هل يجب صياغة مدونة أخرى في ظل وجود مدونة حالية؟ – محمد طه حمدون السامرائي

هل يجب صياغة مدونة أخرى في ظل وجود مدونة حالية؟ – محمد طه حمدون السامرائي

دراسة فقهية أصولية بضوء مقاصد الشريعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن من أعظم ما ابتليت به الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر تفرق كلمتها وتشتت صفها، وانقسامها إلى فرق ومذاهب متناحرة، كل فريق بما لديهم فرحون.

وقد تجلى هذا التفرق في أوضح صوره في مجال التشريع والقانون، حيث شهد العراق سن قوانين منفصلة للمذهب الجعفري، مما أدى إلى تعميق الهوة بين أبناء الأمة الواحدة، وعزز مفهوم الانقسام،و أدى إلى تفريق المجتمع وزيادة تقسيمه وتجزئته، في الوقت الذي لا يتحمل البلد مزيدا من التقسيم.

فهل يجب على الأمة الإسلامية صياغة مدونة سنية منفصلة في ظل وجود مدونة جعفرية؟ وما هي الآثار الشرعية والاجتماعية لهذا التقسيم المذهبي في التشريع؟ وكيف يمكن التوفيق بين احترام التنوع الفقهي المشروع وبين الحفاظ على وحدة الأمة ومصالحها العليا؟

الوقفة الأولى: الأسس الأصولية للاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي إن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ليس مجرد عملية فكرية اختيارية، بل هو ضرورة شرعية واجتماعية تقتضيها طبيعة الشريعة الخالدة وحاجات الناس المتجددة.

فقه اسلامي

وقد عرف الأصوليون الاجتهاد بتعريفات متقاربة، أجمعها وأدقها ما ذكره إمام الحرمين الجويني في «البرهان» بأنه: «استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه» .

الثانية: التجديد في الفقه الإسلامي – المفهوم والضوابط

أما التجديد في الفقه الإسلامي فهو مفهوم أصيل في الشريعة، يستند إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»

 وهذا الحديث يدل على أن التجديد سنة إلهية في هذه الأمة، وأنه ضرورة لاستمرار حيوية الدين وفعاليته في حياة الناس.

والتجديد في الفقه لا يعني تغيير الأحكام الثابتة أو التلاعب بالنصوص القطعية، وإنما يعني – كما بين الإمام الشاطبي في «الموافقات» – إحياء ما اندرس من معالم الدين، وتطبيق أحكامه على الوقائع المستجدة، وبيان وجه الحق في المسائل المختلف فيها.

وقد وضع العلماء ضوابط دقيقة للتجديد المشروع، منها: عدم مخالفة النصوص القطعية: مع مراعاة مقاصد الشريعة،و الاستناد إلى الأدلة المعتبرة: فلا يكون التجديد مجرد اتباع للهوى أو مسايرة للواقع، بل لا بد أن يستند إلى أدلة شرعية معتبرة.مع وجوب مراعاة الواقع والمآلات: فالمجدد مطالب بدراسة الواقع المعاصر ومآلات الأحكام، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

الوقفة الثالثة: العلاقة بين الاجتهاد والتجديد في الفقه المعاصر

إن العلاقة بين الاجتهاد والتجديد علاقة تكاملية، فالاجتهاد هو الآلية والتجديد هو الهدف. والاجتهاد المعاصر مطالب بأن يكون اجتهاداً تجديدياً.

 بمعنى أن يسعى إلى تجديد فهم النصوص وتطبيقها على الواقع المعاصر، دون الوقوف عند حدود الاجتهادات السابقة أو التقيد بها تقيداً مطلقاً.

وقد أشار الإمام الشاطبي إلى هذا المعنى بقوله: «إن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهذه المصالح لا تتحقق إلا بفهم صحيح للنصوص، وتطبيق سليم لها على الواقع» .

ومن هنا فإن الاجتهاد التجديدي المطلوب في عصرنا يجب أن يتميز بعدة خصائص:

الخاصية الأولى: الشمولية: بحيث لا يقتصر على الفروع الفقهية فحسب، بل يشمل أصول الفقه ومناهج الاستنباط أيضاً.

الخاصية الثانية: الجماعية: فالاجتهاد المعاصر يجب أن يكون جماعياً لا فردياً، نظراً لتعقد المسائل المعاصرة وحاجتها إلى تخصصات متنوعة.

الخاصية الثالثة: المقاصدية: بحيث يراعي مقاصد الشريعة العامة والخاصة في كل اجتهاد.

الخاصية الرابعة: الواقعية: بحيث يأخذ في الاعتبار الواقع المعاصر وتحدياته ومستجداته.

