هل يتكرّر المشهد ذاته ؟ – كامل كريم الدليمي

كابينة الزيدي

هل يتكرّر المشهد ذاته ؟ – كامل كريم الدليمي

مع كل إعلان عن تشكيل حكومة جديدة، تتجدد آمال العراقيين بإمكانية حدوث تغيير حقيقي ينهي سنوات طويلة من الأزمات السياسية والخدمية والاقتصادية، لكن التجارب المتراكمة جعلت الشارع أكثر حذراً وأقل اندفاعاً نحو التفاؤل، خصوصاً عندما تبدأ ملامح التدخلات الحزبية بالظهور في تشكيل الكابينة الوزارية.

كابينة الزيدي، حتى هذه اللحظة، لا تبدو مختلفة كثيراً عن الحكومات السابقة، من حيث طبيعة التفاهمات السياسية وآلية توزيع المناصب وفق رغبات القوى والأحزاب المتنفذة. فالمشكلة في العراق لم تكن يوماً مرتبطة بالأشخاص فقط، بل بطريقة إدارة الدولة التي تقوم على المحاصصة وتقاسم النفوذ، الأمر الذي يجعل أي رئيس وزراء مقيداً منذ اللحظة الأولى لتكليفه.

الأحزاب السياسية غالباً ما تسعى لفرض ممثليها داخل الوزارات والمؤسسات المهمة لضمان استمرار نفوذها وتحقيق مصالحها، لكنها في المقابل تبتعد عن تحمل المسؤولية عند الفشل. وعندما تتعثر الحكومة أو تتراجع الخدمات أو تتصاعد الأزمات، يجد رئيس الوزراء نفسه وحيداً في مواجهة الشارع والانتقادات والإعلام، بينما تبقى القوى التي شاركت في صناعة القرار بعيدة عن دائرة المساءلة.

مثال واضح

ما حدث مع حكومة الأخ محمد شياع السوداني يعتبر مثالاً واضحاً على هذه المعادلة؛ فالحكومة تعرضت لانتقادات واسعة في ملفات عديدة، رغم أن تشكيلها لم يكن بعيداً عن تأثيرات التوازنات السياسية والحزبية التي يعرفها الجميع. واليوم يخشى الكثيرون من تكرار السيناريو نفسه مع حكومة الزيدي، حيث تُفرض الإرادات السياسية على حساب الكفاءة والاستقلالية، ثم يُطلب من رئيس الوزراء وحده تحقيق النجاح وتحمل تبعات الإخفاق.

المواطن العراقي لم يعد يهتم كثيراً بالشعارات والخطابات السياسية، بقدر اهتمامه بتحسين واقعه المعيشي وتوفير الخدمات وفرص العمل ومحاربة الفساد المستشري داخل مؤسسات الدولة. وهذه المطالب لا يمكن تحقيقها ما دامت الوزارات تُدار بعقلية الولاءات والمحاصصة، وما دام القرار الحكومي موزعاً بين مراكز قوى متعددة لكل منها حساباتها الخاصة.

إن نجاح أي حكومة يحتاج قبل كل شيء إلى منح رئيس الوزراء مساحة حقيقية لاختيار فريقه الوزاري وفق معايير الكفاءة والنزاهة والخبرة، بعيداً عن الضغوط الحزبية والتوافقات التي أثبتت فشلها خلال السنوات الماضية. كما أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحمل جميع الأطراف السياسية لمسؤولياتها أمام الشعب، لا الاكتفاء بالمشاركة في السلطة والابتعاد عن تحمل نتائجها.

العراق اليوم يقف أمام فرصة جديدة، لكنها قد تضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل إذا استمر النهج ذاته وتكررت الأخطاء نفسها. فالمشكلة لم تعد في تبديل الوجوه أو تغيير أسماء الحكومات، بل في تغيير طريقة التفكير السياسي وآلية إدارة الدولة، لأن الشعوب لا تقيس نجاح الحكومات بعدد التصريحات، بل بما يتحقق على ارض الواقع .