هل يستحق العلامة شاكر خصباك هذا الإهمال ؟

 هل يستحق العلامة شاكر خصباك هذا الإهمال ؟

وقفة قصيرة أمام مبدع غزير الإنتاج

حسين سرمك حسن

 هذه “إشارة” كتبتها في موقع الناقد العراقي الذي أشرف عليه منذ عام 2009 :

(إشارة :

بعد أن أكمل الناقد حسين سرمك حسن مخطوطة كتابه …شاكر خصباك وفن البساطة المركّبة وأرسله إلى خصباك للإطلاع عليه، فوجيء بأن الأستاذ خصباك – ولأول مرة – لا يرد على رسائله برغم تكرارها. ثم جاءت الرسالة المريرة من الولايات المتحدة، من الدكتور ثامر نجم عبد الله، لتخبرنا أن الدكتور شاكر خصباك الذي لعبت به يد المنافي الظالمة من اليمن إلى الولايات المتحدة قد أصيب بفقدان الذاكرة بعد وصوله الأرض المشؤومة. هل سيرحل عنا خصباك وحيدا وغريبا وبلا وداع ومن دون رعاية ؟ هذا ما نتوقعه للأسف في زمن الخراب العراقي هذا. وفاء لهذا المبدع الكبير والأصيل تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر ملفها عنه).

وبدأنا بنشر الحلقة الأولى من الملف في الموقع وكانت للأستاذ عبد الجبار نوري وعنوانها : “البروفيسور شاكر خصباك وزمن العتمة والخراب العراقي” نقلا عن صحيفة المثقف في عددها الصادر يوم 19/آذار/2017 ومما جاء فيها قوله المرير والمؤثر :

(ثمة خاطرة مُرّةٍ تجيشُ في صدري وتؤرقني  لماذا نحتفي بالفارس بعد ترجلهِ ؟ ورحيلهِ الأبدي ! وربما أستفز حكام ما بعد الأحتلال الذين يقبعون في بروجهم العاجية في فردوسهم المخملي الأخضر والمحاطين بوعاظ السلاطين من أمراء البذخ، وربما ثقيلٌ عليّ أن أقول كلمة وداعاً يا بروفيسورنا الذي أعطيت للوطن 60 عاما من عمرك وزمنك ولم تأخذ منهُ شيئاً، وعتابي كمواطن عراقي بتساؤل مشروع أين الحكومة ؟ ومؤسساتها الثقافية، وأتحاد الأدباء العراق، ونقابة الصحفيين، وأين الوطن ليستذكر هذه القامة العلمية والثقافية الموسوعية، وأين هم من شاكر خصباك العلامة الحيّ الميت المبدع ونتاجاته العلمية والثقافية والتي أتخم بها خزانة الذاكرة العراقية، واليوم قد شبع من الترحال، غاصاً من كأس عذابات المنافي والغربة، التي فيها موتاً مجانياً يومياّ عبر شهيق هوائها المزكوم في الوقت الضائع لتلك اللعبة الزمنية في محطة الشيخوخة اللعينة، وعطلاتها العديدة، وأن فارسنا قد ترجل، وها هو يمشي في طريق الرحيل الأبدي، وعندها نمجّد الفارس عندما يكبوا حصانه ويترجل ليودعنا، وتقوم حينها قيامة إعلان الحداد، وأظهار الرياء والمسكنة على موت تلك القامة التي كانت يوماً من رموز الثقافة الكبار، وأحد ركائز التراث العراقي شأنه شأن الرموز العلمية والثقافية والفنية).

وحين أعيد ما قلته عن نخلة العراق المبدعة الطريحة الآن ؛ أستاذي العلّأمة شاكر خصباك، فلهدف واحد فقط هو مخاطبة أولادي وأقرانهم وحثهم على الوفاء والاحترام لأساتذتهم من مبدعي العراق حين يكونون في موقع المسؤولية يوما ما من ناحية ولأثبّت على صفحة التاريخ هذه المأساة “العراقية” بامتياز عن بلاد صارت قطة تأكل أبناءها “رسميا” لا شعبيا لأن أوفى شعب في العالم هو شعب العراق وأحقر ناكر جميل في الكون هو حكومات العراق من ناحية أخرى.

قلتُ آنذاك:

(يبدو أن الأشقاء اليمنيين ، مشكورين ، أكثر تحمّسا للإبداع العراقي من المؤسسات الثقافية العراقية . فلولاهم لما اهتم أحدٌ بمبدع عراقي كبير أهملناه مثل شاكر خصباك . فقد قاموا مؤخرا بإصدار المؤلفات الإبداعية لخصباك في ثمانية مجلدات أنيقة ، ضمّت قصصه ورواياته ومسرحياته ومقالاته الأدبية . وقد أشرفت لجنة كريمة على طبع وإصدار هذه المجلدات الثمانية الضخمة (أكثر من 2800 صفحة) ترأسها المبدع العروبي الغيور الدكتور عبد العزيز المقالح الذي أشار في تقديمه إلى :

