هاينه روح الشعر الألماني ـ عوّاد ناصر
وصلتني نسخة ماجد الخطيب، العراقي المقيم في كولن ألمانيا والمعنون هاينريش هاينه روح الشعر الألماني الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.
يمثل الكتاب جهداً متميزاً بذله مؤلفه باحثاً في حياة الشاعر الألماني ومواقفه والظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت عصره، ورؤية هذا الشاعر الفذ للشعر ووظيفته وأهدافه، على خلفية من العلاقات الثقافية والسياسية التي ربطت الشاعر بمثقفي وفلاسفة ونساء وأصدقاء القرن التاسع عشر.
يكشف الكتاب انحياز الشاعر للحق والعدالة الاجتماعية ووقوفه في وجه السلطات القائمة في بلاده واضطراره لاختيار فرنسا باريس منفى له وهو أمر لم ينقذه من الملاحقة حتى في هذا البلد.
رغم ذلك يورد المؤلف رأي الكاتب الهنغاري جورج لوكاش مقدمة الكتاب الذي يهاجم فيه هاينه بلا رحمة، سياسياً، لأنه تردد في الانتقال إلى صفوف الثورة البروليتارية، لكنه أبدى إعجابه بشاعريته، وهو نقد آيديولوجي يفصل بين الشاعر والسياسي، وهذا ديدن النقد الموجه والمسبق لدى النقاد الاشتراكيين لكن لوكاش عاد وأبدى إعجابه بعبقرية هاينه ورهافة حسه وغنائيتهه، ويقيّم عالياً موقفه النقدي من الشعر الكلاسيكي والحركة الرومانسية ويرى، في سخريته، أساس المرحلة الانتقالية التي قادها هاينه وأدت إلى انطلاقة مرحلة الأدب الحديث .
لكن فريدريك نيتشه رأى في هاينه مكراً أهله لأن يكون فنان اللغة الألمانية الأول .
كان هاينه أحد أشهر من أحرقت كتبهم سواء في بلده الألماني أوفي إيطاليا، عندما تحالفت الكنيسة، في حلف غير مكتوب، مع السلطات القائمة، واستجابت لموقفها في مراقبة الشاعر و تفتيش كتبه والبحث في ما إذا كان محرضاً على الثورة أو معادياً للكنيسة، وإذ يتوصل رهبان وقساوسة الفاتيكان إلى هذه الحقيقة يصدرون فتواهم بحرق كتب الشاعر.
أصيبت الكنيسة بالهلع إثر التطور الواضح في حركة الكتابة والطباعة والتأليف، بعد أن رأت خطراً ثمة بدأ بتهديد سيطرتها ونفوذها الديني والسياسي، فجرى اختيار ثلاثة أعضاء لجنة تكفلت بدراسة كتب هاينه وكتابة تقارير تستعرض مضامينها من دون تفسير وإضافات وتأويلات، ووضع الكاردينال جياكومو غويستينياني أمام القساوسة الثلاثة معايير الحكم على هرطقة الكتب من عدمها
هل تتعرض لاسم الرب والمسيح بالقذف؟
هل تحط من قدر الكنيسة والقضايا المقدسة؟
هل تمدح مناهضي الكنيسة وتنتقد أخلاقها؟
هل تثير الشعب وتدعو إلى الثورة؟ .
يشير المؤلف إلى أن الشرط الأخير سياسيّ بحت يتعلق بحرية الصحف والرأي والمعتقد.
كانت لعنة هاينه، شبه أبدية، فبعد مئة وخمسين عاماً يبدأ موسم جديد لحرق الكتب دشنه صعود النازية في ألمانيا وتولت شبيبتها حملة الحرق الشهيرة المعروفة بـ ليلة الكريستال لتشمل قائمة المحروقات كتب هاينة وصار كتابه قصائد معاصرة دليل إثبات جرمي على من يقتنيه، إلى جانب كتب فلاسفة وكتاب وفنانين من المشاهير.
الكتاب غني وقيّم، بالتأكيد، وهو من النوع الذي يوضع في عداد المراجع للنقاد والدارسين ومحبي المعرفة من القرّاء الجادين، لما يعرضه المؤلف من وثائق ومعلومات غزيرة تتعلق بهذا الشاعر الفذ، رغم تركيز المؤلف على الجانب الآيديولوجي في عمل الشاعر وسلوكه، لكنه بالمقابل يوضح موقع الشاعر الأدبي في عصره والمدارس الفنية التي عاصرها والنقلة التحديثية التي أحدثها في مرحلة ما بعد الرومانسية الكلاسيكية في أوروبا، كما يتطرق إلى شغف هاينه بالشرق وفلاسفته وشعرائه واطلاعه على القرآن، أيضاً، على خطى أستاذه وصديقه اللدود غوته شاعر ألمانيا الأكبر.
يأتي الكتاب في وقت تدور في عجلة الأكليروس المتأسلم في بلداننا، في لحظة يعيد فيها التاريخ نفسه في محاربة حرية الفكر والإبداع ومصادرة الكتب والكتابة.
AZP09
























