طوفان الحزن لدى علوي الهاشمي.. قصيدة تبصم إيقاعها في الذائقة
فاضل عبود التميمي
لا أعرف قصيدة لشاعر خليجيّ معاصر فعلت فعلها في الأذن العراقيّة – وهي أذن مدرّبة على السماع- سوى بضعة قصائد معروفة نشرت في العقود الأخيرة ، لعلّ قصيدة الشاعر البحريني د. علوي الهاشمي: (الطوفان: الرحلة التي كان يحلم بها جدي) التي ألقاها في المربد الثاني في العام واحدة منها1972 .
كان الشاعر قد وصل بفتوته الشعرية، وجماليّته الكلامية مطار بغداد التي كان يعرفها، فهي مدينة شعريّة شيّدت عمائرها، ومساجدها، ومدارسها، وأسواقها على خطط شعريّة يعرفها كلّ من وقف باكيا على طلل، أو من لم يقف من شعراء العربيّة الذين يصعب جمعهم في معجم واحد ليس بسبب كثرتهم، بل بسبب تعدد مدارسهم الشعريّة ،وتوزّعها على متنون الأزمنة ، والأمكنة العربيّة .
وكان الشاعر وهو في الطريق إلى فندق المهرجان يدندن مع نفسه بعيون المها، أو دجلة الخير، أو أنشودة المطر ، أو بأية أبيات أخرى تعجبه، فهو شاعر مجبول على ترديد الشعر، وتكرار مدّخرات الذاكرة ،والوقوف عند مضايق الكلام ،وسعته ، وكان السائق الكهل ينظر إليه في المرآة، ويخمّن في وجه الرجل الخارج توا من المطار حتى فاجأه بسؤال: أأنت من شعراء المربد؟ ، استيقظ الهاشمي من حلم يقظته الشعري وأجاب: نعم، حينها ابتدأ السائق البغدادي الكلام منشدا:
( من أين يجيء الحزن إليّ وأنت معي
من أين يجيء؟
قنديل مختنق الأنفاس يضيء
يبكي وسط متاهات الليل
يتسلق قامته ظل وجراح
يتمدد، يكبر، يفترش الصحراء
…. يدبّ الدود الزاحف تحت عباءته السوداء )
بهت الشاعر في مكانه وهو لا يدري ماذا يقول، وماذا يفعل، ولم يجد في لحظتها تفسيرا للحالة التي هو فيها سوى محبّة الشعر، ولما اكمل السائق تفوهاته الحافظة لقسم من القصيدة سأله الشاعر لمن هذه القصيدة يا صاحبي؟.
كانت القصيدة قد نشرت مقاطع منها أوّل مرة في مكان آخر، لا ادري أين، ربما في بيروت، وربما في القاهرة، وربما في الخليج ، ولكني ادري أنّها وصلت إلى عين العراق وأذنه، وأنها كانت متداولة عند كثير من المثقفين، وربما كان السائق البغدادي واحدا ممن قرأ القصيدة ،وأعجب بها، وأحسب أنّه أجاب الشاعر بأنها لشاعر لا أعرفه، وهو لا يدري أنّ زبونه الذي يجلس في المقعد الأخير فرحا بما سمع هو صاحب القصيدة ، وقد أغواه المشهد بما امتلك من مفارقة أثبتت للشاعر أنّ الشعر مثل الهواء لا حدود تمنع سعيه ، ولا أسيجة تحول بينه، وبين من يرغب فيه ،فهو كائن حقيقيّ بأجنحة اسطوريّة يصعب تقليمها.
