مفهوم الحب في قصص حنا مينه

مفهوم الحب في قصص حنا مينه

مؤيد جواد الطلال

 يتسم موقف الأديب  مينه  من المرأة بالتناقض أو بوجود رؤيتين مختلفتين: الأولى شرقية تقليدية تُحمّل المرأة كل الصفات السلبية  بغي – أفعى – عنصر أنثوي غريزي خالص – عنصر أدنى من الناحية الإنسانية – منفعية: أخلاقها في خدمة مآربها – المرأة باعتبارها وجهي ورقة: سوداء وبيضاء .. الخ , كل هذا يظهر في رواية  امرأة تجهل أنها امرأة – دار الآداب 2009 , إضافة إلى روايات أخرى سيرد ذكرها لاحقاً.   ونظرة إيجابية ترفع من مكانة المرأة, خاصة عندما يتغنى  مينه  بالحب وأثره في إعادة خلق الإنسان – الشخصية الذكرية – كما في رواية الياطر حيث تحوّل الراعية الكردية  شكيبة  زكريا المرسلني من حيوان غابي إلى إنسان, كما فعلت البغي مع أنكيدو في ملحمة جلجامش .. وتظهر هذه النظرة الإيجابية أيضاً في أجزاء, ومقاطع فقط, من روايات مثل الثلج يأتي من النافذة و [[ الشمس في يوم غائم ]] و رواية الّدقل؛ في حين تظهر     الأم  باعتبارها قديسة بشكل مطلق في جميع كتاباته وخاصة في بقايا صور. وكجزء من هذا التناقض بين الرؤيتين المتناقضتين, فإن مفهوم الحب عند  مينه  هو الآخر يظهر بشكل متناقض  غامض وملتبس , أو غير معتدل, ولنرى أولاً الجانب الإيجابي من القضية:

مع أننا لمسنا صوراً من التغني بالحب في صفحات عدّة من قصص  مينه  القصيرة مثل الأبنوسة البيضاء ورواياته الأولى, خاصة في رواية الياطر التي نقلت  زكريا المرسنلي  من حالة التوحش والتفرد / حالة الوحدة / إلى الحالة الإنسانية الطبيعية بفضل الحب, ولكننا وجدنا في رواية الدّقل وصفاً رائعاً وتعبيراً دقيقاً, مرهفاً وشاعرياً, لتجربة الحب الأولى أو الأحاسيس المبكرة الجميلة التي تنشأ عند الرجل وهو يلتقي بأنثاه المرغوبة كما في صفحة  150  وما بعدها: هل هذا هو الحب ؟ وهل يبدأ فجأة كما بدا ؟ ولماذا يخفق قلبي, ويجف لساني ؟ عزيزة ! يا عزيزة ! يا عزيزتي ! من أرسلك إليّ ؟ أية فرحة صنعتها لي اليوم ؟ هل كتب عليّ أن آتي من بعيد, من اسكندرونة, وأن أسكن الميناء, كي ألتقي بك وأراك ؟ أنا كنت أعمى. لم أنظر إلى نافذتك يوماً. لم أحس بك يوماً. كل ما شعرت به هو الرغبة, هو الحنين, دون أن أعرف لمن, ودون أن أدري أنك هناك, في علّيتك, تنظرين إلّي, وتدبّرين كي نلتقي****************** آه ما أتعسني, وما أشد وطأة الحب علي. إنه لذيذ إلى حدّ لا يوصف, ومعذّب, معذّب إلى حدّ لا يوصف. الحب شيء غريب, يستولي عليك, يتغلغل في ذاتك, دون أن يكون لك عليه سلطان. ليس جرحاً في اليد, ولا رمداً في العين. أنت لا تعرف أين هو, وكيف دخل. وأنّى يستقر, وهذا القلب الذي يختلج, كيف العمل لوقف اختلاجه ؟ ص150 – 155 من الطبعة الخامسة / دار الآداب – بيروت 2006 “. ورغم هذه المشاعر الجياشة التي تمرس الكاتب برسمها في روايتيّ الياطر و الدّقل – الروايتين البحريتين بامتياز مطلق, إضافة إلى رواية الشراع والعاصفة – فإننا سنجد لاحقاً ثمة نقص كبير في الحب عند الشخصيات الرئيسية في رواياته الأخيرة, مما يجعلنا في حيرة من أمرنا أو فيما يشبه التناقض النقدي؛ ولهذا يمكننا أن نعطي صفة  عالم زاخر  لأدب حنا مينه لأنه أدب يحوي على الكثير من المتناقضات كجزء من تناقضات الحياة رغم السمة الايجابية السائدة فيه, والتي جعلت من  مينه  أحد أعلام القصة العربية المعاصرة!!

