هوية الربيع العربي ـ علي محمد اليوسف

هوية الربيع العربي ـ علي محمد اليوسف
على أنقاض بعض انظمة الدكتاتورية التي كانت موزعة على جغرافيا الوطن العربي لمدة تزيد على نصف قرن جاءت ثورات الربيع العربي بخطابها السياسي الذي يروم استغفال الجماهير العربية صاحبة الحق الاوفر نضاليا في اسقاط تلك الانظمة. وبعد سرقة الثورة في اكثر من تجربة واحدة لصالح قوى واجندات رجعية، وبعد اعادة الجماهير الكرة ثانية ونزولها للشارع رافضة القبول والامتثال لنتيجة ومحصلة زائفة تتمثل في تجميد التاريخ النضالي الدامي لهذه الجماهير، وتسييسها بنصوص خطاب ماضوي يسعى الى اعادة الواقع السياسي الى اقسى من المثار ضده المطاح به، والعودة الى نقطة الصفر.
ولم يتجنب الخطاب السلطوي الجديد مطب الشعاراتية والوعود الكاذبة المفضوحة التي كانت سائدة في السابق فجاءت هذه المرة بخطاب التلاعب بالالفاظ وغموض المعاني والتأويلات والضبابية في اضاعة الاهداف المستقبلية المنشودة ديمقراطيا.
خطاب انظمة سلطة الربيع العربي الجديدة اوقعت نفسها والجماهير المناوئة لها في الشارع، في فوضى التعويض القاصر عن التنظير الايديولوجي للحزب الواحد وحكم الاستبداد، الذي مأسس المسوغات والطروحات السياسية الغرائبية في واقع الحضور الجماهيري، وفي اضاعة المنهج الديمقراطي في التطبيق العملاني، وتغييب المنجز والطموح المراد.
خطاب سلطات الربيع العربي لم تستفد من الدرس ولم تتجنب السقوط في براثن سرقة الثورات الشعبية، وبدلا من مد قدم واحدة الى الامام، نجدها تعود ركضا لاهثا للماضي والوراء. كما تريد استبدال عجزها ورجعيتها بتصويرها تمردات ثورات الربيع المتجددة حركات فوضوية غير منضبطة لا تريد العيش بنظام وقانون وسلام.
محاولات سلطات الربيع الجدد تريد استنساخ واسقاط تمرد الشارع على انها ادانة لمرحلة او مراحل من تاريخانية السياسة العربية الفاشلة التي سبقتها، في محاولة بائسة منها للاعلاء من شأن حكمها المتداعي، على انها تمثل البديل الشرعي الذي ارادته الجماهير، لتجد نفسها انها هي اصبحت بدورها مرحلة سلطوية انتقالية مهزوزة يتوجب تجاوزها، ولدتْ ميتة منذ سرقتها للثورة، وباتت صورتها ومؤسساتها تحتضر في الشارع العربي في غليانه الدائم، قبل انتحار الشارع في المواجهة معها.
تجارب الربيع العربي تختلف على مستوى الشارع وعلى مستوى السلطة ايضا، ففي دولة عربية او اكثر طالها الربيع العربي نجد ان السلطة الجديدة تشرعن وجودها الرجعي والشارع يتصدى لاسقاطها وتبديلها، وتجارب دول اخرى نجد فيها ان السلطة تريد شرعنة مؤسساتها الديمقراطية العلمانية الليبرالية التي تستوعب جميع اطياف المجتمع، والشارع تسيره اجندات احزاب سياسية رجعية تريد اسقاطها وتبديلها.
خطاب بعض سلطات الربيع العربي يتمثل في سعيها الغاشم باستغفال الجماهير ومحاولة اسقاط الماضي ليحكم الراهن والمستقبل، ولا تعترف بعودة نقدية او نظرة استشرافية لمراجعة المرحلة التي ثارت عليها الجماهير واسقطتها. وجلسوا هم على كراسي الحكم في غفلة من الزمن.