وصل الشاعر إلى بوّابة الفندق، وهو ينظر بطراوة العينين إلى السائق، ويحاول أن يقرأ ملامح وجهه التي تكشف عن ثقافة لها صلة بالموروث من لغة العرب ، وأدبها ،واطلاع واضح على ما هو حديث ومعاصر ، فقد كان لسان السائق دليل الشاعر إلى قراءة الوجه وتمثّل سيميائه ، وبدل أن يقول الشاعر لصاحبه وداعا، قال له : أنا شاعر قصيدة الحزن التي قرأت شيئا من مطلعها . ليست هذه المقدمة ضربا من خيال أزجيه للدعاية إلى الشاعر (علوي الهاشمي)، فهو أكبر من أن يسخّر لأجله أقلاما، ودعايات، وعهد القرّاء العرب به شاعرا معروفا، وأكاديميا، وناقدا يعمل بلا جعجعة ليس لها طحينٌ، وله أن يكذّب روايتي متى شاء، وإنّما هي حقيقة سمعتها من أكثر من مصدر ، وهي ليست بالغريبة على شاعر يعنى بشعره ،وقارئ يبحث عن الجميل من الشعر ،ويحفظ عن ظهر قلب . تقول مجريات وقائع المهرجان أنّ الشاعر قرأ القصيدة نفسها في الجـــلسة الثانية للمــــربد في صــــباح 1972/3/4 مع عدد من الشـــــعراء : علي الجندي ،و نعمان ماهر الكنعاني، وأحمد دحبور ،و فؤاد الخشن ،وصالح الظالمي ،وآمال الزهاوي ،وممدوح عدوان ، و محمد الفيتوري ، وأحمد عبد المعطي حجازي ، ومصطفى جمال الدين ، ومالك المطّلبي، ويبدو أن قصيدة الهاشمي حظيت بقبول الحاضرين وجلّهم من الادباء فصفّقوا للشعر وللشاعر ، انفعالا ، واعجابا ، ومن يومها صارت القصيدة هوية الشاعر أينما حلّ صوته في العراق، وأذكر أنّ الناقد العربي الكبير د. احسان عباس -رحمه الله- قد تحدّث عن قصائد الأمسية ذاكرا أنها المرة الأولى في حياته التي سيحاول فيها أن يصدر حكما نقديا على نتاج أدبي أثر سماعه في إشارة واضحة إلى أنه ليس ناقدا تأثّريا يجيد الانطباع؛ لأنّ النقد عنده تقليب الأثر الفني في مدد متباعدة ومعايشته مددا متباعدة ،لكنه أمام الحالة التي كان فيها دون ملاحظات مهمة على عجالة من أمره تخص القصائد كلها فكان أن أشاد بقصيدة الهاشمي ، وهو في معرض التعليق النقدي حين عدّ الشاعر علوي الهاشمي رقيقا في مشاعره، وأحاسيسه، وكان في قصيدته يرسم صورة المفارقة بين الحاضر الذي يحياه الجيل الحالي، وبين الماضي الذي كان يعيشه جدّه على الرغم من أن الشاعر يوم ذاك حاول أن يضفي على حاضره صورا من الرعب التي استقاها من الشاعر محمد الفيتوري كما قال الناقد ؛ ولهذا غالى في إهالة أكداس متراكمة من الرعب، والعذاب، والحزن على الحاضر حتى اصبح سؤاله الغنائي العذب الجميل:
(من أين يجيء الحزن إليّ إذن ، من أين يجيء وأنت معي) ، الذي اتخذه الشاعر لازمة للقصيدة، يشير تكرارها الصوتي والدلالي إلى نسيج الشاعر، ورؤياه، وتمكنه من الشعر.
ترى لماذا حازت هذه القصيدة على ثقة السامعين، والقارئين؟ على مدى سنوات ليست بالقليلة؟ سؤال كثيرا ما سألت نفسي به، وأنا استعيد قراءة القصيدة بين الحين والآخر، أ لأنّها قصيدة تقصي الحزن ساعة أن يكون الحبيب مع حبيبه بدلالة استهلالها؟ ، أم لأنّها تتخذ من الحزن وشاحا يلف خارطة اللغة ليتّجه نحو التخييل ، أم لأنها تتواشج رؤية ورؤيا مع الحزن العراقي، وهو ينعقد في سلسلة طويلة ذرعها المئات من السنين؟.
لا أدري ربما هذا، وربما ذاك، وربما لأنّها قصيدة تنفتح على أفق قرائي متعدد الأغراض بما تحتوي من تأويلات كثيرة، وتناصات تشير إلى أكثر من مصدر، وإحالات تجمع بين جمال الشعر، وبراءته، و الخراب الذي يعشش في النفوس، وللقارئ أن يدقّق في (مَن) التي تستهل خطابها التي تخرج إلى معان متعدّدة تفيد السؤال، و التعجب، وغيرهما. وماذا بعد: من غرائب المصادفات أن حلّ الشاعر (علوي الهاشمي) ضيفا على جمع من طلبة إحدى الكليات في مدينة (بعقوبة) مركز محافظ ديالى التي تقع شمال بغداد في مبتدى العام 2002? وكنت شخصيّا المسؤول عن تنظيم ذلك اللقاء بحكم مسؤوليّتي الأكاديمية…
ارتقى الشاعر منصّة الشعر، وقال للحاضرين: ماذا تريدون؟، أجاب غيرُ واحد: من أين يجيء الحزن…؟ عندها أدركت أنّ محبّة الشاعر تأتي من محبّة شعره، واقتراب رؤاه من الذائقة المتلقية.
