الوجه الآخر للحب

 وكما كتبنا بخصوص رواية  النار بين أصابع امرأة – الآداب 2007 , فإنّ العيب في نماذج  مينه  الذكرية, أو شخصياته المحورية الرجالية, يعود إلى نقص الحب, أو المفهوم الخاطئ للحب حيث يعتبره  نمر صاحب  بمثابة مغامرة, كما في صفحتيّ  16 + 19 من الرواية المذكورة أعلاه  .. أو وجود تبرير لانشغاله عن الحب بالسياسة  كما في صفحة 67 , وكأنّ الحب مجرد مهمة حياتية, أو كما لا يمكن المزج بين السياسة والحب  كذا .. ؟!  .. – بله إنّ بطله / نموذجه لا يملك الوقت ليقضيه في  المفاوضات الغرامية  كما ورد في صفحة        191  …. أو في بعض الأحيان يحاول المؤلف إظهار رغبة بطله في اتخاذ موقف التعفف  [[ موقف المثقف المتعالي ]], كما في الصفحات  100 + 102 , مقابل سلوكه الداعر الإباحي كما صُوّر في مشاهد جنسية متعددة من الرواية .. أي الموقف ونقيضه في آن واحد !! الموقف ونقيضه سيعبر عنه  مينه  بشكل مباشر وصريح من خلال أحاديثه الصحفية التي ننقل منها هذه الجملة  الرجال عندنا يتكلمون بمنطق تقدمي, ويعاملون المرأة بمنطق رجعي, وأنا واحد منهم .. سجل عليّ هذا .. ولعلي في الرواية أكفر عن هذا الذنب. – المصدر/ كتاب سمر حمارنة: هكذا قرأت حنا مينه – مطبعة دمشق 2001  صفحة 91 . ولكن هل كفر  مينه  حقاً عن هذا الذنب في رواياته ؟! … مازلنا عند رؤيتنا التي تفيد أن قصص وروايات  مينه  تقدم, في معظمها, موقفاً متناقضاً وملتبساً من المرأة: الشيء ونقضيه, أو الصورة السلبية والإيجابية معاً, وللقارئ الحكم النهائي من خلال قراءته لهذه الأعمال الأدبية.وحين يتساءل بطل رواية  امرأة تجهل أنها امرأة :  فإذا كان البطن يجوع, فلماذا تلك النقطة في أسفل بطن المرأة لا تجوع ؟ ص 219   فإن هذه التساؤلات تعبر عن التناقض الصريح في مشاعر ومفاهيم وأفكار  نمر صاحب  المقدًم هنا باعتباره كاتباً مشهوراً يأخذ كل صفات حنا مينه , أو المعادل الموضوعي للمؤلف خالق النموذج الروائي  البطل . غير أن نقص الحب أو عدم قدرة هذه الشخصية المحورية على الحب, كما ورد في اعترافاته الصريحة  تُراجع صفحة 190 / 191  هو السبب الحقيقي وراء فشل هذه العلاقة وانتهائها نهاية سلبية سيئة, إذ أن عطاء الحب الحقيقي, والألفة, يمكنهما أن يكونا التعويض المباشر وغير المباشر معاً لعدم التكافؤ الجنسي .. الحب بدل المال, كما في معظم العلاقات الشرقية التي تحوّل المرأة إلى سلعة, بضاعة قابلة للشراء, وهذا ما يظهر جلياً من خلال الحوار الطويل بين الشخصيتين المحوريتين الأساسيتين في الرواية  الذكر والأنثى – نمر ورئيفة . إذ تبدو المرأة هنا مُحبة للمال, وميولها منصبة على استحصال أكبر كمية من المنفعة المالية, كما لو أن العلاقة بينها وبين  نمر صاحب  هي علاقة بيع وشراء كاستمرار أو تجسيد للعلاقات التقليدية, خارج نطاق ما يسمى بالحب السامي, العفيف, من دون دوافع مصلحيه مالية خالصة  [ يُراجع مابين صفحة 137 وصفحة 139 من الرواية ].   بالطبع لا نستطيع تعميم هذا الرأي على كل الحالات الإنسانية. ففي علم الاجتماع ثمة مسافة واضحة بين ما هو مطلق وما هو نسبي, أو ما بين ما هو شائع  عام  وما هو استثنائي. ولكن فقط رغبت في الإشارة إلى أن البغي  بائعة الهوى  ليس بالضرورة أن تولد وتموت ضمن هذا الإطار أو القالب  النموذج النمطي , وإنّ النفس البشرية أوسع وأعمق بكثير مما اعتقده أو ظنه  نمر صاحب  من كونه  صار, بخبرته الضليعة في علم النفس, قادراً على كشف كل ما تحسبه رئيفة مستوراً في تصرفاتها – ص 126 .

