

د. زهير ياسين شليبه
لا بدّ من القول إن للمغرب خصوصية في حياتي حيث أقمت فيه لبضعة شهور قبل أكثر من ثلاثة عقود، اطلعتُ خلالها على بعض النتاجات الأدبية وفكرتُ الكتابة عن انطباعاتي العامة عنها، وإعداد هذه المادة المتواضعة عن التصوف في هذا البلد الجميل وحضوره في الأعمال السردية المغربية.
تتميز منطقة شمال أفريقيا عامة، والمغرب بخاصّةٍ بترسخ الصوفية، ولهذا نلاحظ حضورَها في أدبه الغني كونه بلداً محافظاً على تقاليدها، “التراثية” يجمع بين ممارساتها الروحية المجتمعية ووجودها الفكري. فالمجتمع المغربي معروف بتراثه الصوفي العريق وفرقه الصوفية المتعددة مثل القادرية والتيجانية والدرقاوية والبودشيشية وتقاليده وسماحة تديّن أفراده وتعاملهم الاجتماعي. ولا ضرورة للمرء أن يقيم فيه فترةً طويلة ليتأكد من صحة انطباعنا هذا. وقد سنحت لي أثناء إقامتي في هذا البلد المسالم فرصة التعرف على مواطنين مغاربة خلال مهرجاناتهم الصوفية الخاصة بهم مرتدين أزيائهم البيضاء النظيفة، وتحدثت إليهم، ولاحظت حقاً حضور التصوف في المجتمع من خلال سلوك أغلب أفراد المجتمع المغربي عن وعيٍ أو بالفطرة!
ولهذا عندما ظهر النوع الروائي في الأدب المغربي (منذ منتصف القرن العشرين) وجد بعض الكتّاب المغاربة الأوائل أنفسهم يتنفسون بالمفاهيم الصوفية ودلالاتها الرمزية بسبب ترسخها في مجتمعهم، الذي يكرسون رواياتهم لتصويره.
وهكذا، نلاحظ أن بعض الروايات الأولى تصور شخصيات تاريخية صوفية مثل بن عربي، وأخرى مغربية بلغة صوفية تتسم بالرموز والرحلة والكشف والحجاب، والمجازية التي تحاكي “الإشارات” الصوفية، فضلاً عن تجسيد التجربة الصوفية من خلال سفرة شخصية أو مشتركة نحو المعرفة أو الخلاص عبر مسارات تشبه المقامات والأحوال الصوفية. كذلك عمل بعض الكتّاب الأوائل ليس في المغرب فحسب، بل في بلدان شرقية عديدة، على توظيف التصوف كمجال لمعارضة سلطاتهم وفضح الواقع الفاسد بشكل غير مباشر.
تبرز هنا أعمال محمد شكري الواقعية الأولى ذات البعد الثقافي المغربي البسيط، الذي يعكس تطور السرد آنذاك، وبعض نتاجات الطاهر بن جلّون التي صورت أجواءَ صوفيةً لها علاقة بالخيال الشعبي.
أخيراً، لا بد من الإشارة إلى عمل روائي صوفي للكاتب أحمد التوفيق “جارات موسى” الغنية عن التعريف هي ومؤلفها وزير أوقاف سابق.
ولا بدّ من الإشارة إلى رواية “الزاوية” 1943 لمؤلفها التهامي الوزّاني كمثال قوي وواضح للاسترشاد الصوفي في السرد الروائي لاعتماد كاتبها على تجربته الشخصية الصوفية كما يبدو من عنوان الرواية، وسيرته وطفولته في تطوان. ونشير هنا إلى أن هذه الرواية فازت بجائزة كتارا لعام 2024 واعتبرته مؤسستُها شخصيةَ العام.
إضافة إلى الكاتبين المعروفين مبارك ربيع ومحمد برادة وحسن أوريد حيث تمارس بعض عناصر الصوفية مثل اللغة والرؤية لدى كل منهم بنسب متنوعة وطرق مختلفة. الأمر ذاته يمكن قوله عن نتاجات الروائية الدكتورة لطيفة حليم، التي سنشير إليها لاحقاً، وقد نتطرّق إليها في مناسبة أخرى. هناك من يرى أن توجّه الروائيين نحو موضوعات التصوف أعانهم في تحقيق مستوى أعلى من الفنية السردية من خلال الرمز والإيحاء بدلاً من الأسلوب التعليمي الوعظي المباشر.
كل هذا التحول النوعي في السرديات المغربية “الصوفية” أدّى إلى إضفاء بعد كوني جعل تجربة التصوف المغربية جزءًا من أسئلة إنسانية كبرى حول “الروح والوجود والحقيقة”، مما يؤدي إلى الحوار بين الماضي والحاضر أو “المصالحة” بينهما من خلال “استدعاء الموروث الصوفي لمساءلة الحاضر”. أو عدم كشف زيف الواقع تجنباً من الوقوع تحت سلطة الحاضر وقوانينها!
