همسُ الأصابع .. شعرية الأحاسيس

همسُ الأصابع .. شعرية الأحاسيس

حزن أليف يتدفق شعراً عذباً

طلال سالم الحديثي

لعل القصيدة الأخيرة التي عنوانها ( ضياعٌ مرير ) هي أفضل مدخل_ كما أحسب _ إلى قراءة مجموعة ( همس الأصابع ) للشاعرة السورية هند مرشد .هذه المجموعة يتأسس نصها الشعري على قيمة جمالية واحدة في المقام الأول هي جمالية نبض الوجدان ، ولكن هذا لايؤدي إلى أن تكون قصائدها على وتيرة واحدة ، أو منحى واحد أو موضوع حسي واحد أيضاً ، فقد يُحشَر الكون كله في قيمة واحدة ، ولتكن قيمة الجميل إفتراضاً في نص ما ، كما قد تستنفذ الوردة تلك القيمة في نصٍ آخر. فإن كون النص الشعري يقوم على قيمة واحدة، ليس معناه التضييق على الشعر الغنائي، بل معناه التعميق في القيمة تعبيرياً وتلقائياً . (1)وللشعرية ركائز محددة لملامح الهوية الإبداعية هي باختصار: ركيزة الإيقاع الموسيقي ، وركيزة ( اللغة ) وبمعنى أدق ( اللغة الشعرية ) التي هدفها نوصيل ذاتها بكل طاقاتها الجمالية ، وركيزة ( التخيل )، أي الطاقة الداخلية المُنتجة للتوهم أو التوقع بكل توابعها البلاغية من المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه ، وركيزة ( المعنى ) التي أهميتها ليست أهمية ذاتية ، وإنما أهمية المعنى في كيفية إنتاجه . ( 2)القصيدة الأخيرة في مجوعة هند مرشد ( همس الأصابع ) هي القصيدة رقم (125) من عدد قصائد المجموعة، وهذه القصيدة تحمل في طياتها معاناة الذات الشاعرة في رحلتها المريرة عبر سنين العمر، تلك المعاناة التي تتابعت فصولها وانعكاساتها على النفس الشاعرة التي تلاشى منها الفرح وغاصت في معترك الغربة والقلق .

تقول :

أين رحلتْ

تلك الابتسامات التي

اعتادت أنْ ترتسم

على وجوهنا ؟!!

كيف تلاشى فرحنا

وغدتْ أيامنا

غائصة في العراك

والغربةِ والقلق ؟!

هذه الأيام الغائصة في معترك الغربة والقلق، كانت يوماً :

عطرُك العالقُ

في خصلاتِ شعري

بقايا أنفاسك

تُحاصرُ شفتي

لمْ نُكمِل

رقصتنا بعد

فإذن مابين ( رقصة الفرح ) و( أنين الألم ) تتكاثف الأحاسيس لترسم لنا فصول معاناة النفس الشاعرة لتتدفق معطياتها وتُضَّخم الحزن الفردي الناجم عن تحطم حلم واجترار المرة بما يوحي بانكسار الذات ، ولكنه حزن أليف يشكِّل عزاءً لنفسٍ مفجوعة .هنا يمكن أن نقول: إنه حزن رومانسي هو مجلى للذات التي تكتوي بالفقد ، ومن هنا يبرز الخيال كقوة خلاقة بدفق عاطفي فيه صوت الألم وشحنة الحزن ، وهكذا يأتي الخيال على هيئة شعرية قادرة على التوليد المثمر لجمالية النص.

تقول في نص لها بعنوان ( غيرة ):

من فرط / شوقي إليك / غارَ القمر!! / لمْ يغازلني الليلة/ وسريري هجر/ توارى/ خلف الغيمات / يختلسُ النظر !!/ وحين غفوتُ / لملمَ نجماته / أطفأ نوافذ السهر / منْ فمي / سرق قبلةً / وعلى شفتي انتحر .الخيال هنا كما لو كان يُعيد المرء إلى ذاته ، تلك النظرة التي كان قد وجهها نحو شيء معين ، أو هو المركب الأدائي الذي يوجه بحيث يعمل كمرآة غير مرئية للذات الشعرية .وإذا كانت القصيدة _ أية قصيدة _ يحكمها تشكيلان، داخلي يتمثل لأدائها التشكيلي  بالعناصر التصويرية والآليات التي يتبعها الشاعر في رسم فكرته بالكلمات ، وخارجي يتمثل بالوزن والقافية والشكل الإيقاعي الذي تتخذه القصيدة لتترجم انفعالات الشاعر وتؤثر في المتلقي، فلا بد أن يتكاملا لبناء قصيدة ذات قيمة فنية ومعنوية ، فإن نصوص الشاعرة هند مرشد أبرزت بشكل واضح صوراً شعرية نابضة بمعطيات الفن كهذه الصورة :

أُلملمُ أشلاء حلمي

من بقايا نُعاس !!

فأسمعُ

همسَ أصابعك

تثرثرُ فوق جسدي

الصورة الشعرية هنا تتجلى فيها جمالية التعبير ودهشتها ومضمار استقطابها لذوق المتلقي التي تكمن في طريقة تعبيرها وأسلوب تشكيلها واستقطابها لأداتها التشكيلية وتوظيفها في خدمة المغزى الدلالي الكامن وراءها أو الخلفية التي ولدَّت هذا الشكل الإبداعي.

ولا أشكُ في ختام هذه القراءة الموجزة في شعر الشاعرة هند مرشد أن الشكل الإيقاعي في قصائدها قد تحقق في أغلب نصوصها من خلال ترجمته لانفعالاتها ، واستطاعت من خلاله أنْ توَّثق صلة المُتلقي بنصوصها الشعرية المتدفقة بأحاسيسها العذبة رغم مرارة الأحزان .

وأملي أنْ يستطيع قراء شعرها تذوق منابع العذوبة في نصوصها الشعرية وأن يصلوا إلى منابت الدهشة في صورها ، وذلك حسبي .

! )المدخل إلى التجربة الجمالية ، د. سعد الدين كليب ، دمشق 2011 صفحة 120 ومابعدها .

2) تحولات اللغة الشعرية الجديدة ، د. محمد عبد المطلب ، مهرجان القوين الثاني عشر 2005/ الكويت