تطوافُ‭ ‬الغريب‭ (‬19‭)‬- حسن النواب

بعد‭ ‬مضي‭ ‬يومين‭ ‬وجدتْ‭ ‬زوجتي‭ ‬نفسها‭ ‬مرغمة‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬أساوراها‭ ‬الذهبية؛‭ ‬لتهرع‭ ‬إِلى‭ ‬مكتب‭ ‬الحجز‭ ‬وتشتري‭ ‬بثمنها‭ ‬تذاكر‭ ‬السفر‭ ‬لها‭ ‬ولأبنتيَّ‭ ‬‮«‬حُسنى‭ ‬وعليا‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬يسافروا‭ ‬إِلى‭ ‬البلاد‭ ‬نتيجة‭ ‬حدث‭ ‬طارئ،‭ ‬وبرغم‭ ‬شغف‭ ‬النساء‭ ‬بلمعان‭ ‬الذهب؛‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتردَّد‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة؛‭ ‬وباعت‭ ‬أساورها‭ ‬الذهبية‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬العراقيات‭ ‬القادمات‭ ‬من‭ ‬مخيم‭ ‬رفحه؛‭ ‬واشترتْ‭ ‬تلك‭ ‬التذاكر‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إِلى‭ ‬البصرة‭ ‬بأقرب‭ ‬طائرة؛‭ ‬وترى‭ ‬والدها‭ ‬الطيب‭ ‬القلب‭ ‬وهو‭ ‬يصارع‭ ‬الموت‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يشطب‭ ‬عليه‭ ‬عزرائيل‭ ‬من‭ ‬دفتر‭ ‬الحياة،‭ ‬لحظات‭ ‬عصيبة‭ ‬وأنا‭ ‬أرى‭ ‬الطائرة‭  ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وهي‭ ‬تقلع‭ ‬من‭ ‬أرضية‭ ‬مطار‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬إِلى‭ ‬سماوات‭ ‬الله،‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬أمطرت‭ ‬السماء‭ ‬الأسترالية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الطقس‭ ‬اللاهب؛‭ ‬ربما‭ ‬أسعفتني‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الناس‭ ‬عبراتي؛‭ ‬وتذكَّرتُ‭ ‬شارلي‭ ‬شابلن‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭: ‬أحبُّ‭ ‬التسكِّع‭ ‬تحت‭ ‬المطر‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الناس‭ ‬دموعي‭ ‬وأنا‭ ‬أبكي‭. ‬ارتعدَ‭ ‬قلبي‭ ‬وصار‭ ‬يدقُّ‭ ‬مثل‭ ‬طبلٍ‭ ‬في‭ ‬موكبٍ‭ ‬حُسيني؛‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬بصري‭ ‬يلاحق‭ ‬طائرة‭ ‬الخطوط‭ ‬القطرية‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬مدامعي‭ ‬التي‭ ‬انهمرت‭ ‬بصمت،‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬معي‭ ‬إلا‭ ‬ولدي‭ ‬‮«‬تبارك»؛‭ ‬وحين‭ ‬دخلت‭ ‬إِلى‭ ‬البيت‭ ‬هاجمتني‭ ‬غمامة‭ ‬سوداء‭ ‬وشعرت‭ ‬أنَّ‭ ‬رئتي‭ ‬تكاد‭ ‬تختنق‭ ‬من‭ ‬الوحشة،‭ ‬تجوَّلتُ‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬لأنظر‭ ‬بعين‭ ‬منكسرة‭ ‬إِلى‭ ‬طاولة‭ ‬صغيرة‭ ‬كانت‭ ‬تجلس‭ ‬عندها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬ابنتي‭ ‬‮«‬عليا‭ ‬‮«‬‭ ‬وهي‭ ‬تؤدِّي‭ ‬واجباتها‭ ‬المدرسية‭ ‬ولترسم‭ ‬دمية‭ ‬كارتونية‭ ‬مغرمة‭ ‬بها‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬‭ ‬دورا‭ ‬‮«‬،‭ ‬لكنَّ‭ ‬أفكاري‭ ‬المخبولة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬دوّامة‭ ‬المغامرة‭ ‬والعبث؛‭ ‬قلتُ‭ ‬في‭ ‬سريرتي‭ ‬تلك‭ ‬فرصتي‭ ‬الذهبية‭ ‬حتى‭ ‬ألعب‭ ‬بذيلي‭ ‬كما‭ ‬أشاء؛‭ ‬سأقتنصُ‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬امرأة‭ ‬شهيَّة‭ ‬أقتل‭ ‬معها‭ ‬ساعات‭ ‬وحشتي‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬يغفو‭ ‬ولدي‭ ‬‮«‬تبارك‭ ‬‮«‬‭ ‬الذي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬ينام‭ ‬بوقتٍ‭ ‬مبكِّرٍ،‭ ‬وأنَّ‭ ‬منال‭ ‬امرأة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد؛‭ ‬لهو‭ ‬أسهل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬جرعة‭ ‬ماء؛‭ ‬وقلت‭ ‬أيضا‭ ‬تلك‭ ‬فرصةٌ‭ ‬لا‭ ‬تعوَّض‭ ‬حتى‭ ‬أجولُ‭ ‬حانات‭ ‬المدينة‭ ‬وأراقص‭ ‬النسوة‭ ‬الأستراليات‭ ‬والصينيات‭ ‬والفيتناميات‭ ‬والبرازيليات‭ ‬وحتى‭ ‬الهنديات‭ ‬والزنجيات‭. ‬أجل‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬حلاقة‭ ‬لحيتي‭ ‬عاجلاً‭ ‬وأشذِّبُ‭ ‬شاربيَّ‭ ‬وأبخُّ‭ ‬عطراً‭ ‬مثيراً‭ ‬وصارخاً‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬وملابسي،‭ ‬وأبدأ‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬بهذه‭ ‬المغامرات‭ ‬الشيطانية‭ ‬التي‭ ‬حرمت‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬زواجي،‭ ‬وحين‭ ‬وقفت‭ ‬أمام‭ ‬المرآة‭ ‬قلت‭ ‬لنفسي‭ ‬لابد‭ ‬أنْ‭ ‬تجدِّد‭ ‬روحك‭ ‬أيها‭ ‬الشاعر‭ ‬المملوء‭ ‬بالرغبات‭ ‬المؤجلة،‭ ‬وتذكَّرتُ‭ ‬تلك‭ ‬الظهيرة‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬بها‭ ‬برفقة‭ ‬صديقي‭ ‬جاسم‭ ‬كمَّاش‭ ‬إِلى‭ ‬مضارب‭ ‬الغجر‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬ضواحي‭ ‬بغداد؛‭ ‬وحين‭ ‬حانت‭ ‬فرصة‭ ‬ممارسة‭ ‬العاطفة‭ ‬الجسدية؛‭ ‬أحجمتُ‭ ‬عن‭ ‬ذلك؛‭ ‬لأطلب‭ ‬من‭ ‬صديقي‭ ‬أنْ‭ ‬ينوب‭ ‬عني‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة؛‭ ‬بينما‭ ‬تكفَّلتُ‭ ‬بدفع‭ ‬ثمن‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬الجنسية‭ ‬من‭ ‬جيبي‭ ‬وسط‭ ‬استغراب‭ ‬صديقي؛‭ ‬لأكتفي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭ ‬الغجرية‭ ‬بكرع‭ ‬قناني‭ ‬الجِعة‭. ‬ربما‭ ‬يظنُّ‭ ‬البعض‭ ‬أني‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬برودٍ‭ ‬جنسي؛‭ ‬فأقول‭ ‬لهم‭ ‬إنَّ‭ ‬فحولتي‭ ‬بوسعها‭ ‬أنْ‭ ‬تواقع‭ ‬نخلة‭ ‬فارعة؛‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬أشعر‭ ‬بالذنب‭ ‬حين‭ ‬أحاول‭ ‬دعوة‭ ‬امرأة‭ ‬غريبة‭ ‬إِلى‭ ‬الفراش؛‭ ‬لكني‭ ‬بهذه‭ ‬المرة‭ ‬قرَّرتُ‭ ‬أنْ‭ ‬ألعب‭ ‬بذيلي‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬النتائج‭. ‬وهكذا‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬تيقَّنتُ‭ ‬من‭ ‬منام‭ ‬ابني‭ ‬‮«‬تبارك‮»‬‭ ‬انطلقتُ‭ ‬خفافاً‭ ‬إِلى‭ ‬أقرب‭ ‬حانة‭ ‬لأقتنص‭ ‬حمامة‭ ‬ثملة‭ ‬إِلى‭ ‬فراشي،‭ ‬ولأترك‭ ‬تلك‭ ‬الحانة‭ ‬برفقة‭ ‬حسناء‭ ‬هولندية‭ ‬إِلى‭ ‬المنزل‭. ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬تقطرُ‭ ‬شهداً‭ ‬وجائعة؛‭ ‬فجهَّزتُ‭ ‬لها‭ ‬وجبة‭ ‬سريعة؛‭ ‬وحين‭ ‬حانت‭ ‬لحظة‭ ‬الدخول‭ ‬إِلى‭ ‬غرفة‭ ‬العسل،‭ ‬استيقظ‭ ‬ولدي‭ ‬تبارك‭ ‬وذهب‭ ‬إِلى‭ ‬الحمَّام،‭ ‬هواجس‭ ‬مخيفة‭ ‬حاصرتني‭ ‬وقلق‭ ‬هائل‭ ‬استولى‭ ‬على‭ ‬كياني،‭ ‬تخيَّلتُ‭ ‬ولدي‭ ‬تبارك‭ ‬بعمره‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت؛‭ ‬يقف‭ ‬أمامي‭ ‬ويلومني‭ ‬بنظرة‭ ‬حزينة،‭ ‬فهززتُ‭ ‬رأسي‭ ‬بعنف‭ ‬كمن‭ ‬ينفضُ‭ ‬كابوساً‭ ‬مفزعاً‭ ‬استولى‭ ‬عليه،‭ ‬لأخبر‭ ‬الهولندية‭ ‬بإصرارٍ‭ ‬احملي‭ ‬حقيبتك‭ ‬وغادري‭ ‬بيتي؛‭ ‬صُعقتْ‭ ‬الشقراء‭ ‬الهولندية‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬تصرُّفي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تتوقعه؛‭ ‬وهي‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬ناظري؛‭ ‬نظرت‭ ‬إِلى‭ ‬ذيلي‭ ‬الذي‭ ‬كنتُ‭ ‬قد‭ ‬قرَّرتُ‭ ‬أنْ‭ ‬ألعب‭ ‬به‭ ‬منتهزاً‭ ‬غياب‭ ‬أم‭ ‬الجهال؛‭ ‬فوجدتهُ‭ ‬مجرد‭ ‬ذيل‭ ‬من‭ ‬دخان؛‭ ‬وانهمر‭ ‬دمعي‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬العائلة‭.‬

يتبع‭…‬

حسن‭ ‬النواب