نص تفضّل معنا و … فضّ الاشتباك في إشكالية المصطلح النقدي
خضر عواد الخزاعي
حسنا فعل الروائي والقاص مهدي علي ازبين عندما اطلق على نصه الجديد (تفضل معنا و…) الذي تراوحت عدد صفحاته الـ 99 صفحة في طبعته الاولى من دار مكتبة عدنان 2015 . بــ(نص سردي) فلقد اخرج نفسه ونصه من اشكالية المصطلح التي تعاني منها الكثير من النصوص المحلية السردية، بين عائديتها لجنس الرواية القصيرة أو القصة الطويلة ، تلك الإشكالية التي رافقت المنجز السردي العراقي منذ بواكيره الاولى في عشرينيات القرن الماضي، مع اطلالة نصوص محمود احمد السيد السردية الاولى (في سبيل الزواج 1921) و (مصير الضعفاء 1922) واللتين اعتبرهما الكاتب في حينه على انهما روايتان ، فيما اطلق على مجموعته القصصية (النكبات) على انها مجموعة روايات قصيرة، كما اشار الى ذلك الناقد العراقي المرحوم الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه (حديث القصة والمسرحية) الصادر في العام 1987 عن دار الشؤون الثقافية/بغداد. ليستمر الجدل النقدي الذي أطلقه المرحوم الدكتور الطاهر الى يومنا هذا، في موضوعة اطلاق التسميات على النصوص ومدى مطابقتها لشروط الجنس الأدبي الذي تستحقه ، من حيث حجم النص ، واستيفائه للشروط والضوابط التي يجب أن تكون عليها القصة أو الرواية ، فمن ناحية الحجم يمكن أن نضع نص (تفضل معنا و …) في مجموعة القصص القصيرة الطويلة (Long story short) والتي قد تتجاوز عدد صفاحتها الـ 100 صفحة حسب المرجعيات الكلاسيكية العالمية في تصنيفها لنوعية النصوص السردية ، كما في نصوص تشيخوف واندريه جيد وبعض قصص بلزاك وموبسان ،فهي ليست بالروايات وليست بالقصص القصيرة أيضاً ، بل أن أفضل ما أطلقه عليها النقد حينها على انها(Novel ) فرنسي ، أي قصة طويلة ، أو رواية قصيرة .
اما الشروط الاخرى التي اعتمد عليها النقد في التمييز بين الانواع الادبية فهي مجموعة من المعايير التي يتضمنها النص السردي، وتكاد تكون هذه المعايير عالمية وعامة وان خضعت في فترات متعاقبة الى عدة تغييرات وتقلبات، تبعا لطبيعة الزمان والظروف والتي مرّ بها الادب العالمي ، والتي وصلت الينا متأخرة بعض الشيء بسبب غياب الترجمة ، والظروف العامة للمجتمع العراقي ، بعضها مرتبط ببنية النص ، مثل تشابك الاحداث ، والعمق والسعة ، وتعدد الابطال والوجوه، وبعضها الاخر مرتبط بالتقانات ، مثل التعبير عن وجهات بطريقة أو تقديم الشخصيات بطريقة تجعل القارىء يتعرف ببساطة على شخوص النصوص، وفي نص (تفضل معنا و …) نتلمس الحرص الشديد من الكاتب في متابعة كل هذه المواضيع التي تقرب نصه من الذائقة النقدية الروائية ، بالاضافة الى الاستخدامات المتعددة لما يطلق عليه اليوم بـ( Narrative techniques ) تقنيات السرد /القطع .. التداعي .. التداخل السردي .. اللغة .. الديمومة .. الوقفات .. الوصف .. الزمن.
