فوزي الهنداوي يعود للرواية برغبات منفلتة
تجاوز للنسق الكلاسيكي ومحاكاة لتقنيات السرد الحديثة
لبنى حسين سلمان
قد لا يحق لنا إبداء رأي نقدي في رواية الأستاذ فوزي الهنداوي لأننا لسنا نقادا متخصصين في مجال نقد الرواية ربما من الآولى أن نتركه للمحترفين في هذا المجال وهم كثر في بلدنا الحبيب. لكننا سنحاول إعطاء بعض الرأي فيما يخص لغة الرواية وأسلوبها فلسنا ببعدين عن هذا المجال بما إننا منذ زمن طويل نعمل على دراسة لغة وأسلوبيات كتاب الرواية الفرنسية.
في الحقيقة وللوهلة الأولى حالما يشرع قارئ (رغبات منفلتة) وهي الرواية الجديدة للأستاذ الهنداوي يلمس فيها التطور الملحوظ في لغة الرواية وأسلوبها قياسا بروايته السابقة على(أمل أن نعيش). نحن هنا لسنا بصدد المقارنة بين العمل السابق والحالي. لكنها رؤية موضوعية لعمل فيه بعض التقدم في مجال الأسلوب واللغة وهذا ما يميزه عن سابقه. حيث يعتمد الكاتب على لغة حوارية سلسة متراصة لا تترك فرصة للقارئ للتوقف والتقاط أنفاسه. فالحوار مستمر وبلا هوادة والمقاطع الحوارية تفوق المقاطع السردية التي تغلب على كثير من الروايات. أما الوصف يكاد يكون معدوما إلا ماخلا من وصف مقتضب لحسناوات الرواية مدرجا في جملة قصيرة على لسان البطل.
لغة ولهجة
تميزت لغة الحوار بتداخل بين اللغة الفصحى واللغة العامية. سعى الكاتب فيها إلى إدخال بعض الجمل المستخدمة في العراقية الدارجة إلى حوار الشخصيات المتمثل بلغة فصيحة رغبةً منه على ما يبدو في التقرب إلى القارئ ومحاولة زجه في رغباته المنفلتة إي في خضم روايته. واستخدم كذلك بعض العبارات المقتبسة من اللهجة المصرية فعكست بذلك لغة الشخصيات واقع الحوار العراقي. تتميز الرواية أيضا بحوارات مقتضية مبنية على أسئلة وأجوبة قصيرة في الغالب. ربما يعود ذلك إلى الأسلوب الصحفي المعتاد عليه أستاذ الإعلام وكاتب الرواية السيد الهنداوي.
من الواضح أيضا محاولات الكاتب تهذيب اللغة الحوارية وتغنيجها وترميزها. فنلاحظ استخدامه ألفاظ المناداة مدام، سيدتي، سيدي، والتي نادرا ما يلجأ إليها الشارع في مناداتهم على من لا يعرفوا ولا على من يعرفوا، واقع تغلب عليه خشونة الألفاظ. من جهة أخرى تقوم هذه الألفاظ بوظيفة ثانية في الرواية وهي الرمزية. فلم يرغب الكاتب بالإشارة المباشرة إلى بعض الشخصيات واكتفى بكلمة مدام التي تكررت كثيرا في الرواية، ورموز أخرى مثل الرأس الكبير. يبدو إن الكاتب يستخدم الأسلوب الرمزي في الإشارة إلى بعض الشخصيات وبعض الأماكن والتي ترمز إلى حقبة معينه من حياة العراقيين تاركا للقارئ العراقي مهمة فك هذه الرموز. أما الملكة بطلة الرواية فقد فضل عدم منحها اسم خاص بها مكتفيا بهذا اللقب ذو المعنى البليغ. فمن خلاله يفهم القارئ بأنها ذات جمال ومكانه لا ينافسها عليها احد في قلب سيف بالتأكيد. إن وحدة المكان حاضرة في الرواية ابتداء من تعارف البطلين في مول المنصور في بغداد وانتهاء ببادية السماوية عندما يتركها سيف (بطل الرواية) عائدا إلى بغداد. من