ذكاء المعلومة الدراسات العليا حلم متقهقر
هكذا بدت الفكرة ، وهي تتوهج بهذا العنوان اللافت للنظر! حيث وقفت كثير من العقول الجبارة حائرة لاعاجزة أمام هذا الحاجز الوعر الذي لااريد أن اسميه (كونكريتي) ، لأنني لم أرد أن اسخر هذه المرة!، أقول أصبح هذا الحاجز معيارا للقبول ، أو الرفض بحسب ماترتئيه تعليماته ، وظل يلوح كعقبة كأداء فوتتْ علينا أن نستفيد من طاقات تلك العقول النيرة التي ظلت تنتظر خلف ذلك الحاجز، ولو أجرى احد من الباحثين مسحا علميا وبحثيا على جميع المتخلفين الذين يحاولون ولا يقبلون ، لوجد لديهم طاقات جبارة ، ومواهب عظيمة ، وكفاءات متوقدة خلافا لما افرزه بحقهم المعيار ،من نتائج لم تسمح لهم بالقبول، فأين الخلل ، وكيف يمكن إصلاحه؟!، ويسأل الباحث استطرادا ، لماذا أصبح حال هؤلاء هكذا ، ينتظرون وينتظرون ، ولا جدوى من الانتظار سوى مزيد من الإحباطات المتكررة ، فينشأ لديهم صراع بين الطموح الذي يدفعهم بثقة عالية ، ويصور لهم الحلم بشكله الوردي ،وبين اليأس الذي يذيقهم الأمرين! ، والجواب ، إن كان هنالك جواب :إن المنافسة على مقعد واحد ، أو اثنين ، أو ثلاثة ، هو بحد ذاته سلاح ذو حدين: فقد يصيب الكفاءة وقد يضحي بها، وقد يصيب العدالة وقد يضحي بها، وفي هذه النقطة كما يتردد على السنة البعض من ذكر النقطة ، أو الإشارة ، أقول نحن بحاجة إلى تحليل توضيحي يضع النقاط على الحروف ، وهو إن الاعتماد على الامتحان بشكل عام ، (والامتحان التنافسي) بشكل خاص ، فيه أعراض معاكسة لما مطلوب منه ، إذ أن الامتحان والدرجة ، لايحددان مدى الطاقة الكامنه لدى الفرد ، ولا يجاريان الموهبة التي تتحرك في مدار إبداعي يقطع كذا مليون ميل في الساعة الواحدة !الموهبة الفائقة لاتخضع بإعجازها لبنود الامتحان المكبلة ، وإنما هي تواقة لعالم متدفق بالأفكار الولود التي تتحرك بمدار أوسع يمكنها من الابتكار ، بما لاتحتمله أحيانا عقلية الأستاذ المصحح!، أو ترتقي له، فليس من المعقول لهذه الموهبة ، أو الطاقة أن تستهلك كذا وقت ، من أجل قبول تجاوزته علميا وعمليا دون أن تتجاوزه (رسميا) ، نعم هكذا عقول متقدمة متأخرة تجاوزت في سلوكها الإبداعي ، أعلى الشهادات التي يمكن أن يفكر بها أحد ، ومع ذلك ظلت متعثرة رهينة الاصطدام بهكذا حاجز .. هذا على مستوى(ذكاء الموهبة) ، أما على مستوى(ذكاء المعلومة) ، فإننا – معشر المجربين- علينا أن ندرك أن كثيرا من الأذكياء هم عرضة للإخفاق في امتحان اللحظة غير المواتية ، ولكنهم في حسابات المعيارية الوسطية ، متفوقون كثيرا على أقرانهم ، وهذا يطرح علينا سؤالا ملحا : حول كيفية إجراء مقارنة علمية بين متفوقين متماثلين ، قد يكون الامتحان لوحده مدعاة لخلط الأوراق بينهم، فيؤدي ذلك إلى تقديم المتأخر منهم على حساب المتقدم ، كما أن ثقافة المصحح التصحيحية ، وكفاءته ، وعلميته ، كل ذلك له دور في تحديد معيارية دقيقة للتصحيح والمفاضلة ، وهي أن التصحيح في (العلم الإنساني) يختلف عنه في (العلم الرياضي ، أو الطبيعي) ، فاحتمالية أن تُقيَّم الإجابة في العلم الرياضي ب(صفر) ، واردة لو كانت كذلك ، ولكنها غير واردة في مجال العلم الإنساني ، ولذلك ومن هذا المنطلق آمنتُ ببديهية : أن التصحيح في جواب العلم الإنساني ، يبدأ بثلاثة بدلا من صفر ، أو واحد ، مراعاة للطاقة المختزلة في العقل الإنساني ، وبعضهم في العلم الرياضي يعتمد آخر خطوة ، فإذا كانت صحيحة ، اعتبر المعادلة أو الجواب كله صحيحا ، أو العكس ، والصحيح أن كل خطوة صحيحة من خطوات السؤال لها درجتها ، من مجموع السؤال الكلي ، وإذا ماعدنا إلى إجابة العلم الإنساني ، فإننا نجد أن الالتزام النصي بالجواب شكلا ومضمونا ، قد صار بابا لدخول مااسميه (الأمية المقنعة ) ، أو الأكاديمية ، حيث أننا بهذه الطريقة ضحينا بأسلوب الإبداع في كيفية الإجابة مقابل الإجابة الحرفية!