رسالة من غريق البحر

رسالة من غريق البحر

حسين ياركرم

كنت يوماً أتمشى بمحاذاة شاطئ البحر تارةً أنظر للبحر، وتارةً أُخرى حانياً رأسي ملتفتاً يميناً ويساراً أخطو بتأن ، أضرب الرمال بقدمي الحافيتين وهما تتغلغلان في عمقها ، قصة كل حبة رمل مدينة بكاملها من الحكايات وآلاف من الصور والكلام ، وكثير من الوجوه ، لم نتخيلها حتى في أحلامنا ..آلام  وويلات لأقوام دامت لقرون ، واليوم مآسيها محفورة على جدران الزمن ..

وأنا أسير صوب النسيم الإلهي والرياح تدغدغ وجهي ، كانت تصدر من بعيد أنّات حزينة لتداعبَ مسمعي، صرخات هجينة ، مخلوطة بالعرق ، وكأن شخصاً ألتف ببطانيته الكئيبة التي لا تقي من برد الشتاء وأدار وجهه صوب الجدار المميت وبكى بحرقة طفل الذي أبعدوه عن حضن أُمه ، صوت يأتي من وراء الجدار من عتمة الخيال الكوني وفي ضباب لندنية ، يحاكي البحر بكلمات أفلاطونية لتشرق شمسٌ على سجادة حريرية .. من أجمل سجاد (كاشان) الأيرانية ، مرصعة باللؤلؤ والمرجان وبعض من حجر الصوّان وعشرة حروف عجاف مكتوب عليها بالفارسية (جرا ما إيجاد) وتعني (لماذا خُلقنا).

أًناس قد نعرفهم أو لا نعرفهم ، حاولت أن أراهُم في رؤياي ولكن من دون جدوى ، هم بالأمس كانوا هنا، يتظاهرون بالوجود ، واليوم يصارعون الأمواج والأخدود ، يطلبون الغوث في خوف بلا حدود ، تارة يخرجون أياديهم وتارة رؤوسهم  وشفاههم، في صراع قوي ، وقد أندمج القدر مع صخب البحر ليبرز ملكاً بسيفه البتّار في الموقع المختار، لحظة درامية على أصوات (الساكسفون) وكأنها أوبرا لراقصات باليه الماء في دورانها حول نفسها بشكل جنوني ، وفجأة انطفأت الأنوار، أمام الأبصار، وأسدل الستار، والضوء أخذ بالزوال لينتهي بهذه المأساة والتي دامت للحظات ولتعلن نصر البحر وليكون بينه وبين الحياة آخر خيط ، لحظة انتزاع والعروج الى السماء الكوني المريب من دون خوف وألم ، يعجز اللسان عن وصفه ..

أثناء سيري غمضت عيني وتقربتُ من الجدار الهلامي، لقد تلامست معه وأنا في يقظتي شبيهاً بطيف خيالي كشبح ذي رداء أبيض ، يمتطى جواداً ذهبياً ، غطت أرجله قمم الغيوم في العلى وانشطرت إلى رذاذ عظيمة تشبه شلالات (نياكارا) ، لتخلق وجوهاً جديدة في لوحة سريالية من لوحات (سلفادور دالي).

وعندما رأيت في أفق البحر سكوناً مضطرباً والطيور محلقة فوق رأسي تحتسي شراب النسيم مع (المزة اللبنانية) موزعة أجنحتها بطولها وعرضها في هذه السماء اللامتناهية .. وكأنها ضربة فرشاة أعمال (مايكل أنجلو) الذي أبدع في قبة كاتدرائية الفاتيكان العجيبة بطلائه وفرشاته المكسورة ، في كل جناح مئة ريشة وعلى كل ريشة منقوشة عليها آلاف الطلاسم  والعبر منذ خطايا (آدم) و(الشيطان) وقليل من الغيوم وبعض من الكلام .

ألتفتُ ورأيت نفسي بدوامة وكأنما البحر أصبح غولاً يريد أن يقبض أنفاسي وأنا أتلمس ذلك الخيال وشحَّت السعادة في صدري وانطفأ النور أمام ناظري لتسرق البسمة من شفاه أحبائي ، والفرحة من أحضاني ، كسلب الحليب من أفواه الرضّع اليتامى ..

وأنا أمشي في درب الخيال ، كنت أداعب شفة الماء بقدمي وارتطمت بقنينة زجاجية خضراء داكنة اللون وكأنها قبعة قوقازية ، حاملةً في داخلها ورقة ملفوفة بيضاء ممدد في داخلها عالم من الغموض، مدينة كبيرة وسكانها كثر ، مدينة فيها أزقة وشناشيل قديمة وشوارع عريضة تشبه شارع الرصافي ..