الخطاب السلطوي للربيع العربي لم يتمكن من تبيان او الاقدام على ما يستوجب الافادة الراهنية في تجاوز اخطاء المرحلة السابقة للحكم، او في استحضار منهاج حكومي ديمقراطي واضح يكون بديلا لتأسيس منظومات جديدة لمستقبل ديمقراطي مؤسساتي جديد.
خطاب بعض ثورات الربيع العربي سواء المسروقة، او المهضومة حقوقيا و جماهيرياً يصارع فيها الشارع من اجل التصحيح ثانية، وهو يمثل نزف ذاتي مجاني لكلا الجانبين، السلطة والشارع،يتم تبادل الادوار في توزيع الاتهامات والادانات والتهم كيفما اتفق وعلى راس من تقع، ونزيف الدم وتعطيل الحياة العامة الطبيعية جارية بلا توقف.
هذا النوع من الثوراتية المسروقة ذات النهج والخطاب غير العقلاني غير الوطني، غير التقويمي الاصلاحي هو خطاب تنتهي غاياته باختلاط شكلانية اللغة السياسية التي تطرح على الشعب من على المنابر، هذا الانحراف اخذ ويأخذ اليوم امتداداً غير محدود في المكان جغرافية الوطن العربي ، كما يأخذ امتدادا زمنياً بلا حدود تاريخيا من عمر الوطن العربي ايضا.
ليس كافياً كما جاءت تأكيدات سلطات الربيع العربي رغم التحفظ، ان مرحلة التفرد الاستبدادي الحاكم كأيدلوجيا وسلطة حاكمة انتهى لتمارس هي الدور ذاته، ولتسمح بنهوض بعض النظم العربية الهامشية الصغيرة في محاولة التخلص من الربيع القادم نحوها بالهروب الى الامام والتدخل في شؤون الاخرين في تقديم المساعدة لانظمة الربيع بالمال والسلاح والدعم اللوجستي والإعلامي غير المحدود في التغطية على سوءات سرقة الثورة من ايدي الثوار الحقيقيين ليتم استبدال نظرية المؤامرة الأجنبية التي اعتدناها سابقا، بانبثاق نظرية تآمر جديدة قديمة هي نظرية مؤامرة العرب ضد العرب وتشجيع الدول المجاورة والمحاددة للوطن العربي في التدخل في الشؤون العربية بدلا من التدخل الاجنبي الامريكي او الانكليزي الذي انتهى زمنه، ربما ظاهريا فقط بالنسبة لبعض الانظمة العربية اذ في الوقت نفسه تتواجد القواعد العسكرية والاساطيل الامريكية الحربية على اراضي وفي مياه دول الخليج بلا استثناء، وفي تركيا ايضا.
اليوم تلعب القوى الرجعية لتأجيج الشارع بالعاطفة والشعارات التضليلية، وايقاد شعلة تسخير الدين وسيلة لا تكيل بميزان العقل عندها ولا بميزان الدين الحقيقي بل تسوغ وتشرعن نزعة الفوضى والتهور العاطفي والنفخ في ايقاد نيران بعض الموروث البالي واشعال جذوة اتقاده الهدام. واثارة الطائفية تمهيدا للتقسيم المرتقب لاغلب البلدان العربية.
كانت انظمة الاستبداد المطاح بها والاخرى التي لا زالت على قيد الحياة، كي تتخلص من عبء الادانة والمسؤولية الذاتية ومحاسبة شعوبها، تختزل كل الحياة العربية في تبشيع النموذج الديمقراطي الليبرالي العلماني شعبيا من خلال اسقاط ظاهرة العدو المصنع كما كان سائدا قبل اكثر من قرن مضى، على انه هو علة وسبب مآسي الشعوب العربية.