الملاحظ أيضا إن واقع السيد الهنداوي يطغى عليه فهو لا ينفك يختار البيئة الجامعية مكانا لإحداث روايته أو عملا لإبطاله. بيد انه هذه المرة لم يدرج اسم الجامعة. يبدو انه يعتمد مبدأ بدون ذكر أسماء أو رغبة منه في إشغال القارئ بعميلة فك الرموز. يتمكن القارئ من استنتاج اسم الجامعة عندما يبدأ الكاتب بوضع بعض الإشارات هنا وهناك للاستدلال. فكلمة مهندس التي ترد عفويا في ص 13 تحدد نوع دراسة البطل بدون معرفة اختصاصه في الهندسة. ثم يذكر بعد ذلك شارع الصناعة الذي تقع فيه الجامعة التكنولوجية ومطعم صاج الريف بالقرب من هذه الجامعة وكأنه يفسح المجال للقارئ “البغدادي” لاستقراء اسم الجامعة المختصة بتدريس الهندسة بكل فروعها وهي الجامعة التكنولوجية. ثم نعرف بعد ذلك انه يدرس هندسة برمجة الحاسبات من خلال رده على سؤال المدام له. فهو بذلك يشير ضمنيا إلى اسم الجامعة ونوع الدراسة والتخصص. ربما محاولة ذكية من الكاتب لإشراك القارئ معه في العمل والاستنتاج او لشد انتباهه وجعله مستغرقا في القراءة للحصول على مزيد من المعلومات وتبديد الغموض الذي يحيط بهوية البطل. فالمعلومات تعطى بالتدريج ومن خلال الحوارات.
تبدأ أحداث الرواية ببغداد في منطقة المنصور وهو من الأحياء الراقية فيها، فيأتي على ذكر مول المنصور، معرض بغداد، نادي الصيد كلها أماكن تقع في نفس المنطقة وشارع الصناعة حيث جامعة سيف وتتنهي بمحافظة السماوة وفي باديتها تحديدا. قد يبرر ابتعاد الكاتب عن الوصف المطنب للمكان واكتفاءه بالإشارة إليه فقط، ربما رغبة منه في الابتعاد عن النسق الكلاسيكي للرواية من الإطناب في وصف المكان والشخصيات ومحاولة منه في محاكاة الأساليب الحديثة في كتابة الرواية.
بيد إن (رغبات منفلتة) تشق طريقها في اللازمان فهو الغائب الحاضر في الرواية. الزمن المضارع يغلب على الإحداث من دون معرفة في إي تاريخ تجري هذه أحداث. فلا تاريخ ولا شي من هذا القبيل في الصفحات الأولى حتى نصل إلى ص 30 لنعرف إننا في التسعينيات من القرن الماضي وان الكاتب بات يتحدث عن حرب الخليج الأولى دون الدخول في تفاصيل الحدث. ثم يختزل بعد ذلك الزمن 4 سنوات وذلك عند الإشارة إلى وصول البطل إلى مرحلة التخرج ومراسيمه. لان الرواية وإحداثها قد بدأت قبل دخول سيف إلى الجامعة بشهور قليلة. وعليه يمكن تقدير الفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث بين 1989- 1996 لأن الإحداث تستمر سنتين تقريبا بعد إنهاء سيف لدراسته الجامعية.
وفي هذا الصدد يمكننا تحديد بعض المفارقة بين الزمان والمكان في الرواية. فقد اختار الكاتب مول المنصور كمكان للقاء الأول الذي حصل بين سيف والملكة وهو مركز تجاري حديث تم افتتاحه ببغداد في 2013، بيد إن الأحداث تدور في فترة التسعينات من القرن الماضي فلم يكن هناك غير الأسواق المركزية ومبناه غير مبنى المول. فالقارئ يعتقد بورود اسم هذا المول إن الأحداث ستدور في وقتنا الحاضر لكن عند الوصول إلى ص 30 نعرف وبشكل مفاجئ بان الأحداث وقعت قبل 25 سنة تقريبا.