وبهذا يتضح أن الاجتهاد والتجديد ليسا مجرد ترف فكري أو اختيار شخصي، بل هما ضرورة شرعية واجتماعية لا غنى عنها لاستمرار حيوية الشريعة وفعاليتها في حياة الناس.

الوقفة الرابعة: وحدة الأمة الإسلامية ومخاطر التقسيم المذهبي في التشريع

إن وحدة الأمة الإسلامية ليست مجرد مطلب سياسي أو اجتماعي، بل هي فريضة شرعية أصيلة، أمر الله تعالى بها في محكم كتابه، وأكدها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة. وقد تضافرت النصوص الشرعية على تأكيد هذا المبدأ العظيم من وجوه متعددة.قال الله تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]. قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. وهذه الآية تؤكد أن الدين واحد في جوهره عبر الرسالات، وأن النهي عن التفرق فيه أمر إلهي صريح.

مع النهي الصريح عن التفرق والاختلاف: قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. وهذه الآية تأمر بالاعتصام بحبل الله جميعاً، وتنهى عن التفرق نهياً صريحاً، وتذكر بنعمة الله في تأليف القلوب وجمع الكلمة.

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]. وهذه الآية تحذر من التفرق والاختلاف، وتتوعد المتفرقين بالعذاب العظيم.

الوقفة الخامسة: مخاطر التقسيم المذهبي في التشريع

إن التقسيم المذهبي في التشريع، كما حدث في بلدنا بسن قوانين منفصلة للمذاهب المختلفة، يحمل في طياته مخاطر جسيمة على وحدة الأمة ومصالحها، ويتعارض مع المقاصد الشرعية العليا. وهذه المخاطر تتجلى في عدة جوانب:

الخطر الأول: تعميق الفرقة والتشرذم

إن أول وأخطر ما ينتج عن التقسيم المذهبي في التشريع هو تعميق الفرقة ، وتحويل الاختلاف الفقهي المشروع إلى تناحر مذهبي مدمر. فبدلاً من أن يكون الاختلاف في الفروع الفقهية مصدر ثراء وتنوع، يصبح مصدر تفرق وتشرذم.

الخطر الثاني: تسييس المذاهب الفقهية

إن التقسيم المذهبي في التشريع يؤدي حتماً إلى تسييس المذاهب الفقهية، وتحويلها من مدارس علمية إلى أحزاب سياسية. وهذا يفسد طبيعة الفقه الإسلامي الذي يجب أن يبقى علماً مجرداً يهدف إلى معرفة أحكام الله تعالى، لا أداة للصراع السياسي والمكاسب الحزبية.

الخطر الثالث: إعاقة التجديد والاجتهاد

إن التقسيم المذهبي في التشريع يؤدي إلى جمود المذاهب وتحجرها، لأن كل مذهب يصبح مضطراً للدفاع عن مواقفه وآرائه ضد المذاهب الأخرى، مما يجعله أقل استعداداً للمراجعة والتطوير والاجتهاد الجديد.

الخطر الرابع: إضعاف المصلحة العامة

إن التقسيم المذهبي في التشريع يؤدي إلى تغليب المصالح المذهبية الضيقة على المصلحة العامة للأمة. فكل مذهب يسعى لتحقيق مكاسب لأتباعه، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة أو وحدة المجتمع.

الوقفة السادسة: البديل الشرعي للتقسيم المذهبي

إن البديل الشرعي للتقسيم المذهبي في التشريع هو الاعتماد على المنهج التوفيقي التكاملي، الذي يحترم التنوع الفقهي المشروع دون أن يؤدي إلى التفرق والتشرذم. وهذا المنهج يقوم على عدة أسس:

الأساس الأول: الاعتراف بمشروعية التنوع الفقهي

إن التنوع في الآراء الفقهية أمر طبيعي ومشروع، بل هو من رحمة الله بهذه الأمة. فـ»اختلاف الأمة رحمة» ؛ لأن الاختلاف في الفروع الفقهية يوسع دائرة الرحمة والتيسير على الناس.

وقد أكد الإمام الجويني هذا المعنى بقوله: «إن اختلاف المجتهدين في الفروع الفقهية لا يضر بوحدة الأمة، بل هو من مقتضيات طبيعة الاجتهاد، والمهم هو أن يبقى هذا الاختلاف في إطار الأدب العلمي والاحترام المتبادل» .

الأساس الثاني: التأكيد على الوحدة في الأصول

إن الوحدة المطلوبة شرعاً هي الوحدة في أصول الدين وثوابته، أما الفروع الفقهية فيجوز فيها الاختلاف والتنوع. وهذا ما أكده الإمام الغزالي بقوله: «إن الاختلاف في الفروع لا يوجب الاختلاف في الأصول، والمؤمنون إخوة وإن اختلفوا في بعض الفروع الفقهية» .