وبرزت ملامح صوفية في اعمال الروائية المغربية الدكتورة لطيفة حليم، وكتبت الناقدة والشاعرة منيرة مصباح عن كتابها “دنيا جات” رواية المرأة المغربية. وتناولت الصديقة الروائية والناقدة والناشطة الثقافية والمترجمة المغربية المقيمة في النرويج الأستاذة زكيه خيرهم روايات لطيفه حليم الثلاث: “نيران طرفي النهار”، “دنيا جات”، و”نهاران”.
وأنا أرى أن استخدام الدكتورة لطيفة حليم الدارجة في الرواية، وبالذات التي تركز على تصوير موضوعات تراثية موروثة بما فيها الصوفية، له اهمية كبيرة في فنّية العمل الأدبي. تعتمد فنيّة الرواية على مدى قدرة الكاتب على تصوير” البطل الخاص” الذي تدور حوله الشخصيات الأخرى. ولهذا تلعب اللهجة هنا، ومفهوم باختين عن “لغة الساعات اليومية” دوراً مهماً في ديناميكية السرد الروائي.
وهذا ما لاحظته من قراءتي لفصل من رواية لطيفة حليم “أمولاي يعقوب”، الذي تذكر فيه أمولاي عبد القادر الجيلاني أمولاي بغداد. أنظر: الفصل الأول من رواية دنياجات. ٢٠٢٥ منشورات الزاوية، الرباط المغرب.
نلاحظ هنا حضور الفكر الصوفي في الثقافة المغربية الذي يجسد ايضاً العلاقات الثقافية والاجتماعية بين بغداد ومكناس. وقد نعود للحديث عن هذه الموضوعة بتفصيل أكثر في مناسبة أخرى
ويمكن القول إن تعدد الدراسات الأكاديمية (بما فيها الأطاريح الجامعية) المكرسة لموضوعة “الصوفية في الرواية المغربية” دليل كبير ودامغ على أهميتها في الأدب المغربي.
وأوردُ هنا قائمة ببعض المراجع والدراسات المحكّمة لتتضح فكرتنا للقارئ، ولا يعني أننا نكر وجود التصوف في الرواية في الآداب لعربية الأخرى، لكنها في بلدان المغرب العربي أكثر حضوراً من الشرق:
– “البُعْد الصّوفي في الرواية المغربية” – فريد أمعضشو
يستعرض الكاتب فريد أمعضشو حضور الصوفية باعتبارها مظهرًا من مظاهر حداثة الرواية المغربية الجديدة، ويبرز رمزية اللغة والتداخل بين الرؤيتين الصوفية والشعرية في الروايات.
– “الصوفي في الروائي” – محمد أدادا
يرى الناقد محمد أدادا أن التجربة الصوفية تُشكّل منبعًا غنياً لتوليد بعد شعري في الكتابة الروائية المغربية المعاصرة.
– يشدّد على استخدام المعجم الصوفي كالحب والكشف والباطن) ويُبرز روايات مثل “شجرة الخلاطة” لكاتبها الراحل المتواضع والدمث الخلق الدكتور الميلودي شغموم الذي التقيته شخصيا في الرباط عند إقامتي القصيرة في المغرب كما ذكرتُ، وأهداني كتابَه “مربط الفرس”.
ولا بدّ من الإشارة إلى رواية “الزاوية” 1943 لمؤلفها التهامي الوزّاني كمثال قوي وواضح للاسترشاد الصوفي في السرد الروائي لاعتماد كاتبها على تجربته الشخصية الصوفية كما يبدو من عنوان الرواية، وسيرته وطفولته في تطوان. ونشير هنا إلى أن هذه الرواية فازت بجائزة كتارا لعام 2024 واعتبرته مؤسستُها شخصيةَ العام.
– “الخطاب الصوفي في الرواية المغربية: أحمد التوفيق نموذجاً” دراسة مهمة ومحكمة للباحث عبد الكريم فاضل. 2014، ضمن أعمال ندوة “التصوف وخطابات المثقف”، يفصّل كيف يستخدم أحمد التوفيق المصطلحات الصوفية كالكشف والكرامات بلغة روائية تستمد قوتها من اللغة التراثية.
– “الرواية والتصوف: “الأطلسي التائه” للروائي مصطفى لغتيري” – للباحثة خديجة الحنافي
كتاب نقدي صدر مؤخرًا (2024) يحلل رواية الأطلسي التائه (2015) من منظور تجليات التصوف في السرد، ويجعلها نموذجًا بارزًا في الرواية المغربية المعاصرة.
– “السرد والعرفان: مقاربة للتجليات الصوفية في الرواية العربية”– عبد الرحيم أخيلأراب 2023
دراسة علمية في مجلة L’Archétype تربط بين الرواية والعرفان، وتشرح الخصائص الفنية المشتركة مثل اللغة الرمزية المركّبة، وإسناد المعنى عبر القلب والإشارات والتاريخ الثقافي العام.\
– “تجليات التصوف في الرواية المغربية” – عبد اللطيف حسو 2022 كتاب نقدي يكشف عن الغنى الدلالي للصوفية ضمن الرواية المغربية.