ملكة ومحبوبة
لا تخلو لغة الرواية من الصور الشعرية كالتعبيرات المجازية من تشبيه محبوبته بالملكة (ص7) ويستطرد في صفحة أخرى (30) بقوله : (عادت الملكة بصحبة زوجها … عادت بعد أن سقط عرشها ، لكنها استبدلت التاج الملكي بخزانة ضخمة لتضيفها الى ثروة أسرتها). من الجدير بالذكر إن الكاتب يبتدئ هذه الصفحة برسم الحدث الجلل الذي غير مجرى تاريخ العراق وحياة العراقيين بلغة مجازية بحته. فيلجأ إلى لغة التورية باستخدامه لمفردة ، زلزال، وكذلك ، الطوفان، دون ورود تفاصيل تذكر عما حدث في العراق في ذلك التاريخ المذكور 2/8/1990 تاركا المجال للقارئ للغوص بين السطور واستقراء أو استذكار ما حدث في تلك السنة : (صحا الناس على دوي زلزال هائل… عاد البلد إلى العصور الحجرية مرة واحدة …)، (لم يتوقف الطوفان الجديد عند هذا الحد فقد أفضت تداعياته والهزات الارتدادية التي أعقبته …). هنا نستطيع القول إن الكاتب اكتفى بالتعبير الضمني عن الحدث ولم يشأ الخوض في تفاصيله واكتفى بإعطاء ذلك الكود 2 أب 1990 لينطلق منه القارئ في استذكار الحدث.
قد يكون اختيار الكاتب لبطل وسيم وجعل وسامته جزءا لا يتجزأ من موضوع الرواية إشارة ضمنية إلى قصة النبي يوسف (ع) ووسامته التي تثير إعجاب النساء به. فإحداث الرواية تدور عن سيف والنساء المولعات به. وقد يكون اختياره لاسم البطل ليس اعتباطا لأنه مكون تقريبا من نفس أحرف اسم يوسف وليوحي أيضا بأنه ” سيف قاطع بتار”، (ص 74) أي لا يقاوم. أما البطلة فاكتفى الكاتب بمنحها لقب الملكة دون اسم يذكر لأنها امرأة فوق العادة وذات جمال أخاذ ولا مثيل لها طبعا من وجهة نظر سيف. فقد حاول بطريقته الرمزية إيصال هذه الفكرة إلى القارئ. وقد ورد وصفها بشكل غير مباشر وبتعبير موجز على لسان سيف في حواره معها (شقراء، طويلة، راقية)، (ص 7).
من الجدير بالذكر إن هذا العمل الروائي قد تميز بمحاولات الكاتب في الارتقاء باللغة والأسلوب. وقد تتميز الأعمال القادمة بلغة أكثر قوة ورصانة وبأسلوب أكثر سلاسة وجذب. هذا ما نراه من خلال استقراء التقدم الحاصل في الأسلوب اللغوي والتعبيري للكاتب. أما موضوع العمل فكان جريئا جدا في الطرح والاستشفاء مخترقا به محرمات المجتمعات المحافظة في تناول هكذا موضوعات.
وفي النهاية نوجه دعوة إلى السيد الهنداوي مفادها الاقتراح التالي : لما لا يحاول تضمين روايته بعض الوصف لمعالم بغداد لتكون روايته أيضا شاهدا على العصر وتأريخا لمعالم بغداد الحديثة منها والقديمة. فذكره لمول المنصور مثلا لا ضير من إقرانه بوصف موجز لهذا المعلم البغدادي الحديث ووصف لمرتاديه فهو حديث البيوت البغدادية في هذه الأيام. لما لا يحاول ذكر بعض المعالم التاريخية ووصفها كما تتباهى عواصم الدول الأخرى بما تزخر به من معالم تاريخية أو حديثه حتى، توثيقا لعراقتها وجذبا لانتباه القارئ غير البغدادي أو غير العراقي ولتعريفه بما لدينا من معالم وأثار ولتشويقه في البحث والتقصي عنها…
