الأساس الثالث: اعتماد المصلحة العامة معياراً للترجيح

عند التعارض بين الآراء الفقهية المختلفة، يجب اعتماد المصلحة العامة معياراً للترجيح، لا المصلحة المذهبية الضيقة. وهذا ما أكده الإمام الشاطبي بقوله: «إن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، فحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله» .

الأساس الرابع: الاجتهاد الجماعي في المسائل المعاصرة

إن المسائل المعاصرة المعقدة تحتاج إلى اجتهاد جماعي يضم علماء من مختلف المذاهب والتخصصات، بدلاً من الاجتهاد المذهبي المنعزل. وهذا ما دعا إليه كثير من العلماء المعاصرين، لأنه يحقق الشمولية والموضوعية في النظر.

الوقفة السادسة: الطبيعة الاجتهادية للفقه الإسلامي وأثرها على التشريع المعاصر

إن من أهم ما يجب فهمه في الفقه الإسلامي هو التمييز الدقيق بين الأحكام القطعية والأحكام الظنية، لأن هذا التمييز له أثر كبير في فهم طبيعة الفقه الإسلامي وإمكانية تطويره وتجديده. وقد أولى الأصوليون هذا الموضوع عناية فائقة، ووضعوا له ضوابط دقيقة.

أولاً: تعريف القطعي والظني

عرف الأصوليون القطعي بأنه: «ما دل عليه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، بحيث لا يحتمل التأويل أو التشكيك في معناه» . أما الظني فهو: «ما دل عليه نص ظني الثبوت أو ظني الدلالة، أو كان مستنداً إلى الاجتهاد والقياس» .

وقد أكد الإمام الغزالي في «المستصفى» على أهمية هذا التمييز بقوله: «إن معرفة القطعي من الظني أساس في الفقه، لأن القطعي لا يجوز فيه الاختلاف، أما الظني فهو محل الاجتهاد والنظر» .

ثانياً: أقسام الأحكام من حيث القطعية والظنية

قسم الأصوليون الأحكام الشرعية من حيث القطعية والظنية إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: قطعي الثبوت قطعي الدلالة وهو ما ثبت بنص قرآني أو حديث متواتر، ودلالته على الحكم واضحة لا تحتمل التأويل. مثل وجوب الصلاة والزكاة والحج، وتحريم الزنا والخمر والربا. وهذا القسم لا يجوز فيه الاختلاف أو الاجتهاد.

القسم الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة وهو ما ثبت بنص قرآني أو حديث متواتر، لكن دلالته على الحكم تحتمل أكثر من وجه. مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فالنص قطعي الثبوت، لكن معنى «القروء» محل خلاف بين العلماء.

القسم الثالث: ظني الثبوت قطعي الدلالة وهو ما ثبت بحديث آحاد، ودلالته على الحكم واضحة. مثل أحاديث كثيرة في السنة النبوية، فهي ظنية الثبوت لكونها أحاديث آحاد، لكن دلالتها واضحة.

القسم الرابع: ظني الثبوت ظني الدلالة وهو ما ثبت بحديث آحاد، ودلالته على الحكم تحتمل أكثر من وجه. وهذا القسم هو أوسع أقسام الفقه، وهو المجال الأرحب للاجتهاد والتجديد.

ثالثاً: نسبة الأحكام القطعية والظنية في الفقه الإسلامي

إن المتأمل في الفقه الإسلامي يجد أن الأحكام القطعية قليلة نسبياً، وأن الغالبية العظمى من الأحكام الفقهية ظنية اجتهادية. وقد أشار إلى هذا كثير من العلماء، منهم الإمام الشاطبي الذي قال: «إن الأحكام القطعية في الشريعة قليلة، وإنما الغالب فيها الأحكام الظنية التي تحتاج إلى اجتهاد ونظر» .

وهذا الأمر له حكمة بالغة، لأنه يتيح للشريعة المرونة والقدرة على التكيف مع الأزمان والأمكنة المختلفة، دون أن تفقد ثوابتها وأصولها.

الوقفة السابعة: الأحوال الشخصية – طبيعتها الاجتهادية

إن من أهم ما يؤكد الطبيعة الاجتهادية للفقه الإسلامي هو النظر في أبواب المعاملات المالية والأحوال الشخصية، فهذان البابان يشكلان الجزء الأكبر من الفقه العملي، وهما في الوقت نفسه أكثر أبواب الفقه احتياجاً للاجتهاد والتجديد.

وباب الأحوال الشخصية فهو الآخر يتميز بطبيعة اجتهادية واضحة، خاصة في التفاصيل والجزئيات. وإن كانت أصول هذا الباب ثابتة بالنصوص القطعية، إلا أن كثيراً من فروعه وتطبيقاته محل اجتهاد ونظر.

