للحزن دهشة الفرح في ترنيمة سوداء.. قتامة الواقع وكوّة الأمل

للحزن دهشة الفرح في ترنيمة سوداء.. قتامة الواقع وكوّة الأمل

صباح محسن كاظم

من عنونة الديوان تنعكس روح النصوص ،ووهجها ،وألقها ،رغم المفارقة،و إحتشاد الإحتجاج يتجلى بتلك النصوص ..فالترنيمة الأنشودة الموسيقى التراتيل السحر الأخاذ ، دأب الطقس التأريخي بمعظم الحضارات بالترانيم والحكم والإبتهال ،والسواد القتامة والحزن والسأم ، فجمعت التضادات في العنونة ،والتي هي أحد مسميات أحد النصوص في الديوان للشاعر المبدع “باقر صاحب” الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ب85 صفحة ب19 نصاً شعرياً ،ومقاصير من عذب الكلام الشعري الموسوم بالحكمة ،وقد أصدر الشاعر قبل ذلك جياد لن تصل بغداد 1997 وطيور يومية 1999،فمخاض التجربة الشعرية يتجلى من خلال التفاعل مع الواقع بقتامة الأحداث من حروب ..وضياع ..أزمات …إنكسارات ،وظف “صاحب” قدرته اللغوية مع مخياله الخصب في إثراء تلك النصوص الناطقة عن الواقع الإنساني المؤلم ،والهزات التي تطوح به ،ولاتتركه لدهشة المسرة ،بل تعمد إلى الإستلاب والإغتراب ومصادرة حرية الوجود ،نصوصه شيدها بأسلوبه الشعري الباذخ والطافح بالصور الشعرية المُعبرة عن الذات الجمعية ،ووشمها بمهر الحكمة وخصوصا ً بمقاصير تلك النصوص التي جاءت كومض في برق .. ولغة النص إتسمت بقوة العبارة وإشراقة الديباجة وبراعة المبنى في الإنثيالات الروحية والتي سكب عليها رداء الحكمة الرافض لقتامة الوجود ،والذي يحاول البحث عن النجاة بالنأي عن الألم الماكث في حيواتنا المُشبعة والمترعة والراكسة فيه بسبب ماتختزن الذاكرة من معاناة ..مشاهد مقرفة ..حياة الحروب والملاجيء والفقد ..

صفعة البدايةص 9

اكتب

كي تزجر شيخوخة أيامك

عن التسلل إلى وسامة روحك

اكتب

كي لاتدع البؤس

يتوسد ليلك

يحمل نهارك

اكتب كي يسرب الألم

دماءه في متاهة النص

يرى “رولان بارت” في كتابه لذة النص ص 7: (أن الكتابة الشعرية إيقاع للقراءة نفسها ،وهي فتح الذات لكل ما يأتي من الآخرين ،على أن النص الشعري إنتقال من ثقافة الغير إلى لذة ومتعة الكتابة الشعرية ….).

فالكتابة صناعة الجمال من وسط ركام الخراب ،وهي الأمل بعد الألم وهي كوّة مشرعة على فضاءات الروح المحلقة نحو أفق الحريّة ،وأنسنة الإنسان ..لذا يروم الشاعر “باقر صاحب ” تجاوز القتامة وسواد الوجود ،بإشراقات نورانيّة ،من لغته الشعريّة العبقة بأريج الألق الشعري ،ودلالات العلامات المبثوثة بثنايا تلك النصوص التي تشدو للخلاص والأمل وتجاوز محنة الوجود المؤسر للذات والمكبل لطاقات الإنسان ،كتابة لشمس الحرية ،وقطاف التضحيات ، وعبور التصدع ..والمسالخ ..

لحظة وشارع

لس هناك

مايؤلم في لحظتي

لأنها بياضةٌ للعدم

كما ليس هناك مايفرحُ

لأنها ولادة للشقاء

بعد هنيهاتٍ

قد أكون ُ

من اللاهثين على الأرض ِ

أو محشوراً في غياهبها

ويختتم هذا النص الذي يصور واقعنا اليومي بعين تراقب ،وحدس يترقب بما هو آت ، وإحتجاج لذات واعية ،راصدة عن كثب ،وكأننا بين قوسين وأدنى من الموت المجاني ،والبربري ،الذي يطوق وجودنا ولافكاك منه ..

شعرت بذلك

حين حدث دويّ

قوّته كراهيةُ للفراتين على مقياس الأزل

وترنيمة سواداء مهداة إلى الراحلة أمي ،عبر الشاعر عن الذات الجمعية لفقد الأم المقدسة ،فهي الحبيبة ..منبع الحنان ..القلب الرؤوم ..والحضن الحنون ..عالج بهذا النص الحضور والغياب ثنائية الوجود ،بلغة شعريّة باذخة يتسامى بها الوجد ودفق الروح وجذوة الشعر لِيُعبر عن أكواخ الصفيح، وكابوس القتل ، ومعاناة الآخر ليدمجه بنص مترع بفقد الأم وهي الوطن .. إن فعل المأساة كبير في ثنايا الروح ،وإسقاطته على المنجز الشعري في تلك النصوص “الباقرية ” بترنيمة سوداء ،لذا احياناً يعالجها الشاعر بفعل التطهير من أدران الحروب العبثية والفوضوية والطائفية ،ليسمو بالروح نحو أفق التكامل،فالرائي العليم لما يجري من حوله من أفق مسدود يُرتجي من تلك الأفعال الخلاص ،والأمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا البلاد أفعال تتكرر بحكمة العارف ،لذا أراه يستخدم أفعال الأمر والنهي بين نص وآخر كما في “غربة الذي لايلتفت إلى الشرق” يتكرر فعل الأمر : (اكتب- اخلع- ازجر- إلق –  لاتدعها – لا اهب -)

لاتدعها…

اكتب شمسك الغريبة عن نفسها

اكتب أفقك الذي لن ينحني على نفسه

اكتب غربك الذي لايلتفت الى الشّرق

لاتنظر إلى الشمس

وأنت تكتب

ستمطر أخطاءنا

لاتنظر إلى الصحراء

وأنت تحبّ

…………

…………

………..

أي لحظة عارية إلا من توت اسمها

يراد لها

أن تنوء

بأكياس الخسارات

ومشاجب الحروب

ودفاتر الحب

وسلاسل البيت

……….

كما في مقاصير “ترنيمة سوداء” ال 17 التي تعكس عبق الروح المتوهجة نحو الألق الشعري ،من خلال مفردات تشدو بالحكمة ..والجمال ،بين نص الأم ونص الأب -القصير- زمن الوجود بكل حثياتيه وتداعياته ومظاهره ؛ نصوص كأنها وصايا تُشرع بنا صوب السمو الروحي ،والإسترخاء ،من خلال تلك الانثيالات التي تعبر بنا نحو الأمل

شروع

لايمكنك أن تكون خطاً

ضعك في النقطة.

****

حكمة

أفضل الصمت

لأختلط برزخاً بين الليل والنهار

***

سيرة إلى أبي

قبرك يتشرب رئتي

لذا

لا أستنشق الخسارات …!