
بعد مضي يومين وجدتْ زوجتي نفسها مرغمة على بيع أساوراها الذهبية؛ لتهرع إِلى مكتب الحجز وتشتري بثمنها تذاكر السفر لها ولأبنتيَّ «حُسنى وعليا» حتى يسافروا إِلى البلاد نتيجة حدث طارئ، وبرغم شغف النساء بلمعان الذهب؛ غير أنها لم تتردَّد لحظة واحدة؛ وباعت أساورها الذهبية على إحدى العراقيات القادمات من مخيم رفحه؛ واشترتْ تلك التذاكر حتى تصل إِلى البصرة بأقرب طائرة؛ وترى والدها الطيب القلب وهو يصارع الموت وقبل أن يشطب عليه عزرائيل من دفتر الحياة، لحظات عصيبة وأنا أرى الطائرة لأول مرة بشكل مباشر وهي تقلع من أرضية مطار مدينة بيرث إِلى سماوات الله، ولا أدري كيف أمطرت السماء الأسترالية في ذلك الطقس اللاهب؛ ربما أسعفتني حتى لا يرى الناس عبراتي؛ وتذكَّرتُ شارلي شابلن الذي قال ذات مرة: أحبُّ التسكِّع تحت المطر حتى لا يرى الناس دموعي وأنا أبكي. ارتعدَ قلبي وصار يدقُّ مثل طبلٍ في موكبٍ حُسيني؛ فيما كان بصري يلاحق طائرة الخطوط القطرية التي صارت تبتعد عن مدامعي التي انهمرت بصمت، لم يبق معي إلا ولدي «تبارك»؛ وحين دخلت إِلى البيت هاجمتني غمامة سوداء وشعرت أنَّ رئتي تكاد تختنق من الوحشة، تجوَّلتُ في الغرف لأنظر بعين منكسرة إِلى طاولة صغيرة كانت تجلس عندها كل يوم ابنتي «عليا « وهي تؤدِّي واجباتها المدرسية ولترسم دمية كارتونية مغرمة بها تدعى « دورا «، لكنَّ أفكاري المخبولة سرعان ما ذهبت إلى دوّامة المغامرة والعبث؛ قلتُ في سريرتي تلك فرصتي الذهبية حتى ألعب بذيلي كما أشاء؛ سأقتنصُ كل يوم امرأة شهيَّة أقتل معها ساعات وحشتي بعد أنْ يغفو ولدي «تبارك « الذي عادة ما ينام بوقتٍ مبكِّرٍ، وأنَّ منال امرأة عابرة في هذا البلد؛ لهو أسهل بكثير من الحصول على جرعة ماء؛ وقلت أيضا تلك فرصةٌ لا تعوَّض حتى أجولُ حانات المدينة وأراقص النسوة الأستراليات والصينيات والفيتناميات والبرازيليات وحتى الهنديات والزنجيات. أجل لابد من حلاقة لحيتي عاجلاً وأشذِّبُ شاربيَّ وأبخُّ عطراً مثيراً وصارخاً على وجهي وملابسي، وأبدأ من الآن بهذه المغامرات الشيطانية التي حرمت منها بعد زواجي، وحين وقفت أمام المرآة قلت لنفسي لابد أنْ تجدِّد روحك أيها الشاعر المملوء بالرغبات المؤجلة، وتذكَّرتُ تلك الظهيرة التي ذهبت بها برفقة صديقي جاسم كمَّاش إِلى مضارب الغجر في إحدى ضواحي بغداد؛ وحين حانت فرصة ممارسة العاطفة الجسدية؛ أحجمتُ عن ذلك؛ لأطلب من صديقي أنْ ينوب عني بهذه المهمة؛ بينما تكفَّلتُ بدفع ثمن تلك الواقعة الجنسية من جيبي وسط استغراب صديقي؛ لأكتفي في تلك الرحلة الغجرية بكرع قناني الجِعة. ربما يظنُّ البعض أني أعاني من برودٍ جنسي؛ فأقول لهم إنَّ فحولتي بوسعها أنْ تواقع نخلة فارعة؛ غير أني أشعر بالذنب حين أحاول دعوة امرأة غريبة إِلى الفراش؛ لكني بهذه المرة قرَّرتُ أنْ ألعب بذيلي مهما كانت النتائج. وهكذا بعد أنْ تيقَّنتُ من منام ابني «تبارك» انطلقتُ خفافاً إِلى أقرب حانة لأقتنص حمامة ثملة إِلى فراشي، ولأترك تلك الحانة برفقة حسناء هولندية إِلى المنزل. كانت المرأة تقطرُ شهداً وجائعة؛ فجهَّزتُ لها وجبة سريعة؛ وحين حانت لحظة الدخول إِلى غرفة العسل، استيقظ ولدي تبارك وذهب إِلى الحمَّام، هواجس مخيفة حاصرتني وقلق هائل استولى على كياني، تخيَّلتُ ولدي تبارك بعمره الذي لم يتجاوز العشر سنوات في ذلك الوقت؛ يقف أمامي ويلومني بنظرة حزينة، فهززتُ رأسي بعنف كمن ينفضُ كابوساً مفزعاً استولى عليه، لأخبر الهولندية بإصرارٍ احملي حقيبتك وغادري بيتي؛ صُعقتْ الشقراء الهولندية تماماً من تصرُّفي الذي لم تتوقعه؛ وهي تغيب عن ناظري؛ نظرت إِلى ذيلي الذي كنتُ قد قرَّرتُ أنْ ألعب به منتهزاً غياب أم الجهال؛ فوجدتهُ مجرد ذيل من دخان؛ وانهمر دمعي على غياب العائلة.
يتبع…
حسن النواب
