ومن الأمثلة على ذلك:

المثال الأول: سن الزواج فقد اختلف الفقهاء في تحديد السن المناسبة للزواج، وهل يجوز تزويج الصغيرة أم لا، وما هي الضوابط في ذلك. وهذا الاختلاف يدل على أن المسألة اجتهادية، وأنه يمكن مراجعتها في ضوء المصالح المعاصرة.

المثال الثاني: أحكام الحضانة فقد اختلف الفقهاء في كثير من تفاصيل أحكام الحضانة، مثل مدتها، وشروط الحاضن، وحقوق الطرف الآخر في المشاهدة والاصطحاب، وغير ذلك. وهذا الاختلاف يفتح المجال للاجتهاد المعاصر في ضوء المصالح الجديدة.

المثال الثالث: أحكام النفقة فقد اختلف الفقهاء في كثير من تفاصيل أحكام النفقة، مثل مقدارها، وطريقة تقديرها، ومن تجب عليه، وغير ذلك. وهذا يدل على أن المسألة محل اجتهاد، ويمكن تطويرها بما يناسب الظروف المعاصرة.

الوقفة الثامنة: أثر الطبيعة الاجتهادية على التشريع المعاصر

إن فهم الطبيعة الاجتهادية للفقه الإسلامي له آثار مهمة على التشريع المعاصر، يمكن إجمالها في النقاط التالية:

الأثر الأول: عدم إلزامية التقيد بالاجتهادات السابقة

إن كون غالب الفقه الإسلامي اجتهادياً يعني أنه لا يجب التقيد بالاجتهادات السابقة تقيداً مطلقاً، بل يجوز مراجعتها وتطويرها في ضوء المستجدات المعاصرة. وقد أكد هذا المعنى العلماء بقولهم: «إن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد» .

الأثر الثاني: ضرورة الاجتهاد الجماعي المعاصر

إن تعقد المسائل المعاصرة وتشابكها يستدعي اجتهاداً جماعياً يضم علماء من مختلف التخصصات، وليس اجتهاداً فردياً أو مذهبياً منعزلاً. وهذا ما دعا إليه كثير من العلماء المعاصرين، لأنه يحقق الشمولية والدقة في النظر.

الأثر الثالث: أولوية المصلحة العامة على المصلحة المذهبية

إن الطبيعة الاجتهادية للفقه تعني أنه عند التعارض بين المصلحة العامة والمصلحة المذهبية، يجب تقديم المصلحة العامة، لأن مقصد الشارع هو تحقيق مصالح العباد عموماً، وليس مصالح فئة معينة.

الأثر الرابع: إمكانية التوفيق بين المذاهب المختلفة

إن الطبيعة الاجتهادية للفقه تفتح المجال للتوفيق بين المذاهب المختلفة، واختيار الأنسب من آرائها بحسب المصلحة والحاجة، دون التقيد بمذهب واحد تقيداً مطلقاً.

الأثر الخامس: ضرورة مراعاة الواقع المعاصر

إن الطبيعة الاجتهادية للفقه تستدعي مراعاة الواقع المعاصر وظروفه وحاجاته، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يمكن إصدار أحكام صحيحة دون فهم دقيق للواقع المراد تطبيق الأحكام عليه.

وبهذا يتضح أن فهم الطبيعة الاجتهادية للفقه الإسلامي أمر ضروري لأي محاولة جادة لتطوير التشريع المعاصر، وأن إغفال هذا الفهم يؤدي إلى الجمود والتحجر، ويحرم الأمة من مرونة الشريعة وقدرتها على التكيف مع المستجدات.

الوقفة التاسعة: تجدد الأحكام الشرعية ومراعاة المصالح المعاصرة

:قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» – التأصيل والضوابط

إن من أهم القواعد الأصولية التي تحكم عملية التجديد في الفقه الإسلامي قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة والأحوال». وهذه القاعدة تعبر عن مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على التكيف مع المستجدات، دون أن تفقد ثوابتها وأصولها.

إن هذه القاعدة ليست مجرد اجتهاد بشري، بل لها أصول راسخة في الكتاب والسنة. فمن القرآن الكريم قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. وهذان النصان يدلان على أن الشريعة تراعي أحوال الناس وظروفهم، وتسعى إلى التيسير عليهم.

ومن السنة النبوية ما ثبت من تغيير النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أحكامه بتغير الظروف والأحوال. فقد نهى أولاً عن زيارة القبور، ثم أذن فيها بقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة» . وهذا يدل على أن الأحكام الاجتهادية قابلة للتغيير بتغير المصالح والمفاسد.

وقد أصل الإمام الشاطبي لهذه القاعدة في «الموافقات» بقوله: «إن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهذه المصالح تختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال، فلا بد من مراعاة هذا الاختلاف في الأحكام» .

