إختفاء الوهج الثقافي.. وسط فوضى الأزمات والنزاعات

 إختفاء الوهج الثقافي.. وسط فوضى الأزمات والنزاعات

حسام الدين الانصاري

العراق على مدى تأريخه الطويل كان مرتعاً خصباً للفكر والعلوم والفنون والآداب ، وملاذاً وحاضناً لعمالقة الشعر والأدب والرواية والمسرح والموسيقى والصحافة والرسم والنحت والتصوير ، وعشاق الاغنية والمقام والمونولوج وعازفي الآلات الموسيقية بدءاً من عازف الناي على ذرى جبال كردستان الشمّاء الى عازف الربابة في فضاءات أهوار الجنوب الفسيحة الساحرة بطيورها وأسماكها .. ولم يكن ذلك من باب المصادفة بل ان تأريخ هذا البلد منذ آلاف السنين شاهد على ذلك بالآثار التي تشهد وتصور الانسان العراقي صاحب الحضارات بالشواخص التي تنتشر على مساحة البلاد من أقصى شماله وحتى آخر نقطة في جنوبه ، بما فيها من نصب وتماثيل ومنحوتات آشورية وسومرية وبابلية تحكي قصة إنسان وادي الرافدين الذي لم تغب الثقافة عنه في كل بقعة من هذه الارض المعطاء من جبال كرستان وسهول نينوى والبادية الغربية وبغداد المنصور وبساتين الفرات الآوسط ونخيل الجنوب وأهواره حتى شط العرب والبصرة الفيحاء تنتشر كالزخارف التي لا حدود لتنوعها وبريق ألوانها وسعة امتدادها في مختلف ميادين الثقافة والفنون والاداب والنتاجات الفكرية التي لا زالت موضع فخر العراقيين الذين يباهون بشعر المتنبي والرصافي والزهاوي والجواهري والبياتي والسيّاب ومصطفى جمال الدين وعبد الرزاق عبد الواحد وبالقصة الروائية التي كتب روائعها غائب طعمة فرمان وبروائع اللوحات والرسوم والنصب والمنحوتات التي خلّدت جواد سليم وفائق حسن وخالد الرحّال والدروبي وغني حكمت واسماعيل الشيخلي ونوري الراوي وخالد الجادر، وبألحان وموسيقى جميل بشير ومنير بشير وعزيز علي ولويس زنبقة وبياتريس أوهانيسيان والأخوين صالح الكويتي وداود الكويتي وغانم حداد والفنانين الذين أبدعوا في مجال الاغاني الشعبية والجماهيرية والريفية – رضا علي وعباس جميل ويحيى حمدي وناظم الغزالي وعفيفة اسكندر وسليمة مراد وزكية جورج وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم ووحيدة خليل – ورواد المقام محمد القبانجي ويوسف عمر وعبد الرحمن خضر ورشيد القندرجي وحسن خيوكه وشعوبي ابراهيم وهاشم الرجب ، وبفنون السينما والمسرح اللتين وضع روادها حقي الشبلي وجعفر السعدي ويوسف العاني وبدري حسون فريد والدكتور عزيز شلال عزيز وابراهيم جلال وزينب وناهدة الرماح وغيرهم الكثير.

                   ومع مجمل هذه النهضة الثقافية والارتقاء بالذوق العام من خلال هذا الانفتاح في مجال الفنون والآداب والدور الذي اضطلعت به النخب الثقافية والرواد الذين ساهموا في رفع الوعي الثقافي للمجتمع .. فقد تزامن ذلك مع النهضة الفكرية التي كانت في أوجها بفضل رواد النهضة العلمية والفكرية في مختلف مجالات بناء الفكر من المؤرخين وعلماء الاجتماع واللغة والآداب ورمزوها – الدكتور علي الوردي والدكتور مصطفى جواد والشيخ جلال الحنفي والدكتور حسين جميل والدكتور فائق الآلوسي والدكتور بهنام أبو الصوف و عبد الرزاق الحسني والأب انستاس الكرملي وكوركيس عواد .

                   ولم تقتصر الثقافة والفنون على النخب الحضرية في مراكز المدن بل ان الفرد العراقي البسيط لم يكن بعيداً عن أجواء الثقافة والفن والابداع حيث دلّت المسوحات في المحافظات والأقضية والنواحي وفي المناطق الريفية شمالاً وجنوباً بأن المواطنين فيها بمختلف مستوياتهم الفكرية والتعليمية يتمتعون بالذكاء والحس المرهف ويتعلمون من مدرسة الحياة التي يعيشونها فيحولونها الى اسلوب حياة وعمل وثقافة لتجد عندهم أجمل الفنون الشعبية في الغناء والموسيقى والدبكات والشعر الشعبي الذي يحّلّق في روائع الكلم بعميق معانيه ووضوح رسائله ودقة تصويره ، وفي فنون النحت والرسم الفطري ، وفي العديد من الصناعات الشعبية التي تعبر عن المهارة والذوق كقطع الاثاث الريفي من الاسرّة والكراسي من سعف النخيل وبناء الدواوين الضخمة الجميلة من قصب البردي والاعمال الفخارية الجميلة وحياكة العباءة العربية والسجاد اليدوي والبُسط والمفروشات الارضية الشعبية والتي اصبحت من الفنون والثقافات التي يقتنيها سكان المناطق الحضرية لأصالتها وبساطتها وعبرت بشكل واقعي عن قدرتهم في تطويع ما توفره لهم البيئة من ظروف حياتية .

          واذا كان ما تحقق من إبداعات وأجواء ثقافية وفنية وأدبية جعلت للعراق مكانة مرموقة ولرمزه الذين يذكرهم التأريخ بكل احترام وفخر في عقود طواها الزمن .. فانه قد خسر ذلك الوهج وتلك الاشراقة التي خرج بها على الدنيا أيام زمان .. رغم أصوات المدافع وأزيز الرصاص الذي خلفته مآسي الحروب ، فيخبو بريقها وسط فوضى الازمات وضجيج المطالبات والمساومات ، وعنف المنازعات ، وتقاطع المصالح ، واستشراء الفقر والفساد ، وشيوع الجشع ، والتهافت على كسب المال بأسلوب الغاية  تبرر الوسيلة ، وتردي الأحوال التي كانت تمثل الميدان الذي تنطلق منه قدرات وانجازات المبدعين والمبدعات ورموز الثقافة والمفكرين الذين أغنوا الفنون والاداب والشعر والرواية والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والغناء ، وأشاعوا الجمال والأمل والمحبة والسلام والوعي واخلاق التسامح والوئام الذي ينطلق من حديقة الثقافة الوارفة التي تنشر عطر أورادها لتجمّل الحياة وتجعلها أكثر قبولاً في أن تعاش بما تحمله من أجواء ونفحات وجماليات تلهم العقول والقلوب وتبعث على التفاؤل وتزرع الحب والود في النفوس .

          ومع كل ما يمتلكه الانسان المثقف في العراق من قدرة على التحدي والاصرار على العطاء فإن الصدمات والاخفاقات والتردي الذي يصيب البلد والمجتمع تجعله في مركب صعب أمام تيار هائج يعطل مسيرة الابداع ويخذل نفسية المثقف والفنان والأديب المرهفة التي لا تقوى على تحمل مظاهر غياب المنطق وصخب السياسة وظلامية الأحداث وصاعقة اللاوعي التي أصابت المجتمع ، وهي وإن لم توقف عطاؤهم فانها بلا شك ستؤخر مسيرتهم وتؤجل الكثير من مشاريعهم .