ألزمني الفضول ، رفعت السدادة وإذا هي برسالة (وصية) من غريق ، قبل أن تحتضنه أمواج البحر مودعاً البشرية .. وقبل قراءتي عما مدوّن في الرسالة (يجب أن لا ننسى إن البحر متهم بجرائمه بما اقترفته أمواجه من يوم الذي خُلق ، ولكن لا يمر من دون عقاب) !!

من الابن إلى أمه مع التحية ..

أمي العزيزة الغالية ….. قبل كل شيء ، أقبل يديكِ التي جعلتني اكبر كل يوم بحنانكِ ، وأمشي على الأرض  بدعائكِ ، وأبصر الحياة من نوركِ ، ولن أنسى كعكاتكِ الساخنة مع الشاي أبو الهيل ..

أمي الغالية .. أنصحكِ بقراءة رسالتي ولكن لا تبكي على حالي لأن كل شيء انتهى ،

أمي .. لقد استقبلني البحر في أحضانه ، ومن دون أن أشبع من أحضانكِ ، لا تدمعي أكثر يا أمي ، كدموع شعب ضحى وتحطم .. ولم يذق طعم الخبز الحار المغموس بالشاي .

كان لا بد لي أن أسافر، لأني كنت أعيش في قلب كبير فيه قضبان وأوتاد وصفحات من الآلام ، بالرغم من أن أحلامي لم تكن كبيرة ، كل أحلامي كانت بحجم علبة دواء الضغط التي كنت أتعاطيها دوما..

هل تدرين يا أمي …!!؟  لقد هربت من البشر.. فاحتضنني البحر..

وقال لي يا فتى الآن أًقلدك وسام الوداع ….. فأحتضر.. فأنا آسف إن غرقتَ..

بالمناسبة إنّ لون أسناني أصبح الآن أخضر بسبب الطحالب العالقة فيه ، ومع ذلك هي أجمل من أسنان صــعاليك أمريكا وبائعي الإنسانية .

ورائحتي لم تكن لائقة حتماً ولكن أزكى من رائحة آلاف البشر ولا هم ببشر، دشاديشهم قصيرة ولحاياهم سود وحمر وترى عيونهم ملأى بالدم  من كثرة الفساد وسفك الدماء..

لا تحزني يا أمي إن لم يجدوا جثتي، فماذا ستفيدك ، إلا تكاليف النقل والدفن والعزاء..

أنا آسف يا أمي لقد أكثرت عليك الهموم ..

أنا آسف يا حبيبتي لأنني بنيت لك بيتاً من الوهم، كوخاً خشبياً متواضعاً بعيداً عن القتل والانفجارات وبعيداً عن الطائفية  والمذهبية .. وشائعات الجيران . أنا آسف يا أخي ،لأنني لن أستطيع إرسال  ثمن مصروفك الدراسي .

أنا آسف يا أختي  العزيزة لأنني لن أقدر أن أشتري لكِ الهاتف المحمول الذي وعدتكِ به.

أنا آسف يا منزلي الجميل لأنني لن أعلق معطفي  البســـيط خلف بابكِ .

أنا آٍسف ياغرفتي البسيطة لأنني رسمتُ في كل زواياكِ قطعة من ذكرياتي .

أنا آسف يا دفتر ذكرياتي، لن يحين لي الوقت ان أدون في صفحاتكِ قصة حياتي .

أنا آسف يا أصدقائي لن تروني مرة أخرى .. لأني أصبحت لكم شيئا من الذكرى .

أنا آسف أيها الغواصون الذين تنتشلون جثتي من البحر، فأنا لا أعرف حتى اسم البحر الذي غرقت فيه .

شكراً يا دائرة اللجوء واطمئني .. فلا تحملي همي  ولن أكون عبئاً عليك .. لأن اسمي سيدخل في سجل وفياتكِ .

شكراً لكَ أيها البحر على استقبالكَ لي ومن دون أن تسأل عن جواز سفري او عن بلدي .

شكراً لكِ  يا أسماك البحر، لقد تقاسمتنَّ فيما بينكنَّ واجتمعتن لالتهام جسدي ، حتى ولم تسألني عن ديني ولا طائفتي ولا عنواني .

شكراً للقنوات الإخبارية ستتناقلنَّ خبر فاجعتي من  دون إعلام سبب رحيلي .

شكراً لكل من سمع بخبري وحزن عليّ..

أنا آسف يا وطني الغالي إن قصرتُ بحقك يوماً ما…لأنني الآن أصبحت شبحاً جميلاً أطير فوق سمائكَ وأرفرفُ بجناحيَّ وأدق النواقيس في الليل.

وداعاً يا أرضي ، لم يُمهلني الزمن أن أشبع من عطركِ …

وداعاً … وداعا.