وإن المعنى الدقيق لهذه القاعدة هو أن الأحكام الاجتهادية المبنية على المصلحة والعرف والحاجة قابلة للتغيير والتطوير بتغير الظروف والأحوال، أما الأحكام القطعية الثابتة بالنصوص الصريحة فلا تتغير. وقد أوضح هذا المعنى الإمام ابن عابدين بقوله: «إن كثيراً من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد».

وضع العلماء ضوابط دقيقة لتطبيق هذه القاعدة، منعاً من التلاعب بالأحكام الشرعية أو تحريفها. ومن أهم هذه الضوابط:

الضابط الأول: أن يكون الحكم اجتهادياً وليس قطعياً فلا يجوز تغيير الأحكام القطعية الثابتة بالنصوص الصريحة، مهما تغيرت الظروف والأحوال. أما الأحكام الاجتهادية المبنية على المصلحة والقياس فهي محل التغيير والتطوير.

الضابط الثاني: أن يكون التغيير مبنياً على تغير حقيقي في الواقع فلا يجوز تغيير الأحكام لمجرد تغير الزمان، بل لا بد أن يكون هناك تغير حقيقي في الواقع يؤثر على الحكم. كما قال الإمام القرافي: «إن الأحكام المترتبة على الأعراف تدور مع أعرافها وجوداً وعدماً» .

الضابط الثالث: أن يكون التغيير محققاً للمصلحة فلا يجوز تغيير الأحكام إلا إذا كان ذلك محققاً لمصلحة راجحة، أو دافعاً لمفسدة أكبر. وهذا ما أكده الإمام العز بن عبد السلام بقوله: «إن جلب المصالح ودرء المفاسد مقصد أعظم من مقاصد الشريعة» .

الضابط الرابع: أن يكون التغيير من أهل الاختصاص فلا يجوز لكل أحد أن يغير الأحكام بدعوى تغير الزمان، بل هذا الأمر مختص بالمجتهدين المؤهلين الذين يملكون الأدوات العلمية اللازمة للاجتهاد.

الوقفة العاشرة: المصالح المرسلة ودورها في التجديد الفقهي

إن من أهم الأدلة الشرعية التي تسمح بالتجديد والتطوير في الفقه الإسلامي دليل «المصالح المرسلة». وهذا الدليل يفتح المجال واسعاً أمام الاجتهاد المعاصر، ويمكن من خلاله التعامل مع كثير من المستجدات التي لم ترد فيها نصوص خاصة.

عرف الأصوليون المصالح المرسلة بأنها: «المصالح التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار أو الإلغاء، وهي التي تحقق منفعة للناس أو تدفع عنهم ضرراً، وتكون ملائمة لمقاصد الشريعة».

وقد أوضح الإمام الغزالي هذا المفهوم بقوله: «إن المصلحة في الأصل عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع» .

وضع العلماء شروطاً دقيقة للعمل بالمصالح المرسلة، منعاً من التوسع غير المنضبط. ومن أهم هذه الشروط:

الشرط الأول: أن تكون مصلحة حقيقية وليس وهمية فلا يكفي مجرد توهم المصلحة، بل لا بد أن تكون مصلحة حقيقية محققة أو راجحة. وهذا يتطلب دراسة دقيقة للواقع ومآلات الأحكام.

الشرط الثاني: أن تكون مصلحة عامة وليس خاصة فلا يجوز تشريع الأحكام لتحقيق مصالح خاصة لفئة معينة، بل لا بد أن تكون المصلحة عامة تشمل المجتمع كله أو جزءاً كبيراً منه.

الشرط الثالث: أن لا تعارض نصاً أو إجماعاً فلا يجوز الاستدلال بالمصلحة المرسلة على حكم يخالف نصاً شرعياً أو إجماعاً ثابتاً، لأن هذا يؤدي إلى التناقض في الشريعة.

الشرط الرابع: أن تكون في محل الاجتهاد فلا يجوز الاستدلال بالمصلحة المرسلة في الأمور التعبدية المحضة، وإنما يكون ذلك في المعاملات والعادات التي تقبل التعليل والقياس.

الوقفة الحادية عشر: سر ديمومة الشريعة الإسلامية وقدرتها على الاستيعاب

إن من أعظم خصائص الشريعة الإسلامية قدرتها على الديمومة والاستمرار عبر العصور المختلفة، وقدرتها على استيعاب المستجدات والتطورات دون أن تفقد هويتها أو ثوابتها. وهذه الخاصية لها أسرار عميقة تستحق التأمل والدراسة.

أولاً: التوازن بين الثبات والمرونة

إن سر ديمومة الشريعة الإسلامية يكمن في التوازن الدقيق بين الثبات والمرونة. فهي ثابتة في أصولها ومقاصدها وقيمها العليا، مرنة في فروعها ووسائلها وتطبيقاتها. وقد عبر عن هذا المعنى الإمام الشاطبي بقوله: «إن الشريعة ثابتة الأصول، متحركة الفروع، عامة المقاصد، خاصة الوسائل» .