ونجد بعض انظمة الاستبداد الباقية التي لم يطلها الربيع العربي تلفت الانظار بسيناريو جديد يختزل مفهوم المعاصرة والنظم الليبرالية الديمقراطية في عبارة تضليلية موجزة مبتذلة تقوم على ان النظام العالمي الجديد يروم صهر وادماج اقتصادات وسياسات وثقافات وهويات العالم العربي بالخصوص في مصهر القطب الواحد امريكا او الاقطاب الثانوية المستنسخة المتنفذة دوليا بريطانيا، فرنسا، روسيا… الخ . أي هيمنة العولمة ودورها في الغاء الهوية الوطنية للشعوب ومنها الهوية العربية، ولا علاقة للحاكم بالهوية الوطنية لانها مغيبة اساسا باستبداده وظلمه، وتداول المفهوم العولمي الاقصائي والتذويبي للهوية من قبل اعلام نظام الحكم، انما هي كلمة حق يراد بها باطل حينما يكون هذا التصنيع للخصم وسيلة الهاء الشعوب عن المطالبة بحقوقها من جهة، ووسيلة الحاكم في بقائه غير الديمقراطي التسلطي على كرسي الحكم لعقود طويلة.بعبارة اوضح ان ذلك يعني تطبيق نظرية المؤامرة بابشع صورة قهرية للشعوب العربية.
ننسى احيانا كعرب، اننا اضعنا هويتنا الحضارية، واصالتنا الانسانية التي نحاول اليوم او هكذا يبدو لنا استحضارها باستماتة بوسائل فوضوية عدوانية واساليب غير ديمقراطية ولا حضارية، في مواجهتنا لعدو استجاب لتصنيعنا له من قبلنا، فاخذ يمارس الدور علينا. اليوم من السذاجة السياسية انكار وجود توجهات امريكية ــ تركية ــ وخليجية تتجه نحو اضعاف وتقسيم بلدان مثل العراق، سوريا، مصر، ايران، البحرين، اليمن،اندنوسيا، باكستان، وتغذية التمردات العرقية الطائفية في هذه البلدان وتمزيقها الى امارات صغيرة.
ناسين ان الهوية الحضارية العربية يكون حضورها وانبعاثها ذاتيا بالدرجة الاولى، ولايوجد من سلبنا اياها على الاقل في حاضرنا المعاصر كي نقوم الان بانتزاعها منه بالقوة الغاشمة والعنف الدموي. هويتنا كحضور تاريخي حضاري فقدناها منذ ما يزيد على ألف عام بعوامل ذاتية واخرى موضوعية، منذ سقوط بغداد العباسية سنة 1258 م واخراج العرب من الاندلس. كانت ولا زالت تلك العوامل في تغير مستمر على الدوام، بمعنى ان اضاعة تأصيل هويتنا العربية، وتركيع رغبة الطموح والتفاؤل في شخصيتنا الحضارية كأمة تمتلك كل مقومات النهوض، تواجهها كوابح ومعيقات الوقوف وسط العصر اليوم، لم نضعها في الماضي، ولن نضيعها في المستقبل باستهدافنا خارجيا اجنبيا فقط، ولا نقلل من تأثير العوامل الخارجية الكبير كـ كوابح معيقة لتقدمنا. بل هي أي العوامل الخارجية من الممكن ان تكون في نفس الوقت عوامل تحفيز لمعرفة ومراجعة وبناء الذات الحضارية لنا. نرى ان يكون التأثير الاكبر في ان نبحث باخلاص عن مرتكزات بناء شخصيتنا المعاصرة في ذواتنا وفي امكانياتنا قبل البحث عن تلك المرتكزات في تصنيع الخصوم الدائميين لنا.
كما ان خطاب اليوم الواسع الانتشار الذي يرى البعض فيه ضرورة التسليم بقدرية غيبية، تصل الى الاخذ بها بتطرف اعمى ونكون فيها وصلنا وسنبقى لاجيال قادمة وحقب تاريخية طويلة محشورين في نفق لا ضوء في نهايته، ندخله بملئ إرادتنا ليقودنا الى متاهة الضياع الدائم خارج فاعلية التاريخ الانساني المتقادم من حولنا بلا توقف.
AZP07