– “الحركة الصوفية وأثرها في أدب الصحراء المغربية 1800–1956” لمؤلفها الدكتور محمد الظريف 2002
هذه دراسة بيبليوغرافية مهمة للغاية كونها تغطي تأثير التصوف على الأدب في منطقة الصحراء المغربية خلال الفترة التاريخية المذكورة.
– مقال: “الأدب الصوفي في المغرب من خلال بعض أعمال الدكتور عبد الوهاب الفيلالي”
يستعرض الخصائص الفنية والإبداعية للأدب الصوفي المغربي، من حيث استخدام اللغة والتصوير الجمالي والتوثيق التاريخي، ضمن سياق واسع.
الهوامش:
نورد هنا بعض المعلومات المهمة بالذات للقارئ غير المغربي عن رواية “جارات أبي موسى” رواية تاريخيّة صوفيّة للكاتب والمؤرخ المغربي أحمد التوفيق، تسلط الضوء على القرن 14، باعتبارها باكورة السرد المغربي المكرس للتصوّف ولكونها “تستعرض الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وتعكس التحولات” التي شهدها المغرب آنذاك. فضلاً عن تحويلها إلى فيلم سينمائي تاريخي من إخراج محمد التازي سنة 2003.
تتميز هذه الرواية ببنية سجليّة حكائية: يبدأ السرد بمخطوط يروي وقائع “فندق الزيت” ثم ينتقل إلى صوت راوٍ عليم يتقصّى أخبار الأبطال، ممّا يمزج التوثيق بالتخييل. ولغة بوليفونية تتكون من ثلاثة مستويات: فصيحة تقليدية، عبارات عاميّة مغربية، ومفردات أندلسية—تُثري الإيقاع وتُرسِّخ طابع القرن 14.
ولهذا اعتُبرت هذه الرواية تجديدًا لنمط “الحوليات” الصوفيّة في قالب روائي معاصر، إذ تدمج التاريخ بالأدب الشعبي. رآها ناقدو الداخل محاولةً “لإعادة كتابة التاريخ المغيَّب عن الهامش الاجتماعي”، بينما أشاد آخرون بقدرتها على بعث الحسّ الصوفي بعيدًا عن الرومنسية الشرقية المألوفة.
يرسم “أحمد التوفيق” شخصية “أبو موسى” بهدوءٍ وتأنٍ، إنه الرجل الزاهد في الدنيا، المتعبد، صاحب الكرامات التي يوظفها لخدمة المظلومين، ومساعدة المحتاجين، وإليه تنسب أمور عجائبية يتناقلها الناس فيما بينهم، ويؤمنون بها. تُبرز الرواية كذلك الصراع بين الفقه الرسمي الذي يتبنى السلطة السياسية ويحد من مجال الروحانيات الفردية، وبين التصوف المتحرّر الذي يمثّل صوتًا هامشيًا يعبر عن رغبة في التحرر من القيود السلطوية والاجتماعية.
صدرت الطبعة الأولى من رواية جارات أبي موسى عن منشورات الزمن، الرباط، ١٩٩٧، وحققت منذ ذلك الحين حضورًا لافتًا في المشهد الأدبي المغربي والعربي، نظرًا لما تمزج به من كتابة سردية تاريخية ذات بعد صوفي عميق.
في سنة 1999، تُرجمت الرواية إلى اللغة الفرنسية بعنوان Les Voisines d’Abou Moussa، وصدرت عن دار النشر إيديف (EDDIF) في الدار البيضاء، ضمن مشروع يهدف إلى التعريف بالأدب المغربي المكتوب بالعربية داخل الأوساط الفرنكفونية.
أما الترجمة الإنجليزية، فقد ظهرت سنة 2006 تحت عنوان Abu Musa’s Women Neighbors عن دار Post-Apollo Press بكاليفورنيا، وهي دار معروفة بنشر الأدب التجريبي والكتابات المغايرة. أنجزت الترجمة الباحثة حياة بالحاج حسن، وراجعها المستعرب الأمريكي روجر ألن، والأكاديمية الأنثروبولوجية ستفانيا باندولفو، المختصة في الثقافة الصوفية بالمغرب.
“توسّطت جارات أبي موسى—إلى جانب “شجيرات لبلقيس” لمحمد برادة و”الأولياء” لعبد الكريم غلاب—مسارًا جديدًا للرواية التاريخية بالمغرب، إذ قدّمت التاريخ بوصفه مختبرًا لتفكيك الراهن: الفساد، تهميش النساء، واحتكار الخطاب الديني. بحمولتها الصوفية وحسّها التأريخي، تبقى الرواية مرجعًا أدبيًا لاستكشاف القرن المريني الرابع عشر، وعتبةً لقراءة جدليّة المغرب بين “الباطن الروحي” و”الظاهر السلطوي”. أنظر بالتفصيل عن هذه الرواية في ويكيبيديا.
























