هوليود .. التجاهل المريب لحضارة بلاد النهرين

 

عبد الجبار خضير عباس

 

دأبت السينما في هوليود وأوروبا على التعتيم والتهميش والاقصاء المتعمد لحضارة وادي الرافدين، فثمة تحايل وتهميش ممنهج. لحجب أقدم وأهم حضارة عن عيون العالم، أو بالأحرى مصادرة دورها الذي تستحقه بوصفها مهدًا للفكر والنظام والقانون والتعليم والدين والكتابة…، لا كما يظهرونه بأنه منشأ الجور والطغيان والوثنية…وذلك يأتي ربما بسبب الخلفية التأريخية المقرونة بالسبي الآشوري والبابلي لليهود، إذ إنه في العام (722ق.م) اقتحم جيش الإمبراطورية الآشورية مملكة إسرائيل، وعاصمتها السامرة بقيادة سرجون الأكدي، وأسر وسبى منهم أكثر من 27 ألفًا ساقوهم مشيًا على الأقدام. ثم تبع ذلك ما يعرف بالسبي البابلي في العام (586) بقيادة نبوخذ نصر حيث انتصر على مملكة يهوذا ودمر عاصمتها القدس بالكامل وكذلك الهيكل، وسبى وأسر منهم زهاء 25 ألف أسير جلبهم أيضًا سيرًا على الأقدام إلى بابل.

هذه الأحداث تشكل في الذاكرة اليهودية والمسيحية فاجعة مهولة وكارثة دينية وقومية، لذلك نرى ذكر بابل يأتي مقرونًا بالخراب والدمار والكفر وعبادة الأوثان، وأنها أرض الزانيات والخلاعة، وبابل أرض الشر وأورشليم تمثل الخير، وبرج بابل هو تحدي للإله، كي يفرغ من عظمته الحضارية والمعمارية. واختفت حضارة سومر وأكد وآشور وبابل في غياهب مكر السرديات اليهودية الدينية والأدبية، الأمر الذي انعكس على النتاج السينمائي والفني والأدبي الأوروبي الذي يحاكي سرديات التوراة، وإن ظهرت فالحديث عن بابل فهي مدينة الزانيات والغواية! لا بوصفها تشكل الثقل الأكبر في الحضارة الإنسانية. وهذا ما يفسر ابتعاد هوليود عنها، ولم يأتِ ذكرها بحسب متابعتنا في إنتاج هوليود الهائل من الأفلام سوى فلمين، أتت دعمًا للرؤية التوراتية والمسيحية في الإشارة العابرة والسطحية لبابل وآشور وعلى النحو الآتي:

الفلم الأول (الكتاب المقدس: في البداية… 1966) يشير الى قصص سفر التكوين مثل قصة النبي إبراهيم، ونوح وإشارات إلى بابل وبرجها (برج بابل) وبوصفها مدينة، وليست حضارة عظيمة لها ثقلها، وهناك إشارة لطوفان، وكل ذلك على وفق الرؤية التوراتي.
الفيلم الثاني (ليلة واحدة مع الملك.. العام 2006) الفلم يمثل قصة إستر في التوراة، التي تمكنت من أن تكون الملكة لبلاد فارس، وأنقذت شعبها من مؤامرة إبادتهم، وثمة إشارات عن الآشوريين والبابليين كما تصورهم التوراة. لكن هوليود لم تبق حكاية أو قصة أسطورية في الإلياذة والإنياذة والأوديسا إلا وانتجت منها أفلامًا عظيمة، مثل فيلم (طروادة- (Troy إنتاج العام 2004، ويعد من أهم الأفلام التي تناولت حرب طروادة الأسطورية، من ملحمة “الإلياذة” لهوميروس، ومن أشهر من مثل في الفلم براد بيت بدور أخيل وإريك بانا بدور هيكتور وغيرها من الأفلام، وعلى الرغم من أن حكاياتها مأخوذة من حضارة وادي الرافدين مثل هرقل الذي يحاكي گلگامش.

لكن حين يتعلق الأمر بالحضارة المصرية فثمة العشرات من الأفلام، مثل: الوصايا العشر (The Ten Commandments) (1956)مومياء (The Mummy) (1999): الملك العقرب (The Scorpion King) (2002): وغيرها من الأفلام تجاوز عددها 160 فلمًا منها ما قدم بأجزاء أو أعادوا انتاجه، ولكن ما يثير الدهشة والغرابة هو على مدار عشرات السنين من العام 1889 إلى 2015 حيث قدمت هوليوود آخر نسخة عن كليوباترا بعنوان (انتوني وكليو باترا) إخراج جاري جريفين. فبلغ عدد الأفلام بشأن شخصية كليوباترا زهاء 16 فلمًا، السؤال الكبير لماذا الإصرار على هذا الفلم حصرًا؟ واختزال عظمة الحضارة المصرية بهذه الرمزية حيث تفوق الشخصية الغربية إروكيًا بوصفها العنصر الإيجابي في العملية، لإحداث حالة توازن تعويضي!

عمومًا هذا التجاهل ليس محض مؤامرة ثقافية، بل هو أشبه بآلية دفاع جماعية تحاول أن تحمي نفسها من شعور بالذنب عميق تجاه الشرق، الذي كان بمثابة الأب القوي أو الأبوي. فالغرب نشأ وكأنه ابن مستقل بعدما (قتل) هذا الأب في ذاكرته بشكل رمزي. الأمر الذي نلاحظه أن حضارات مثل سومر، وبابل، وآشور تختفي من الأفلام الغربية، فهذا ليس حذفًا عابرًا، بل هو إعادة قتل لهذا الأب الرمزي، الأب الذي يذكر الغرب بأصوله الدونية إزاء الشرق.