وهذا التوازن يحقق للشريعة القدرة على مواجهة تحديات العصر دون أن تفقد هويتها، والقدرة على التطور دون أن تنحرف عن مسارها.

ثانياً: الطابع المقاصدي للشريعة

إن من أهم أسرار ديمومة الشريعة طابعها المقاصدي، فهي لا تركز على الأشكال والصور الخارجية بقدر ما تركز على المقاصد والغايات. وهذا يتيح لها القدرة على التكيف مع الأشكال الجديدة ما دامت تحقق نفس المقاصد.

وقد أكد هذا المعنى الإمام الشاطبي بقوله: «إن الأعمال بالمقاصد، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات» . وهذا يعني أن الحكم على الأشياء يكون بحسب مقاصدها وغاياتها، وليس بحسب أشكالها الظاهرة فقط.

ثالثاً: اعتماد الشريعة على المبادئ العامة

إن من أسرار ديمومة الشريعة اعتمادها على المبادئ العامة والقواعد الكلية، بدلاً من الاقتصار على الأحكام الجزئية المفصلة. فالقرآن الكريم والسنة النبوية وضعا المبادئ العامة والأسس الكلية، وتركا للمجتهدين مهمة تطبيق هذه المبادئ على الوقائع المختلفة.

ومن أمثلة هذه المبادئ العامة: العدل، والرحمة، والحكمة، والمصلحة، ودفع الضرر، والتيسير، وغيرها. وهذه المبادئ صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، مع اختلاف الوسائل والأساليب.

رابعاً: التدرج في التشريع

إن من أسرار ديمومة الشريعة أيضاً اعتمادها على مبدأ التدرج في التشريع، فهي لا تفرض الأحكام دفعة واحدة، بل تراعي أحوال الناس وقدراتهم، وتتدرج معهم في التطبيق. وهذا المبدأ يتيح للشريعة القدرة على التكيف مع الأوضاع المختلفة والظروف المتغيرة.

وقد ظهر هذا المبدأ واضحاً في تشريع تحريم الخمر، حيث لم يحرم دفعة واحدة، بل تدرج التشريع في تحريمه مراعاة لأحوال الناس وعاداتهم.

خامساً: الاجتهاد كآلية للتجديد

إن من أهم أسرار ديمومة الشريعة اعتمادها على الاجتهاد كآلية دائمة للتجديد والتطوير. فالشريعة لم تغلق باب الاجتهاد، بل جعلته مفتوحاً لكل من تأهل له، وهذا يضمن استمرار حيوية الشريعة وقدرتها على مواجهة المستجدات.

وقد أكد هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» . وهذا الحديث يشجع على الاجتهاد ويحفز عليه، مما يضمن استمرار التجديد في الشريعة.

وبهذا يتضح أن الشريعة الإسلامية تملك من الخصائص والمقومات ما يجعلها قادرة على الديمومة والاستمرار، وقادرة على استيعاب المستجدات والتطورات، دون أن تفقد هويتها أو تنحرف عن مسارها. وهذا ما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، كما وصفها الله تعالى بأنها رحمة للعالمين.

الوقفة الثانية عشر: التطبيق العملي – مراجعة قانون الأحوال الشخصية في ضوء المقاصد الشرعية

أولا: ضرورة المراجعة الشاملة للتشريعات القائمة وإبقاء الصالح منها

إن التأصيل النظري الذي قدمناه في المباحث السابقة يقودنا حتماً إلى ضرورة المراجعة الشاملة للتشريعات القائمة، خاصة في مجال الأحوال الشخصية، وذلك في ضوء المقاصد الشرعية والمصالح المعاصرة. وهذه المراجعة ليست مجرد ترف فكري أو رغبة في التغيير، بل هي ضرورة شرعية واجتماعية تقتضيها عدة اعتبارات مهمة.

1: الاعتبار الشرعي

إن الاعتبار الشرعي يوجب علينا مراجعة التشريعات القائمة للتأكد من موافقتها لمقاصد الشريعة ومصالح العباد. فالشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وكل تشريع لا يحقق هذا الهدف فهو محل نظر ومراجعة.

وقد أكد هذا المعنى الإمام الشاطبي بقوله: «إن كل حكم شرعي لا بد أن يكون محققاً لمصلحة العباد، فإن لم يحقق مصلحة أو كان محققاً لمفسدة، فليس من الشرع في شيء» . وهذا المبدأ يوجب علينا مراجعة كل التشريعات للتأكد من تحقيقها للمصالح المقصودة شرعاً.