نقص الحب

  تحدثنا عن قضية نقص الحب, أو نفيه, في رواية  النار بين أصابع امرأة ؛ باعتبار أن  أيهم  يصرح بأنه لا قلب له. أما في رواية  امرأة تجهل أنها امرأة  فكل شيء  يشير إلى غياب الحب فيها رغم أنها تقوم على أساس الثنائية الوجودية الحياتية, وأعني بها علاقة الرجل بالمرأة !! ولابد أن الأستاذ  حسني هلال  قد استند على تصريحات للكاتب  حنا مينه , أو على معرفته الشخصية للكاتب, ليصل إلى الاستنتاج الآتي وهو يستعرض كتاب حنا مينة المعنون   الجسد بين اللذة والألم : ” عاشر النساء وخبرهن ولم يعرف الحب إليه سبيلاً – المصدر: جريدة النور / العدد 529  في 25  نيسان 2012 م “. كما أن نقص الحب الذي نلمسه في روايات  مينه  الأخيرة, كان قد لمسه أيضاً دكتور  عاطف البطرس  في معرض تحليله لرواية  الربيع والخريف , وإنّ كان قد تحدث عن حاجة البطل إلى  حب كبير  يصبو إليه ؛  وأصبح هذا الحب هو العودة إلى الوطن .. كما أن بطله  كرم مجاهدي  يقبل الصداقة مع المرأة ويرفض الحب:  فهو يفهم الحب جنوناً, احتراقاً, تساميّاً – ص 148 / د. البطرس: كتاب حنا مينه  المعيش والمتخيل  دار الينابيع –  دمشق 2004 .

 هل ثمة تناقض بين حب النساء وحب الوطن ؟!

في صفحة  173  من كتاب الدكتور  البطرس  ثمة مقطع يشير إلى نقص الحب عند كرم مجاهدي = الذي هو المعادل الموضوعي للكاتب مينه كما برهن الدكتور = أو نظرة مثالية لحب مستحيل: ” إنّ راجعة التي تنتظر حباً موعوداً, كان قد وعدها به والدها, مفرقاً بين الزواج وبين الحب, هذا الحب الذي تجده عند راجع أي << ديمتريو >> إنما هو نفس الحب الذي كان ينتظره كرم المجاهدي في المجر, عندما رفض علاقات الحب مع كل من  بيروشكا  و  أبرجكا  معتذراً بأن حباً كبيراً ينتظره هناك في الوطن “. هنا يوحي  مينه  بوضع فاصلٍ بين حب الرجل لوطنه وحبه للنساء, معتبراً أن الحب الأول هو للوطن, أو أن حب النساء هو أمر ثانوي, وحين يكون سياسياً منغمراً في شؤونه فلا وقت لديه لأمر المرأة وشؤون النساء كما ورد على لسان نمر صاحب  في صفحة  67    من رواية  امرأة تجهل أنها امرأة. وهنا أيضاً من حقنا, أو من الأفضل لدراستنا, أن نستشهد بملاحظة د.  عادل الفريجات  حين درس رواية الأرقش والغجرية [ من منشورات دار الآداب – بيروت 2006 ] وحلل شخصية الأرقش كما طرحه  مينه  باعتباره النموذج البطولي الفذ الذي يرفض حب  رئيفة  من أجل سمو قضيته الاجتماعية – ممثلة بمحاربة الفساد والظلم – وبذلك يكون الأرقش قد أعلى صوت القضية على صوت العاطفة  وإذا كانت رئيفة تُعلي هتاف القلب على هتاف القضية, فإنّ الأرقش كان, على النقيض, يُعلي صوت القضية على صوت العاطفة – ص 16 من كتاب د. الفريجات: الخطاب وتقنيات السرد في النص الروائي السوري المعاصر – منشورات إتحاد الكتاب العرب – دمشق 2009 .ولذلك وجب علينا أن نسأل, ونعيد التساؤل: هل يتناقض الحب مع القضايا العادلة أم أنّ المناضل لا يحق له أن يحب ويعشق أو أن يكون محبوباً من النساء ؟! ما هذا الفهم الرومانتيكي المُلتبس, وما هذه المغالاة في تصوير المناضل أو الثوري كما لو أنه خارج حدود الطبيعة الإنسانية ؟!