(أن من بين أهم ما قدمه خصباك للقصة القصيرة العربية في بداية حياته الأدبية هو كتابه الرائد عن تشيخوف عام 1954 حيث لفت انتباه المبدعين العرب إلى أهمية وجود مستوى من القصة يجمع بين واقعية الموقف وجمالية فضاء السرد الفني ، فضلا عن مشاركته في الإشراف على مجلة ( الثقافة الجديدة ) وما بشرت به آنذاك من انفتاح فكري تقدمي ، ومشاركته في هيئة تحرير مجلة الآداب البيروتية التي قامت بدور بارز في تقدم القصة القصيرة وتطوير حركة الشعر العربي الحديث . ولخصباك خمس عشرة رواية منها : الطائر التي وصفها الشاعر سليمان العيسى بأنها ليست رواية بل قصيدة شعرية ، ونهاية إنسان يفكر والسؤال والخاطئة وامرأة ضائعة والفصول الأربعة وغيرها . كما أصدر ثمان عشر مسرحية منها الديكتاتور والبهلوان والرجل الذي فقد النطق والغرباء واللص والعنكبوت والقضية والجدار وغيرها . وفي مجال القصة القصيرة أصدر خصباك ثلاث مجاميع هي صراع (عام 1948 والتي أصدرها وهو دون العشرين) وعهد جديد (1951) وحياة قاسية (1959) . ومن الأقوال التي قيلت في إبداع خصباك :

– في رأيي أن مسرحية ( الشيء ) تقف على صعيد واحد مع كبريات المسرحيات العالمية –  المستشرقة الإسبانية ( روزاريو ريكو ) .

– لقد قرّرنا أن نعتمد بعض أعمالكم الإبداعية للتدريس في معهدنا ذلك أن مثل هذه الروايات القصيرة القيّمة تصلح جدا في تشجيع طلبتنا الألمان على المطالعة باللغة العربية –  المستشرق الألماني البروفسور هانس ديبر .

– إلتفت خصباك في فترة مبكرة جدا (عام 1946) إلى عبقرية نجيب محفوظ وبشّر بمستقبله الأدبي العظيم حيث لم تكن كتابات نجيب محفوظ الإنسانية قد تبلورت بعد –  د.عبد السلام الشاذلي .

– إن كتابك (ذكريات أدبية) وثيقة حية ومهمة يا شاكر ، إذ لم يسبق لكاتب غيرك أن عايش عن قرب هذا العدد الكبير من كبار كتاب أدبنا العربي ويسجل لنا انطباعاته عنهم –  د.علي جواد الطاهر .

– لقد كتبت في قصتك (عهد جديد) شيئا خالدا بحق وباعتقادي أنك لو لم تكتب سوى هذه القصة لحق لك أن تحمل لقب قاص –  د.صفاء خلوصي .

– مجموعة صراع لقصاص عراقي شاب لا أكون مغاليا لو قلت إنه خطا خطوة رائعة في مضمار القصة العراقية .. هذا الكتاب نصر جديد للقصة العراقية –  غائب طعمة فرمان .

– هذه قبلة حارة على جبينك يا شاكر ؛ قبلة إعجاب لقصة عهد جديد التي أمضيت معها وقتا ممتعا للغاية –  علي أحمد باكثير .

وقد تحدث عن خصباك بإعجاب وتقدير الكثير من النقاد مثل : أحمد بهاء الدين ، د.سعاد محمد خضر ، د.عبد العزيز المقالح ، بنت الشاطيء ، أنور المعداوي ، محمود تيمور ، عبد الرحمن منيف ، عبد الملك نوري ، يوسف الشاروني ، عبد المجيد لطفي ، عصام محفوظ وغيرهم . وهل نستطيع تجاوز كتابه الخطير (الكرد والمسألة الكردية)عام 1959 الذي دعا فيه إلى حل المشكلة الكردية حلا سلميا ومنح الأكراد الحكم الذاتي ، فيكون أول مفكر عراقي عربي دعا إلى ذلك .

وقد اختارت “المؤسسة الأمريكية لسير الحياة” شاكر خصباك واحدا من صفوة مثقفي العالم لعام 2004 لتميزه في ثلاثة حقول : الأدب والجغرافية والتعليم .

وخصباك المولود سنة 1930 من علماء العالم في موضوع تخصصه العلمي وهو الجغرافية وله أكثر من عشرين كتابا مؤلفا ومترجما متميزا فيها . فهو كما يقول الصديق الناقد السوري د. إبراهيم الجرادي :

(تعدّه الموسوعات والمعاجم العالمية ، واحدا من خمسة عرب أفذاذ في علمهم ومعرفتهم في هذا الباب . ولكن المشكلة تتمثل كما يقول الجرادي نفسه في أن هذا الأديب قد أمضى أكثر من ستين عاما وهو يكتب في شتى أغراض الأدب دون أن يُعد بين الكتاب الكبار).

ويقول الدكتور المقالح :

(إن الدكتور شاكر مبدع غزير الإنتاج متعدد المواهب ، ومع ذلك يتم تجاهله بقسوة من نقاد الأدب المعروفين في العراق أولا وبقية الأقطار العربية ثانيا) .

ويتفق الإثنان ؛ المقالح والجرادي على أن الشـــــــــــهرة العلمية لشاكر خصباك هي التي طغت على شهرته الأدبية ، وفي الوطن العربي لا يمكن الجمع بين شـــهرتين .

ولكن ما رأيكم إذا قلنا أن الكثير من المثقفين العراقيين والمؤسسات الثقافية العراقية لا تعلم بشهرة عالم جغرافي عراقي عالمي شهير جدا اعتبرته المؤسسة الأمريكية لسير الحياة من صفوة مثقفي العالم ، إبن العراق ، إبن الحلة الفيحاء، واسمه شاكر خصباك !!

فكيف، إذن، سيعرفون شاكر خصباك الأديب اللامع ؟

ومتى ننصف رموز العراق المبدعة ؟ وهل من الصحيح أن تتمدّد نخلة عراقية عالمية شامخة اسمها شاكر خصباك هكذا بإهمال في أراضي الغربة المشؤومة ؟