
نعمة : فترة الحصار وسفر الكفاءات أهم أسباب تراجع الإنتاج السينمائي
محنة المخرج تراوح بين المؤسسة الرسمية والقطاع الخاص
وسام قصي
منذ بداية صناعة السينما في العراق في منتصف الاربعينيات .. برزت مشكلة ايجاد مخرجين سينمائيين لإخراج افلام السينما العراقية التي بدأت في تأسيس شركات الانتاج السينمائي في العراق .. ومن البديهي انتاجها افلام عراقية بأيدي عراقيين .. ولعدم وجود فنيين ومخرجين استعان اصحاب الشركات بكوادر عربية واجنبية لإنتاج افلامهم الى عام 1957 عندما اخرج حيدر العمر فيلم فتنة وحسن كأول فيلم يخرجه مخرج عراقي بانتاج شركة عراقية وتبعها كامران حسني باخراج فيلم سعيد افندي منتصف الخمسينيات وتبعتها العديد من الافلام التي انتجتها شركات عراقية .. هذا ما اكده المخرج السينمائي سعد نعمة في حديثه عن محنة المخرج بين المؤسسة الرسمية والقطاع الخاص .
ويتساءل عن سبب تباين مستوى هذه الافلام قائلاً: هل يحمل هؤلاء المخرجون شهادات أكاديمية؟ فيجيب ان معظم هؤلاء المخرجون لم يدرسوا الاخراج السينمائي بشكل اكاديمي .. بل جاء عن طريق تقليد افلام مصرية وافلام اجنبية .. وايضا العديد منهم هم مشاركين او اصحاب هذه الشركات .. مما يضيف على المخرج اعباء اضافية انتاجية اضافة الى اعباء فنية اخراجية .. وهذا مايؤثر على المستوى الفني لهذه الافلام .. ولكن مع مطلع الستينيات وتأسيس مديرية السينما وارسال البعثات الى الخارج لغرض دراسة الفن السينمائي والاستفادة منهم في انتاج الافلام التي اصبحت من انتاج المؤسسة الرسمية .. ولهذا ظهرت افلام ذات مواصفات جيدة كبداية الانتاج السينمائي في العراق خلال فترة السبعينيات .. ولأول مرة استخدمت سياقات عمل احترافية تخفف من كاهل المخرج السينمائي وتفرغه الى عمله الفني فقط ومستلزماته الاخراجية دون الانشغال بالامور الاخراجية الاخرى .. وغياب عمل المؤسسات والشركات الاهلية والمخرجين الارتجاليين ..
فترة الحصار
وعن فترة الحصار اوضح : خلال هذه الفترة مع مطلع نهاية القرن الماضي وتوقف الانتاج السينمائي العراقي وسفر الكثير من الكفاءات الفنية .. سبب ذلك الادارة الفنية وايضاً ضعف مستوى الاخراج السينمائي .. هذا الضعف وقلة الانتاج تسبب في خلق كروبات او شلّة تحيط بالمخرج يشاركونه في عمل كل افلامه .. ولهذا حرم العديد من المخرجين في الحصول على فرصة اخراج اي فيلم وذلك لانتشار ظاهرة المحسوبيات والتدخلات السياسية والاتفاقات المشبوهة؛ ولهذا تم ابعاد معظم الفنانين الذين درسوا السينما في الخارج الى مجال التدريس، والبعض غادر الى الى خارج العراق، كل هذا تسبب في ضعف واضح في الفيلم العراقي وابتعاده عن المهرجانات الدولية وتشابه مواضيعه .. لهذا اقتصر اخراج الافلام على اسماء معدودة وحرم الكثير من المخرجين من فرصة اخراج اي فيلم وايضا حرم السينما العراقية من التنوع في المواضيع واساليب الاخراج السينمائي .. ولهذا نتعبر مرحلة ما بعد التغيير في عام 2003 هي مرحلة موت السينما في العراق.
مرحلة ما بعد عام 2003 ..
