركته نحو المجهول والضياع والمتاهة في ظل سلطة خفية, فالسارد يقدم للقارئ إدراكا خاصا للأشياء المكونة للعالم المادي الذي تصطدم به الشخصيات بقوة: وأنا أهم بصعود الحافلة “الحافلة كينونة قابلة للدوران والمواربة والاقلاع والترهيب” سألتني امرأة عجوز: ما رقمها؟ حدقتُ فيها باستغراب وقلتُ: لا أدري.ص 85 ,ومما يبدو لقارئ المجموعة أنّها تأتي مكملة للدلالة البنيوية التي تفجرتْ معانيها في المحطات القصية, إذ يتحول الانتظار المجهول والغياب إلى خوف من سلطة معينة, وتأخذ الذّاكرة مداها الأوسع بالنكوص والعودة لطفولة مفقودة, ويطرح الوجود أسئلته بغياب الإنسان أو نفيه في السجون أو مسخه لأشياء غير معروفة, وهذا ما يتضح مليا في قصص مثل: الكلب..الكلب واللغز وشاعر وغيرها مما تماثلتْ به الثيمات والبنيات السّردية ذاتها أو قريبة منها.
وحقيقة الأمر أنّ هذه المفاهيم جميعا تتشابك مع بعضها بعضا عبر بنية سردية معقدة تنصب في رؤى أيديولوجية تبدو للوهلة الأولى متعارضة, لكننا حينما نصل إلى البنية العميقة للنص, نجد أنّ هذه البنيات تتوحد جميعا في ظل رؤية مأساوية للعالم, هي في حقيقتها مثال لعلاقة الجزءالقصة بالكل مجموعة القصص, من منطلق فلسفي يجد أنّ كلَّ حقيقة جزئية لا تأخذ مدلولها الحقيقي إلاّ من خلال مكانها في الكل, كذلك لا يمكن للكل أنْ يُعرَف إلاّ عبر التطور في معرفة الحقائق الجزئية مما يعمل على إظهار مسار المعرفة بوصفها تذبذبا مستمرا بين الأجزاء والكل, يتوجب على أحدهما أنْ يوضح للآخر على نحو تبادلي الإله الخفي: لوسيان غولدمان, ولعل ما وضحناه حتى الآن يجيب على سؤالنا الأول الذي يبحث في إمكانية الحصول على بنية دلالية متماسكة من خلال الفهم المحايث للنص, لكننا مع ذلك لابد لنا من أنْ نعي دلالة هذه البنية في ضوء تأويل البنية السوسيولوجية للنص القصصي, مما يؤدي إلى رؤية متكاملة على وفق ما خصته المقالة في السّؤالين اللاحقين.
شمولة الظاهرة
فالبنية الدلالية ـــ بحسب غولدمان ـــ مرتبطة بشمولية الظاهرة السوسيولوجية من خلال المؤلف نفسه,ليس بوصفه فردا بل لكونه معبرا بذكاء وقدرة عن فئة ثقافية ومرحلة معرفية, وأننا لا نستطيع فهم النّص ودلالاته إلاّ من خلال سياق سوسيو/ تأريخي خاص بالنص ذاته من دون غيره, لذا فنصوص سعد محمد رحيم تنفتح بعلامات واقعية دالة على المراحل التأريخية التي أنتجتْها الحروب, الحصار, الإرهاب, فضلا عن ارتباطه الواعي بخطاب فئة الأنتلجنيسيا وهمومها وآمالها وطموحاتها الخفيّة والمكبوتة بتأثير واقع مفروض ليس على مستوى النتاج القصصي بل الفكري أيضا المثقف الذي يدس أنفه, مما شكل له رؤية للعالم, استطاع منها خلق عالم متخيل ذي انسجام كبير إلى حدٍ ما, حيث التطابقُ المدهش في البنية بين النّص/ النّصوص والبنية الذهنية لخطاب هذه الفئة, ولعل هذا ما تحقق فعلا من خلال محاولة تأويل صيغة السّارد شكلا وموقعا, ولاسيما من خلال لغته وتصويره للأشياء بأيديولوجية قريبة من مآسي المجتمع وهموم الفئة المتوسطة فيه, غير أنّ النّاقد ــ أحيانا ــ يجد في تحليله لقصص هذا الأديب, بعض العثرات الفنية الهينة في إدارة سرد الأحداث ومعالجتها ولاسيما في التزام النّمط الواحد وعدم الانتقال في كتابة القصة القصيرة لشكل ما بعد الحداثة كما فعل في كتابة الرّواية, لكنّ ما أسميته هنا بــ عثرات فنية يتضاءل إلى حدٍ كبير ليصل درجة الانمحاء في قصص مميزة مثل: محطة قصية والحافلة وغيرها, وهي قصص تستحق التقدير, إذ لا يمكن للمتلقي أنْ يستهلكها بيسر شأن الأدب الاستهلاكي المألوف على الذائقة, لما تحمله من دلالات بنائية وأنساق ثقافية تنمّ عن قدرة معرفيّة عالية بالإنسان وسايكولوجيته في انتمائه لمنظومته السوسيولوجية, ولعل هذه القصص وغيرها من أعمال روائية مهمة لا مجال لذكرها الآن لأنّها تستحق منا وقفة خاصة,أقول: إنّ هذه القصص وغيرها, هي التي جعلتْ من القاص والرّوائي سعد محمد رحيم أديبا كبيرا بحق وهذا ما دعاني فعلا لكتابة هذه المقالة.
{ ناقد وأكاديمي عراقي

