  1. الاعتبار الاجتماعي

إن الاعتبار الاجتماعي يوجب علينا أيضاً مراجعة التشريعات القائمة، لأن المجتمعات تتطور وتتغير، وما كان مناسباً لمجتمع في زمن معين قد لا يكون مناسباً لنفس المجتمع في زمن آخر. والشريعة الإسلامية تراعي هذا التطور وتستوعبه، ولا تجمد على أشكال معينة إذا تغيرت الظروف والأحوال.

وقد نبه إلى هذا المعنى الإمام ابن القيم بقوله: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل» .

  1. الاعتبار العملي

إن الاعتبار العملي يوجب علينا كذلك مراجعة التشريعات القائمة، لأن التطبيق العملي يكشف عن نقاط الضعف والخلل في التشريعات، ويبين مدى ملاءمتها للواقع المعاصر. والتشريع الذي لا يمكن تطبيقه عملياً، أو الذي يؤدي تطبيقه إلى مفاسد أكبر من المصالح، يحتاج إلى مراجعة وتطوير.

ثانيا: المشاكل الناتجة عن التقسيم المذهبي في قانون الأحوال الشخصية

إن التقسيم المذهبي في قانون الأحوال الشخصية، كما حدث في بلدنا، أدى إلى مشاكل عملية كثيرة، تؤكد خطورة هذا المنهج وضرورة البحث عن بديل أفضل. ومن أهم هذه المشاكل:

  1. تعقيد الإجراءات القانونية

إن وجود قوانين متعددة للمذاهب المختلفة يؤدي إلى تعقيد الإجراءات القانونية، خاصة في الحالات التي يكون فيها الزوجان من مذهبين مختلفين. فأي قانون يطبق عليهما؟ وكيف يتم حل التعارض بين القوانين المختلفة؟ هذه أسئلة معقدة تحتاج إلى حلول عملية واضحة.

  1. عدم المساواة أمام القانون

إن التقسيم المذهبي يؤدي إلى عدم المساواة أمام القانون، فقد يحصل شخص على حق معين بموجب قانون مذهبه، بينما لا يحصل عليه شخص آخر من مذهب مختلف. وهذا يتعارض مع مبدأ العدالة والمساواة الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية.

  1. إضعاف الوحدة الوطنية

إن التقسيم المذهبي في التشريع يؤدي إلى إضعاف الوحدة الوطنية، ويعمق الفجوات بين أبناء الوطن الواحد. فبدلاً من أن يشعر الجميع بالانتماء إلى وطن واحد وقانون واحد، يصبح كل فريق منتمياً إلى قانونه المذهبي الخاص.

  1. صعوبة التطوير والتحديث

إن التقسيم المذهبي يجعل عملية التطوير والتحديث أكثر صعوبة، لأنها تحتاج إلى موافقة جميع المذاهب، وهذا أمر صعب التحقيق عملياً. كما أن كل مذهب يصبح متمسكاً بقانونه الخاص، ومقاوماً لأي محاولة للتغيير أو التطوير.

ثالثا: التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية – دراسة تطبيقية

في ضوء ما تقدم من تأصيل نظري، وما ظهر من مشاكل عملية، نقترح مجموعة من التعديلات على قانون الأحوال الشخصية، تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، والحفاظ على وحدة المجتمع، ومواكبة التطورات المعاصرة. وهذه التعديلات تشمل:

  1. إلغاء المواد المتعلقة بالتقسيم المذهبي

نقترح إلغاء المواد 89 و91 من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959، والتي تتعلق بتبيان الانصبة والمقادير.

  1. تطوير أحكام الحضانة

نقترح تعديل المادة 57 المتعلقة بالحضانة، بحيث تراعي المصلحة الفضلى للطفل، وتواكب التطورات الاجتماعية المعاصرة. والتعديلات المقترحة تشمل:

التعديل الأول: جعل معيار المصلحة الفضلى للطفل هو المعيار الأساسي في تحديد الحاضن، بدلاً من الاعتماد على الترتيب الجامد الذي قد لا يراعي ظروف كل حالة على حدة.

التعديل الثاني: إعطاء المحكمة سلطة تقديرية أوسع في تحديد مدة الحضانة وشروطها، بحسب ظروف كل قضية ومصلحة الطفل.

التعديل الثالث: تنظيم حقوق الطرف غير الحاضن في المشاهدة والاصطحاب، بما يضمن عدم انقطاع الصلة بين الطفل ووالديه.

التعديل الرابع: إعطاء الطفل الحق في إبداء رأيه في مسألة الحضانة إذا بلغ سناً معينة، مراعاة لنضجه وقدرته على التمييز.

  1. مراجعة أحكام سن الزواج

نقترح مراجعة الأحكام المتعلقة بسن الزواج، بما يراعي المصلحة العامة والتطورات الاجتماعية والطبية المعاصرة. وهذه المراجعة تشمل:

المراجعة الأولى: تحديد سن أدنى للزواج يراعي النضج الجسدي والنفسي والاجتماعي، وليس مجرد البلوغ الشرعي.