ويقول عن مرحلة ما بعد التغيير عام 2003 انها كانت فترة مربكة بعد الانفجار الكبير في حرية التعبير والعمل والسفر والانتاج .. واخذ ما تبقى من السينمائيين على حين غرة .. فالسينمائيون القدماء في المؤسسة الرسمية وبعد توقف طويل اصبحوا غير قادرين على مواكبة اساليب الاخراج السينمائي الحديثة .. وبالتالي وبسبب كونهم موظفين رسمين اصبحوا عبئاً امام تطوير الاسلوب السينمائي في السينما العراقية .. ولهذا كان انتاج المؤسسة الرسمية شحيحاً وضعيفاً؛ لانه امتداد للموت السينمائي قبل عام 2003 .. ولم تفلح محاولات ترقيع الواقع السينمائي في المرسسة الرسمية لمعالجة هذا الخلل .. بل ان اضافة مخرجين شباب قليلي الخبرة زاد الطين بلة .. ولا يمكن منح فرصة لهم لاخراج افلام روائية طويلة تكلف ملايين الدنانير ولا تتمكن المؤسسة الرسمية منحهم فرصة ارسالهم في دورات سينمائية في الخارج لهذا ازداد عدد الكادر من العاطلين عن العمل ..مما فسح المجال امام بعض مؤسسات المجتمع المدني لاخراج وانتاج افلام سينمائية بامكانات محدودة .. ولكن بالاستعانة بالمؤسسات الاجنبية وبجهود شخصية ..
وتابع : ما اشبه اليوم بالبارحة .. لنعود الى ايام بداية صناعة السينما في العراق لان معظم هذه المؤسسات هي تشبه شركات الانتاج السابقة .. أي انها ملك لشخص وهذا الشخص سيتحمل عبء الاخراج والانتاج معاً وهذه مشكلة تعاني منها السينما العراقية وتسبب في ضعف الجانب الفني للأفلام .. والدمج بين الجانب الاداري والفني يسبب ضعف في مستوى تركيز المخرج على عمله الفني ..
مرحلة بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013 ..
ويشير نعمة الى ان المفاجأة الكبيرة التي حصلت عام 2013 باختيار بغداد عاصمة للثقافة وتخصيص ملايين الدنانير لانتاج افلام تشرف عليها او تنتجها المؤسسة الرسمية .. فضح ما تقدم مما ذكرناه مسبقا من تخلف اساليب المؤسسة الرسمية في الانتاج وتواضع مستوى العاملين ومخرجي الفترة السابقة .. الذين حصلوا على فرصة اخراج وانتاج جميع افلام بغداد عاصمة الثقافة العربية.
واضاف : لم تضف هذه الافلام اي مستوى ايجابي او علامة في تاريخ السينما العراقية .. والدليل ان هذه الافلام لم تحصل على جائزة في اي مهرجان سينمائي ولم تحصل على اي اقبال جماهيري .. هذا يعني ان هناك خللا كبيرا في تعاطي وادارة المؤسسة الرسمية للفيلم السينمائي وتوزيع الفرص على المخرجين السينمائيين .. ضياع هذه الفرصة القى بظلاله على يأس واحباط الكثير من السينمائيين الشباب المبدعين الذين يمتلكون عشق سينمائي وابداع .. يحلمون بإخراج افلام سينمائية مميزة تحظى بجوائز في مهرجانات عالمية .. مما دفعهم الى انتاج افلام قصيرة على نفقتهم الخاصة بإمكانيات بسيطة .. لإخراج تلك الافلام ومشاركتها في مهرجانات متعددة ونيلها الكثير من الجوائز بعيدا عن المؤسسة الرسمية ..
معضلة المخرج
وختم تبقى معضلة المخرجين هي الخلط بين الاعمال الانتاجية والادارية وبين المسؤوليات الفنية الاخراجية وهي السبب الرئيسي لضعف مستوى الافلام .. وحتى نضيف سبباً اخر مهم لضعف الاخراج في الافلام العراقية هو ان الدولة توقفت عن ارسال السينمائيين العراقيين الى الخارج لغرض تطوير مستوياتهم الفنية وايضا ضعف التدريس في كليات ومعاهد الفنون الجميلة في العراق وخاصة في مجال الاخراج السينمائي .. اذ لا زالت المادة التدريسية هي نفسها المادة القديمة التي لم تتطور ولم تواكب الاساليب السينمائية الحديثة ولهذا فان محنة المخرج العراقي في الاعتماد على نفسه في تطوير قدراته والبحث عن فرصة اخراجية وانتاجية وتسويقية وابداعية وجمالية بشكل شخصي .. كل هذا تسبب في ضياع امكانات وقدرات الكفاءات الفنية الاخراجية ولم تسنح لهم الفرصة لاخراج افلام كانوا يحلمون بها وفرصة ضاع العمر بانتظارها بسبب التخلف الاداري والمؤسساتي.
























