نموذج الست ورقاء – محمد علي شاحوذ

نموذج الست ورقاء – محمد علي شاحوذ

لن تدرك أهمية دور المرأة الريادي في تربية الاجيال وتقدم المجتمعات وتطورها مالم ترَ مثالا حيا على ارض الواقع, وقد لا اكون متشائما لو قلت ان قائمة النساء اللواتي تركن بصمات رائعة في مجال التربية والتعليم قليلات, ولعل واحدة من تلك القليلات  يبرز اسم الست ورقاء مديرة مدرسة طيبة الابتدائية للبنات في منطقة الزيتون التي تبعد  7 كم عن مركز مدينة الرمادي, اذ وفي هذه الظروف الصعبة والمضطربة من حياة المجتمع العراقي تبرز الحاجة الماسة الى نوع من التربويات الملهمات القادرات على إحداث التغير المطلوب في بناء شخصية الطفل العراقي الذي يتعرض لعملية غسيل دماغ ممنهجة ومدروسة هدفها تخريب افكاره وتدمير شخصيته مبكرا بعيدا عن الاخلاق والقيم.

تقوم الست ورقاء بعمل غاية في الأهمية وهو تَنْشِئَةُ اجيال واعية ومثقفة ومتسلحة بالعلم والمعرفة بأسلوب مميز وهادئ بعيدا عن اساليب العنف والترهيب والصراخ والتهديد, ولها طريقتها الخاصة في ايصال رسالة التربية, كنموذج انساني متميز, بأسلوب القدوة لا الموعظة, فهي تحرص امامهن باستخدام لغة سليمة ونظيفة بعيدا عن لغة الاسفاف والابتذال, وهي تتصرف بكل حذر أمامهن من أجل أن تُعلمُهُنً حسن التصرف, وتزرع داخلهنً بذرات الاخلاق الحميدة, وتساعدهن دائماً على التمييز بين الصواب والخطأ وتنمي قدراتهن الإيجابية، وتُهذب سلوكياتهن السلبية, وهي تؤمن أن أول حاجة للشعوب بعد لقمة العيش هي التربية, وتشدد على طالباتها  ان الاخلاق قبل خبزهن وثوبهن, وان قيمة التربية لا تكمن في معرفة الحقائق، بل في معرفة القيم اولا, وتبذل الست ورقاء ومعها كادرها التربوي من المعلمات جهودا جبارة في سبيل الوصول بطالباتهن الى بر الامان, فهن يحاربن لا الجهل والامية فقط, بل يواجهن مخاطر وتهديدات حقيقية لا حصر لها ومن أجل ذلك تمنح الدول المتقدمة مثل اليابان أعلى الرواتب لمعلمي المدارس الابتدائية.

مهمة صعبة

تدرك الست ورقاء ان صناعة الأجيال ليست بالأمر السهل بل هي مهمة صعبة وشاقة, خاصة وأن طالبات مدرستها يحيط بهن التوتر, ويتعرضن لضغوط العادات والتقاليد غير المشجعة في اكمال تعليمهن, مع الكثير من خيبات الأمل الناجمة عن البؤس والفقر والحرمان, وهي لا تكتفي بمتابعتهن داخل الصف و المدرسة بل تستمر في متابعة أحوالهن حتى في بيوتهن وتجتهد في مساعدتهن بحل مشاكلهن مهما كانت. ترى الست ورقاء أن هدف التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة يجب ان يكون منشطا لرغبة الاطفال الطبيعية في التعلم، وليس بإكراههن على التعلم, وهي تصر على طالباتها ان يتعلمن التفكير لأن التعليم الفاشل هو الذي يخلق أجيالاً تستطيع القراءة والكتابة فقط ولكنها لا تستطيع التفكير, وكما يقول (الشاعر الانكليزي صامويل تايلر كولريدج) فان أعظم معلم على الاطلاق هو الذي يمنحك قدرا كبيرا من الامل وهذا ما تفعله الست ورقاء مع طالباتها. ولكنني وللأسف لم المس المساندة الكافية من مسؤولي قطاع التربية لهذه النماذج المشرقة في التربية والتعليم, واتمنى من المسؤولين  في بلادنا أن يقدموا كل اشكال الدعم اللازم لمدارس البنات الابتدائية تحديدا خاصة المدارس التي تتواجد في مناطق بعيدة عن مركز المدينة فالمشاكل هناك كثيرة وكبيرة ولا تخفى على احد, ويتحتم على الدولة توفير الحماية اللازمة وكل ما من شأنه سلامة العملية التربوية وهذا واجب اخلاقي قبل كل شئ, لأن بدون هذا الدعم فقد يأتي اليوم الذي لن نجد فيه مديرة واحدة ترضى بالبقاء في منصبها والاستمرار في مهامها ولا تطالب باعفاءها !!.