المراجعة الثانية: اشتراط موافقة الجهات المختصة على الزواج المبكر، بعد التأكد من توفر الشروط اللازمة لنجاح الزواج.

المراجعة الثالثة: وضع برامج تأهيلية للراغبين في الزواج المبكر، لضمان نجاح الزواج واستقراره.

  1. تطوير آليات حل النزاعات

نقترح تطوير آليات حل النزاعات في قضايا الأحوال الشخصية، بما يحقق العدالة والسرعة في الفصل في القضايا. وهذا التطوير يشمل:

التطوير الأول: إنشاء محاكم متخصصة في الأحوال الشخصية، مع تأهيل القضاة تأهيلاً خاصاً في هذا المجال.

التطوير الثاني: تفعيل دور الوساطة والصلح في حل النزاعات، قبل اللجوء إلى القضاء.

التطوير الثالث: استخدام التقنيات الحديثة في إجراءات التقاضي، لتسريع الفصل في القضايا وتقليل التكاليف.

الخاتمة

أولاً: النتائج الرئيسية للدراسة

النتيجة الأولى: أن التقسيم المذهبي في التشريع يؤدي إلى تفريق الأمة وإضعاف وحدتها.

النتيجة الثانية: إن غالب الفقه الإسلامي اجتهادي ظني، وليس قطعياً، خاصة في أبواب المعاملات والأحوال الشخصية. وهذا يعني أن هناك مجالاً واسعاً للاجتهاد والتجديد، وأنه لا يجب التقيد بالاجتهادات السابقة تقيداً مطلقاً.

النتيجة الثالثة: إن الشريعة الإسلامية تتميز بالمرونة والقدرة على التكيف مع المستجدات، من خلال مبادئها العامة وقواعدها الكلية ومقاصدها السامية. وأن سر ديمومتها يكمن في التوازن بين الثبات في الأصول والمرونة في الفروع.

النتيجة الرابعة: إن المصلحة العامة للأمة يجب أن تكون المعيار الأساسي في التشريع، وليس المصالح المذهبية الضيقة. وأن كل تشريع لا يحقق المصلحة العامة أو يؤدي إلى مفسدة أكبر يحتاج إلى مراجعة وتطوير.

النتيجة الخامسة: إن التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة، وتعزيز الوحدة الوطنية، ومواكبة التطورات المعاصرة، وهي متوافقة مع مقاصد الشريعة الإسلامية.

ثانياً: التوصيات العملية

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، نقدم التوصيات التالية:

التوصية الأولى: ضرورة إعادة النظر في التشريعات القائمة التي تقوم على التقسيم المذهبي، والعمل على توحيدها في إطار قانون موحد يراعي المصلحة العامة ووحدة الأمة.

التوصية الثانية: تشكيل لجان علمية متخصصة تضم علماء من مختلف المذاهب والتخصصات، لمراجعة التشريعات القائمة وتطويرها في ضوء المقاصد الشرعية والمصالح المعاصرة.

التوصية الثالثة: الاهتمام بالتأهيل العلمي للقضاة والمشرعين في مجال الفقه المقاصدي والاجتهاد المعاصر، لتمكينهم من التعامل مع المستجدات بطريقة علمية صحيحة.

التوصية الرابعة: تفعيل دور المؤسسات العلمية والأكاديمية في دراسة المسائل المعاصرة وتقديم الحلول الفقهية المناسبة لها.

التوصية الخامسة: العمل على نشر الوعي بأهمية الوحدة ، وخطورة التقسيم المذهبي، من خلال وسائل الإعلام والتعليم والخطاب الديني.

إن الحل ليس في إلغاء التنوع الفقهي المشروع، فهذا التنوع رحمة من الله بهذه الأمة، ولكن الحل في التعامل مع هذا التنوع بطريقة حكيمة، تحافظ على ثراء الفقه الإسلامي دون أن تؤدي إلى تفريق الأمة.

إن المطلوب هو منهج توفيقي تكاملي، يجمع بين احترام التنوع الفقهي وتحقيق الوحدة الوطنية، ويقدم المصلحة العامة على المصالح المذهبية الضيقة، ويستفيد من كنوز التراث الفقهي دون أن يتقيد بها تقيداً مطلقاً.

وإن الله تعالى قد وهب هذه الأمة من العلماء والمفكرين ما يمكنها من تحقيق هذا الهدف النبيل، إذا صدقت النوايا، وتضافرت الجهود، وقدمت المصلحة العامة على المصالح الخاصة.

نسأل الله تعالى أن يوفق هذه الأمة إلى ما فيه خيرها وصلاحها، وأن يجمع كلمتها على الحق والهدى، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً لعباده المؤمنين.

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.