
شيء غريب. غريب ومدهش ومحيّر فعلاً. فثلاثة أرباع القراء في العالم لا يعرفون من هو الكاتب التنزاني المغمور عبد الرزاق غرنه، أو قرناح، أو غورناه. لم يسمعوا باسمه. ولا بأدبه. ولا بكنيته اليمنية ذات الأصول الحضرمية حين الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل في الآداب.
ومنذ سنوات بعيدة نشر الكاتب الأميركي أرفنج والاس روايته “الجائزة” تتحدث بواقعية ساخرة عن الفائزين بجائزة نوبل، وتجيب عن السؤال الغريب: أين كانوا يوم الإعلان عن فوزهم؟!.
فهذه الجائزة أعطيت للأديب الإيرلندي صمويل بيكت وكان هارباً من منزله ولم يعرفوا مكانه إلا بالمصادفة في تونس. والناشطة في حقوق الإنسان أونغ سوتش من بورما كانت محبوسة في بيتها. والكاتبة الجنوب افريقية نادين جورديمير التي فازت برواية “شعب يوليو” كانت تتمدد تحت سيارتها منهمكة بتصليح إطارها المعطوب حين ركلها بقدمه أحد المارة العابرين، ليقول لها: إنها حصلت على مليون دولار!.
والروائي الفرنسي جان ماري غوستاف أغرب من حصل على نوبل عن روايته “الصحراء”. فأبوه إنكليزي، وأمه فرنسية، وهاجر إلى نيجيريا، وحصل على الجنسية من جزر موريس في المحيط الهندي، وأكمل الخدمة العسكرية في تايلاند، ونقلوه بعقوبة إلى المكسيك، وعاد إلى شمال أفريقيا، وتزوج من مغربية، واشتغل بالتدريس في سيئول، وبوسطن، ومكسيكو!.
والروائي الروسي ميخائيل شولوخوف صاحب “الدون الهادئ” كان يصطاد السمك عندما أخبروه بفوزه بنوبل. فطلب منهم السكوت حتى لا يهرب السمك من سنّارته!.
لكن تظل الأديبة النيوزلندية الشقراء كري هولم أغربهم جميعاً. يومها كانت تسبح في البحر وركب أصدقاؤها الزوارق وراحوا ينادون عليها بصوت عال “كري.. كري” وهي تسمعهم وترفض أن تلتفت إليهم. فقد حدث أن سقط “المايوه” في الماء. وظنّت أن الذين ينادون باسمها إنما لاحظوا أنها عارية تماماً، فغضبت واندهشت لقدرة الناس على النظر من بعيد.. وفقدانهم الحياء أيضاً!.
وهذه الجائزة رفضها الأديب الأيرلندي برنادرشو وكان يقول: إنه يغفر للفريد نوبل اختراعه الديناميت ولا يغفر له هذه الجائزة. وإنه سعيد بقيمتها المالية وليس سعيداً بوزنها الأدبي. واحتقرها جون بول سارتر لأنه كان يحتقر الكاتب عندما يتحول إلى حزب. واعتذر عنها الأديب الروسي بوريس باسترناك وكان متهماً من موسكو بالعمالة. ورفضها بابا الفاتيكان بولس السادس لأن نشر السلام في العالم من واجبه البابوي. وتسلمها سيد مرعي نيابة عن الرئيس المصري أنور السادات فقد كانت مناصفة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، بعدما قتل بيغن عشرين ألفاً في الحرب على لبنان. وكانت الحرب والجريمة كل ما يملكه بيغن من سلام!.
وفاز بنوبل للسلام الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومات في ظروف غامضة. والإسرائيلي اسحق رابين مات اغتيالاً!.
وعندما حصل نجيب محفوظ على الجائزة، فليس لأنه أكبر روائي عربي، بل كان ساداتي الهوى في الصلح مع إسرائيل. منذ ذلك الوقت والعرب يترقبون البشرى كل عام. مات يوسف ادريس وهو يحلم بالنوبلة. أما أدونيس المتحول مع كل ثابت، فهو المرشح السنوي الدائم. كلما أخرجوه من الباب، عاد إليها من الشبّاك.
على العرب أن يغسلوا أيديهم إلى المرافق من هذه الجائزة. ما دامت الخيول العربية تصهل خارج التاريخ، وخارج السباق، وخارج السياسة، وخارج نوبل!.



















