وحيدة (1)
في طريق عودتها وقفت نيركز مصدومة وهي ترى حبيبها يمر من أمامها، لقد مات أمام ناظري قبل أعوام، لقد حضرتُ مراسيم دفنه في مثواه الأخير، وأنا ابكي وأصرخ وأولول ! هل جُننت ؟ أم مجرد تخيلات، تسمرت في مكانها وهي تنظر له نظرة تملؤها التعجب والحنان دون أن تهمس بشيء ودون أن يلاحظها ذلك الشاب، بقيت في الطريق واقفة كأن أنفاسها أنقطعت، توقف الزمن، بدأت الأسئلة تدور في ذهنها هو هذا هو حقاً عاد ليُبعث من جديد، هل هو شخص آخر ولكن يشبهه! ولماذا من دون الناس يعود ليمُر من أمامها وفي نفس الشارع الفرعي الذي يطل دارها عليه! والأعجب في الأمر ان هذا الشاب تبين بأنه يسكن في نفس المنطقة التي تسكنها! عادت الى بيتها وأنفاسها متسارعة ونوبات القلق والصدمة تنتابها مجدداً، بالكاد وصلت الى دارها، دخلت غرفة نومها، أوصدت الباب والدموع تنساب من عينيها، أسرعت باحثة عن هاتفها الجوال، ضاعت الأسماء وأختفت الأرقام ما عادت تعلم ماذا تفعل ؟ بمن تتصل ؟ سوى بصديقة عمرها – سلوى – هيا أجيبي أرجوك، ألو تفضلي نيركز كيف حالك؟ وصوت البكاء يعلو مع انقطاع الأنفاس وكأنها تتلفظها، ماذا بك أهدئي اهدئي ها آنذا في طريقي اليكِ: كانت سلوى تعلم كل شيء عن قصة الحب التي مرت بها صديقتها نيركز وما حّلت بها من مآس، بالكاد تمكن الجميع من كبح جماح ذلك الحب ونسيان تلك الأحداث المآساوية التي عاشها الجميع.
قُرع الجرس، أسرعت نيركز لتفتحه لسلوى، لقد أرعبتني ماذا دهاك يا أمرأة؟ لا أعلم يا سلوى لقد شاهدته شاهدته!
مَن شاهدتِ ؟ لقد شاهدت ريناس ! لقد عاد ! لقد عاد ! هل تمزحين ماذا دهاك ؟ أقسم بالله أنني رأيته وأنا في طريق العودة من عملي وفي منتصف الطريق، لقد كان هو بشحمه ولحمه، حسناً حسناً أين ذهب ومن أين أتى هل تبعته ؟ لا ولكن رأيته من بعيد كان يخرج من تلك الدار في نهاية زقاقنا. ومن هم ؟ سمعت من الجيران قبل أيام أن جيراناً جُدداً قد حلوا في تلك الدار، ساعديني أنقذيني أكاد اموت، حسناً كفاك يا صديقتي أنا سوف اسأل عنه وأعرف كل التفاصيل.
أرجوك لا تذهبي لن أتحمل فهذا كثير عليّ، أقسم بأنني أكاد أصاب بالجنون، يا رب هل هذه عقوبتي على حُبي الذي كان؟
كانت نيركز قبل الآن في العشرين من عمرها آنذاك وها هي اليوم قد أقتربت لسن الثلاثين وهي متزوجة ولديها طفلة جميلة جوجو، تدعّي السعادة مع زوجها وابنتها بالكاد وبعد أن مضت حوالي العشرة سنوات على ذلك الحادث تُشغل نفسها بزوجها وأبنتها والسفر من بلد لآخر، مع ذلك كانت تجد نفسها أحياناً كثيرة حزينة تتذكر ماضيها وتحُن الى حُبها القديم، الذي ما عاد سوى سراباً وذكرى عابرة، وعندها تبدأ نوبات القلق والكآبة والبكاء الذي لا ينتهي إلا عندما تجد نفسها على ضريح حبيبها – ريناس – هكذا كانت تمضي السنين، مؤلمات والأوقات ذاتها والأشخاص ذاتهم والأماكن ذاتها لا شيء تغير سوى أن حبيبها اصبح في طي النسيان، رغم مراجعاتها المستمرة منذ ثلاث سنوات للأطباء النفسيين ورجال الدين، علها تجد السكينة والطمأنينة، هيهات فجسدها حاضر وقلبها وروحها في شُغل شاغل عن الجميع بهوى حبيبها الغائر. قبل ذلك بعشر سنوات كانت نيركز تقف على شرفة دارهم وهي بنت العشرين ربيعاً تدرس مادة الأقتصاد فهي ما تزال في المراحل النهائية لكلية الإدارة والاقتصاد، واذا بشاب يمر كل يوم من أمام دارهم أنه ابن الجيران، ينظران لبعضهما خلسة، نظرات بريئة وهمسات فوق شفتاهما لا يسمعها إلا الحبيبن، رمى برقم هاتفه على قاصوصة من الورق أمام باب دارها وهكذا بدأت قصة حُب بين شاب وشابة، نشأت هذه العلاقة على أمنيات تمنوا تحقيقها – زواج – اطفال – أسرة – وهلما جرا مما تتمناه النفس.
تقدم ريناس لطلب يد نيركز من أهلها، اهلها لم يتقبلوا ذلك لأن ريناس من عائلة فقيرة الحال بينما هم من اصحاب المال والجاه، حاول ريناس مرة وثانية وثالثة وهكذا من دون أن يكّل أو يمّل ولكن دون جدوى.
والدة نيركز مصرة على عدم تزويج أبنتها من هكذا شاب، رغم أن نيركز ظلت مصرة على ما قطعته من عهود الحب مع ريناس، وفي المرة السابعة والأخيرة تقدم الشاب لخطبة نيركز وقد طلب هذه المرة من عدد من أعيان المدينة ووجـــهائها بالحضور مع أهله للخطـــــبة، بعد أن أيقّن هذه المرة أن والد نيركز سيــــوافق على هذه الخطبة فالرجل كان أكثر تسامحاً من زوجته، حيث قال لا بأس وما همنا بحال الشاب ما دامــــــت أبنتي تحبه وستكون سعيدة معه وقد كان ذلك كفيلاً بأن تُسرع نيركز لتُزّف بالخبر لحبيبها وان عليه أن يحاول مرة أخيرة.
محمد حسن – بغداد
























