
إذا نظرنا إلى الماضي القريب، نجد أن الكورد في إقليم كردستان العراق يعيشون الوضع السياسي والاقتصادي ذاته الذي كانوا عليه أيام نكسة سنة 1974. ولأنهم يتعرضون لعقوبات اقتصادية وسياسية من الجهات كافة، فإن الشعب الكردي في إقليم كردستان هو من سيدفع الثمن، وليس القادة الكورد.
ولسوء الحظ، في العراق الجديد، جميع قيادات الحكومة العراقية، طوال المدة من 2003 إلى 2023، وبشكل مستمر، سواء بالقوة أو بتسخير المحكمة الاتحادية العليا، أو بالضغط الاقتصادي، لمنع الكرد من بيع النفط في سوق النفط العالمية، وتهميش دور الإقليم في العراق، فعمد رؤساء الوزراء المتعاقبون على تجويع القومية الثانية في العراق، من دون أن يتضور القادة الكورد جوعاً، لكن هذه المرة سياسة رئيس الوزراء الحالي (محمد شياع السوداني) على العكس من الآخرين زاد من حجم الضغوط على حكومة إقليم كردستان، ولكن من دون الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام الحال نفسه، ولكن عبر توجيهات وضوابط وقوانين توظف التفسير الخاطئ لمواد الدستور العراقي، بمعنى ما، فقد طبق مقولة الرئيس الأسبق الأمريكي (روزفلت): «لكي تُفهم جيدًا، عليك أن تمسك بعصا غليظة وتتحدث بهدوء!» في 11 مارس 1970، وقع الزعماء الكورد اتفاقية لإعلان الحكم الذاتي للشعب الكردي، ولكن ثم ببطء ولطف على مدى أربع سنوات، في 6 مارس 1974، اتفق صدام حسين، نائب الرئيس العراقي يومئذ، والشاه (محمد رضا بهلوي)، رئيس إيران آنذاك، على تدمیر الثورة الكردية، ومحاولة القضاء على إرادة الشعب الكردي. والآن يكرر رئيس الوزراء العراقي الاتحادي محمد شياع السوداني والرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) السيناريو نفسه بعد 39 عاماً عن طريق منع بيع نفط إقليم كردستان الذي كان المصدر الرئيس للإيرادات المحلية، ورواتب الموظفين وحركة السوق. كما كان بمثابة نعمة لكبار المسؤولين في جمهورية إيران الإسلامية.
وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية كانت دائماً مع حرمان الكورد من حقوقهم، إلا أن معظم القادة الكورد لم يفعلوا شيئاً إزاء ما فعلته الحكومة العراقية ضد أمتهم، مما أعطى مبرراً قانونياً ودستورياً للحكومة المركزية في بغداد لاتخاذ قرارات ضد الكورد بعد الغزو. إعلان مارس 1970، تخصيص ميزانية ضخمة لإعادة إعمار مدن وقرى كردستان عن طريق وزارة إعمار الشمال التي كان وزيرها المرحوم (سامي عبد الرحمن)، وقت ذاك اتجه بعض مسؤولي الثورة وراء التجارة والرفاهية، وأصبحوا مقاولين لإعادة إعمار القرى وجزء فاسد من الميزانية المخصصة، ولم يعودوا بالخير على الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للشعب الكردي. بعد العام 2003، عندما كانت حصة إقليم كوردستان من الموازنة العامة لجمهورية العراق الاتحادية ترسل إلى الإقليم سنوياً، مرة أخرى بدأ بعض المسؤولين من الكرد الفسادين العبث بمقدرات شعب إقليم كوردستان منذ العام 2014 إذ انتهك رئيس الوزراء العراقي (نوري المالكي) حقوق إقليم كردستان، فضلاً عن تهديدات بشن هجمات عسكرية على إقليم كردستان بين الحين والآخر، حتى بعد هجمات داعش واستفتاء 25/9/2017 في جميع المناطق الكردية، فكان كل رئيس وزراء يرسل أحياناً مبلغاً صغيراً من الميزانية، حتى على سبيل الإعارة، كما لو كان ليعطي متسولاً. الشعب الكردي عاش على أمل تحسين أوضاعه المعاشية واستبشر خيراً برئيس الوزراء السوداني، لكن سرعان ما أدرك تشابه الأحداث مع ما أطلق عليه قانون ثورة البعث قبل 39 عاماً، إذ منع مرة أخرى صادرات النفط، وتلاعب برواتب الناس.
شعب إقليم كوردستان يعتقد الآن أن مسؤولي إقليم كوردستان وبغداد اتفقوا اللعب على الشعب، والشعب سيدفع الثمن لوحده، والغريب في الأمر أن معظم المسؤولين العراقيين هم من كرد العراق، وثمة عدد كبير من أعضاء مجلس النواب، ومثلهم من المسؤولين الحكوميين الآخرين، وحتى كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، لكنهم جميعاً يصمتون عن الانتهاكات والتطهير العرقي للكرد. ويستلمون رواتبهم الشهرية من بغداد، لكن لا يتم توزيع الرواتب في إقليم كردستان إلا كل شهرين. جميع الحكومات العراقية المتعاقبة، شغل الكرد فيها مناصب عليا، لكنهم لم يدافعوا عن حقوق الكورد، بل ولم يدافعوا حتى عن أنفسهم أو عن، وخدم العشرات من الوزراء والمدراء العامين والمحافظين والمدراء والرتب العسكرية في الحكومة البعثية في كردستان. الآن الأحزاب الكردية تخدم حكومة السودانية رسمياً، ويجري التطهير العرقي في مناطق كردستان المحتلة أمام أنظار العالم، وأمام هؤلاء المسؤولين، لكنهم يلوذون بالصمت.
لذلك نخلص إلى أن ما يحدث الآن اقتصادياً وسياسياً، أصبح أمراً واقعاً، لا أحد يعمل بالدستور ويتم انتهاكه، ولا أحد يهتم بتنفيذ المادة 140 من الدستور. الكرد الآن في أزمة أخرى شبيه بالعام 1974، لكن هذه المرة تغير اللاعبون، فهناك السوداني وأردوغان ومخططات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مثل (هواري بومديان) الرئيس الجزائري في الماضي، إذ بدأ التراجع في 16 أكتوبر 2017. ويتم تنفيذه يوماً بعد يوم عن طريق القوة الناعمة، إضافة إلى العوامل العراقية والإقليمية والدولية، فإن حكومة إقليم كردستان يتم إضعافها، والسبب الرئيس هو العامل الداخلي المتعلق بفساد السلطات والأحزاب السياسية في العراق فضلاً عن إقليم كوردستان من دون تمييز، لأنهم جميعاً متشابهون، بالطعم نفسه، ولكن لديهم شعارات مختلفة، وأسماء مختلفة، مثل المشوبات الغازية كالبيبسي والكوكا كولا.
ومما يثير القلق أن التراجع الكردي في الوضع الحالي في المنطقة والعراق، يعود إلى فساد المسؤولين الكورد الذين يعانون من طعم النفط، وأصبحوا ضحايا مصالحهم الشخصية وقراراتهم الخاطئة مع حكومة بغداد.
