، مثال على هذا لو ورد سؤال بتعريف (المقالة) على ضوء الجواب الذي يقول في مصدره: ” المقالة قطعة نثرية محددة في الطول والموضوع ، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من الكلفة والرهق ، وشرطها الأول أن تكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب” ص/ 161- في النقد الأدبي الحديث- ، فما الضير لو أجابني من أجابني بأسلوب آخر فقال: (المقالة سيلٌ من الأفكار المتدفقة بشكل عفوي تجري على السطور مكونة من فقرات عدة ، لايشوبها التكلف ، أو التوعر ، وبات ملحا أن يكون من شروطها الصدق ، فهي لذلك هادفة ومعبرة)، وبتعبير آخر : (المقالة قطعة من الأفكار المتناسقة بشكلها النثري تقيدت مساحة عرضها بموضوع محدد ، تغلب عليها العفوية ، والصدق والعذوبة،ولا يحسن بها التكلف ، أو التوعر) أليس هذان الجوابان الأخيران يتفوقان في قدرتهما التعبيرية ، والإبداعية والفكرية والأسلوبية ، والأكاديمية والكفائية ، على الجواب الأول الذي من المحتمل أن تعطى درجة 100/100، لمن “درخه” وكتبه نصا ، وهذا مااشرت له سالفا بقولي: إن الطاقة الكامنة المختزلة في معنى الموهبة تكاد أن تكون أستاذا للامتحان لاطالبا فيه!،ولو أردت أن اربط الموضوع بأعراض أخرى لقلت : إن سبب تأخرنا عن ركب التطور ، هو مدى تمسكنا بهذه العقلية الصارمة التي تعتبر أطروحة الابتكار ، أو الاقتراح النافع ضربا من التشبث المرفوض ، وما هو قديم متعارف عليه أمرا مقدسا ومصونا لاينبغي تعديله ، أو الإضافة إليه ، أو ترشيق ترهله ببعض الجرع المنشطة لتفادي هرمه ، فمثلا نحن لانعرف في النحو من هو أفضل من (سيبويه)، ولانعرف في الكرم من هو أفضل من (حاتم) ، ولانعرف في الفروسية من هو أفضل من (عنترة) ، ولا نعرف في الزهد من هو أفضل من (أبي العتاهية) ، ولا نعرف في المجون من هو أفضل من (أبي نؤاس) ، ولا نعرف بكاءة أفضل من (الخنساء) ، ولا بكاء أفضل من (مالك بن النوير) ، ولا نعرف غادرا ( كضبة بن يزيد العيني)و(سنمار)، ولا مفتخرا مدويا أكثر من (المتنبي)، ولا بديهيا ، أكثر من (أبي تمام)إشارة إلى بيته الشعري: (لاتنكروا ضربي له من دونه- مثلا شرودا في الندى والباسِ) ، ولا مبصرا أعمى أكثر من (بشار) ، ولا هجاءً لنفسه أكثر من (الحطيئة) ، ولا رقيقا في الشعرية الغزلية العفيفة أكثر من (الشريف الرضي) ، ولا منظرا أكثر من (الجاحظ) ، ولا غزليا حديثا أكثر من (نزار قباني)، ولا من هو أجبن من (صافر) ، ولا بلاغيا أكثر من (عبد القاهر الجرجاني) ،ولا وفيا أكثر من (السمو أل- السموءل)،ولا فكاهيا أكثر من (جحا )،ولا كذابا أكثر من ( حماد)، ولا مجنونا أكثر من (مجنون ليلى)، ولا فيلسوفا أكثر من ( أرسطو) ، ولا أبو العلاء أكثر من ( أبي العلاء)، ولا فرزدق أفضل من (الفرزدق)،ولا مقبولا في الدراسات العليا أكثر (ممن لبى أبجدية هكذا معيار)، فهل يعقل أن المغيبين في مجال هؤلاء لم يكونوا أفضل منهم؟! ، أم أن أدوات بحثنا كانت ومازالت قاصرة عن إعادة التنقيب وراء الثغرات التاريخية الخطيرة ، وهكذا نصل إلى محصلة مقالنا هذا الذي حملنا على براقه السحري لنصل إلى نتيجة ماسيخلفه لنا هذا المعيار المتبع حاليا من فقر وافتقار في ثروتنا العلمية والأدبية ، حيث أننا سنتوهم ونحتكم في قضايانا المهمة والخطيرة ، عند من غادرته الحكمة والمشورة إلى غير رجعة ، فلا يقدم لنا شيئا نحنُ أحوج مانكون له!، وهاهو ألجواهري ، والسياب،ومحمد علي هدو، ومن تخلف عن هذا الركب، يقولون لو لم تكن الدراسات العليا حلما متقهقرا في ذاته قبل ذواتنا، لتباهت بنا في يوم ما، ولكن .. ولكن .. ولكن
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL























