بلاسم محمد يحبّذ الخروج إلى فضاء المدينة: صناعة الفن وقراءته حقلان مختلفان في جنس الإبداع
عباس دلفي
يعد التشكيلي العراقي بلاسم محمد جاسم أحد وأهم الفنانين الأكثر تأثيرا في المشهد الثقافي والفني العراقي. فهو مبدع إسلوب ثوري غير نمطي للصورة الإيمائية التي ساهمت بقدر كبير في تحرير التشكيل العراقي المعاصر من الأطر الأكاديمية المتعارف عليها.
ويأتي بلاسم محمد جاسم في طليعة التشكيليين العراقيين بحسب أراء عدد من التشكيليين والمشتغلين بالنقد التشكيلي .. وفي عام 2007 قال عنه الناقد التشكيلي شوكت الربيعي أنه اكثر من دعى الى التحديث فاني من جيله ، وتحت هذا المعنى نفسه كانت مجلة “افاق عربيه” العراقية قد نشرت موضوعا موسعا تتحرى فيه حقيقة الأمر وتتساءل أيضا إذا ما كانت إنجازات بلاسم محمد جاسم ــ حتى ذلك الحين ــ تكفل له تحقيق تلك المكانة المتفردة أم لا؟
قبل اجراء الحوارمع الفنان بلاسم محمد قرات ماكتبه الناقد المغربي محمد اليزمي عنه ..يقول ( لم يسبق لي ان تعرفت على تجربة الفنان العراقي بلاسم محمد ..فقد قادتني المصادفة الى اسمه من خلال بحثي في النقد الفني ..فوقعت على سلسلة بحوثه النظرية التي اثارت اعجابي بالمنهج المنظم والمعاريف التحليلية …هي المرة الاولى التي استدل فيها على بحوث في اللغة العربية بهذا المستوى من التنظيم المنهجي وقوة الملاحظة وعمقها …ثقافة هذا الباحث البصرية تشكل في نظري نقطة توقف في النقد ) . اردت فقط الالتفات اليها ..عسى ان نتجه نحن العرب ونقاده الى مسارات اكثر وعيا من ما كتبنا ونكتب عن التشكيل من انطباعات عامة
ثم عرفت فيما بعد بان الفنان بلاسم محمد تشكيلي .. وقاربت اعماله.. التقيته في حوار صريح
{ من اين ياتي بلاسم محمد بهذا الابتهاج اللوني وسط الصخب العراقي ؟
– لقد اسقط علم النفس اصطلاحاته وعممها علينا في الفن ، ان كلمة ابتهاج وحزن وكابة لها قاموس مختلف في الحقل الفني والجمالي . ولو كان الامر يتعلق بالحياة العامة لما وجدنا في الفن غير الورود والزهور والمطر باعتبارها ظواهر محببة …ولذلك فان معجمي الفني لايلامس السياق العام الذي يشاهده الناس او يمس بحياتهم اليومية العابرة …ان من مثل هذه الاشياء هي من مهام وحيثيات الاعلام مثلا .. فعندما تكون في البلد مشكلة تقارب هموم الناس ..يمكن القول ان هناك كثيرا من الاشياء الجميلة التي لاتعني احدا في الحياة العامة والعادية . ..هذه الاشياء هي بالضبط التي تعنيني ..اذ للخطوط والالوان والاشياء دلالات عظيمة تنتشر في ثنايا حياتينا والفنان وحده القادر على اكتشافها …ولو كان الفن مشغولا بالحدث العابر لاصبح يقول ماتقوله الصحف …لكن هذا لايعني ان الفنان يعيش في غيبوبة …ان مقاربة الحدث بالنسبة له شيء اخر ..بيكاسو رسم الحرب على شكل نساء وحصان وثور ومصباح …في لوحة الجورنيكا …هذه المفردات تقع في الحقل الرمزي والجمالي انه تعبير بطريقة مختلفة .
امتداد لوني
انا ارى ان الالوان المزروعة في ذاكرتي هي امتداد للالوان التي تغمر بلدي ..وليس ضروريا ان يصبح الفن اعلانا خطابيا …او سياسيا …فلكل حقل عدته ووسائله.
{ انت درست السيميائية (السيميولوجيا ) كحقل نقدي ..هل اضافت لك الدراسة بعدا ذهنيا في تشكيل اللوحة ؟
– ان اي بعد معرفي ..هو فعل لابد ان تكون له اثار في طرائق تفكير البشر ، ولكن هناك فرق بين ..صناعة الفن وقراءة الفن …حقلين مختلفين رغم انهما يعملان في جنس واحد وهو الابداع . السيميولوجيا او علم العلامات كما يسمونه ، جعلني اعي العلامة المعينة والمضمنة , وان العلامة ذاتها هي جزء من الحقل الرمزي للانسان ..وبالتالي فان البحث في شكل العلامة ومدلولها يعطيني مساحة اوسع في التامل لاكتشاف تحولاتها الشكلية …ومن ثم استعارتها في اللوحة ..هذا هو السبب في ايجاد رسوم مهمة واخرى ساذجة ..ان الدراسة السيميائية تجعلك تفهم اي نمط من العلامات يمكن ان يشكل اسلوبك في اختيارها…اسلوبا خاصا بك ..
الفنان الفطري على سبيل المثال له حساسية خاصة وامكانات فنية كبيرة في صناعة اللوحة ..لكنه لايستطيع ان ينتج هزات عميقة في حقل الفن عامة والرسم خاصة ..وكما للثقافة والمعرفة وجود في كارزما الانسان وحضوره وطريقة سلوكه اجتماعيا …فان للثقافة والمعرفة وجود اخر في المجال الجمالي والفني …وحضور يجعل من تضاعيف المعارف العلامية ركام مرجعي لذاته وفنه .
{ انت فنان مبدع ما رايك بالحروفية العربية ..هل هناك من ترابط بين الحرف والرسم ؟
– نحن نعيش اليوم في عالم تتقابل فيه لحقول الفنية وتتراسل ..ليكمل احدهما الاخر ، واذا كان الخط والحرف نوعا من الجرافيك ، فان الرسم ذاته يقاري فن الجرافيك . ..لكن المشكلة ان الفنانين العرب ونحن منهم ..اسقطنا نوعا من القداسة على الحرف العربي ..فكان ان تحول من وجوده اللغوي الى وجود اخر بازاحة كا مايعلق به من رسم عادي لصورة صوتية …وحشره في اللوحة .بالرغم من ان الحرف ذاته لايقبل بمغادرة نسقه فيفرض علينا القراءة باي صورة …نحن نقلنا الحرف من تصيره من الحبر الى الزيت ..هو تحول في الوسائل لا في الجوهر .ولذلك فان ظاهرة الحروفية في بمعناها السائد اصبح تيارا …جمد اللوحة في مكانها حتى الملل لاكثر من ستين عاما ..وهذا احد اسباب التوقف عن الهزات التي تحدث في العالم .اما ان كنت تقصد الخط العربي بمعناه العام في شكله وتركيباته فاني اجيده واسعر معه بالمتعة ..لكني لم اعمل مطلقا على تشابك الحقلين معا . هناك بعض الفنانين يفتقر القدرة على الرسم او ايجاد اسلوب خاص به من خلال البحث …فيلجأ الى الحرف باعتباره كيانا جاهزا ويشير الى هوية ..فصار كل الناس فنانين ..انها واحدة من الاشارات الى بؤس الفن العربي.
{ كيف ترى الفن التشكيلي في خضم هذا الوضع ..هل تشعر ان الحركة الفنية العراقية هاجرت الى الشتات ؟
– معروف ان حرب عام 2003 انتهت بخسائر كبيرة في مرافق الحياة واحدثت اهتزازاً في البنية الثقافية العراقية ثم ادت الى تحوولات غريبة في الخارطة الكلية ..السياسية والطوبغرافية والتاريخية والاجتماعية ايضا ..ولم تحل دون ظهور تناقضات عميقة تازمت وتضاعفت …وكأنها امتداد لحروب سابقة امتدت لاكثر من ثلاثين عاما ..
لقد ادى ذلك كله الى اضطراب داخلي رافقته اعمال عنف ..ولم تكن تلك الصراعات بمعزل عن الازمة النفسية والتداولية التي ولدتها في الحقل الفني ..فهاجر عديد الفنانين والمثقفين طلبا للامن ..وبدا الشك بعدم جدوى الاستمرار في الفن وانتاجه .كان من افرازات الوضع ان نشأ سياقا اخرا ..اجمله كالاتي ترك الفنانون بلدهم ليواجهوا نسقا اخر في الفن العالمي هم غرباء عليه نتيجة للانقطاع الدائم ..وهم يسعون جاهدين لايجاد مكان في المجال الثقافي خارج بلدهم .
هذه الظاهرة توسعت واخذت سياقا لازال الى الان يسود الفضاء الفني …لقد هاجر المئات من الفنانين …ليس لشيء بل لطلب الحماية وايجاد فضاء اكثر حركية ..
جدوى هدف
اضرب لك مثلا ..انا شخصيا احد العشرات من الفنانين العراقيين ..شاركت في كل الحروب التي لااعرف سبها ولماذا قامت ..ولم اشعر انذاك بجدوى او هدف ..كان الامر متعلقاً بوجودي كأنسان ..ووجود الوطن كمكان وبيت …في 2003 وانا اعيش الحرب ايضا شعرت باني جزء من اهتزاز ..زلزال ..اصاب بلدي ..وما كان من وسيلة الا الفن عندما هرب من سجنه الطويل وانتفض على الماضي والحاضر معا ..هكذا بدات الاتجاهات الفنية تحلق في فضاء اخر غير القتل والدمار .. وهذه اجابة مضمنه اسؤالك الاول ..اقول ان الشعوب الحية تستطيع ان تقف مرات بعد سقوطها ..وافخر اني اشارك بهذا الوقوف .
{ مالذي تريد انجازه بعد في المجال الفني ؟
– لااريد ان اعطي القاريء انطبعا باني اسير على نهج الخطابات الرنانه والفارغة ..ولكني افكر جديا .. بان الفنانين العظام على مر التاريخ يمتلكون عدتين ..ثنائيتين لاغير ..مواهبهم ووعيهم الثقافي ..وانا على يقين بان الاثنين معي ..ومن الطبيعي ان اسعى الى ايجاد المخرجات والكفايات الوسائطية لها ..وان اجد مكاناً لي بينهم ..انه مجرد حلم لكنه طبيعي بالنسبة لتفكيري ..
اعمل يوميا اكثر من عشر ساعات في مرسمي …ليس بحساب الزمن وحسب ..بل لجمع كل مرجعياتي واحاول من خلال التجريب ايجاد مخرجا اسلوبيا ,,بمعنى ان اجد وسيلة او لغة ..ان امرا كهذا يؤكد حرصي على فهم مايدور في عالم غاية في التعقيد .. ان سعيي سوف يدلني الان او لاحقا على تلمس نوع المثاقفة الفنية المطــــــــلوبة وايجاد منافذ واسعة وفسيحة رغم انشغالي في التدريس الاكاديمي والبحث العلمي الذي اعتبره مكملا .
وعليه فأن حدود امكاناتي في صناعة اللوحة لن تتوقف على صيرورة واسلوب معين ..اسعى الى الخــــوض في تجارب اخرى.
.اقول باختصار ان وجـودي كله يرتبــــط بما ساحققه في الفن. { لك مساهمات في متابعة بغداد على صعيد الفن والعمارة ؟ ماذا حققت؟
اقول باختصار ان الذوق السائد في المدينة هو من النوع المتخلف .. فقد انجز لنا نصب وتماثيل رديئة ..ونحاول السعي الى ازالة اثارها الكارثية ..
وقد ساهمت في اعادة اعمار شارع المتنبي وسوق السراي وسوق الصفارين ..واعمل الان الى المساعدة في احياء شارع الرشيد جماليا ..
