العتبات الأولى في هذا النص تبدو سافرة وجلية تعلن بيسر عما يضمه النص وما يخبئه الكاتب من مغامرة نصية ، فالعتبة الأولى للنص (العنوان) بالاضافة الى هيمنته واستعماله كــمرتكز (ثيمي) مارس دوره كعنصر سيميائي حمل أكثر من دلالة ، مع تعدد وظائفه وتنوع اشتغالات الكاتب عليه. خصوصا في المواقف التي تتطلب المواجهة مع السلطة ، أو القوى المتنفذة، سواء كانت أمنية أو حزبية ، أو حتى فنية ، كما يحدث حين يُقاد على طريقة (تفضل معنا) من قبل أحد القائمين على انتاج عمل فني في المطار ، المفردة كمصطلح لغوي قابلة لأي تأويل دلالي (تفضل معنا يا لها من جملة انبقة ؛ لكنها توحي باتجاهات متناقضة، ظاهرها يساير اللطافة واللياقة العالية، وكأن أحداً يدعوك الى وليمة / نزهة، أو مناسبة عزيزة، وقد تعني قصدا مغايرا) فالمفردة هنا تخضع لمقتضيات الظرف الذي استخدمت به ، ان تكون متآلفة متناغمة أو (طلب متغطرس يفضي الى اهانة شخص مقصود) ، فيما يحمل العنوان كملفوظ لساني/ صوتي أكثر من اتجاه يمكن ان يقوده بالطريقة التي تؤدى بها المفردة ، وهو ما يسميه رولان بارت بــ(الحاسة الثالثة) وما يترتب عليها من معاني ووجهات نظر (أنت تحدد صيغة العبارة وكيفية القائها وتوصيلها الى تأويل يطابق التهديد، وتغدو”تفضل معنا” مفتاحا لمعالجة الابواب الموصدة) . وحتى على مستوى الإنشاء حينما تتحول المفردة الى دعوة مكتوبة ومرسلة عبر الفضاء بواسطة جهاز الحاسوب (Computer) ايضا تتباين دلالاتها ووظائفها بالنسبة الى المتلقي كما هي الحال هنا حين تكون الثيمة فاتحة للنص على شكل دعوة لحضور مناسبة خاصة، واهتمام الكاتب بالدور الوظيفي والثيمي للعنوان جعل من الكاتب ان يفرد لها أكثر من خمسة وعشرين موضعاً.
عتبة النص الثانية .. النص الشعري القصير المكثف والمكتنز المعنى، الذي وضع بموضع المقدمة في بداية النص، حمل أكثر من معنى واكثر من مستوى، المستوى الاول انحيازه الى النسق الزماني (ألمُّ فتات العمر) فيما يبدو في شطره الاخر(أفتش عن حلم) كمفتتح لسلسلة طويلة من التداعيات التي سنتلمسها ونتحدث عنها لاحقاً في موضع آخر من البحث، ويتطابق النص الشعري في نهايته، وكأنه اختزل جانبا مهما من رؤية النص/العزلة والخواء (حلم غير مأهول) وهذا ما نتلمسه في رحلات البطل / السارد.
فيما يكون مفتتح النص، العتبة الثالثة، بشاعريته، التي لانقول عنها مفرطة بل جميلة ومتزنة (تهمس خطواتي عند مدخل القاعة، تتوقف، تحنطني في أطار الباب. أمد بصري من قوس رائق المزاج) اشارة متقدمة على اننا ازاء نص مرتكزه الرئيسي لغة في غاية الجمالية والشعرية، وهو ما اشار اليه الكاتب في حوار شخصي معه (انا اجتهدت وتحديت نفسي في كتابة كل نص قبل ان اتحدى نصوص الاخرين.. لااقصد ثيمة العمل فقط وانما تقنية الكتابة والحامل اللغوي للثيمة تكونت لي بصمة في شعرية السرد).
من التقانات المهمة التي استخدمها الكاتب في هذا النص تقانة الـ(Cut)القطع، وجعلها عنصرا محوريا مهما في الانتقال بين حبكات الحكايات الست في النص، وهي حكايات متداخلة فيما بينها بطريقة (التداخل السردي) حيث أن كل قصة تقود الى قصة اخرى بعد ان تقطعها في مكان معين، ثم تعود اليها كما في القطع الحاصل في حكاية استدعائه وهو في انتظار شحنة الدجاج في المطار، وانتقاله الى مرحلة مبكرة من حياته حين يتم القبض عليه واقتياده لمركز الشرطة للتحقيق معه في موضوعة (اهانة النظام) ، بالاشتراك مع صديقه في مستودع الخشب ، في حين يتم قطع الحكاية الثانية والانتقال الى حكاية جديدة والى سن متقدمة حين كان طالبا في الصف الخامس الاعدادي ، ويتم التحقيق معه للمرة الاولى بتهمة (كراهية النظام) بسبب منشور على جدارية المدرسة، ثم يقطعها هنا وينتقل بالحكاية الى مستوى جديد حين يتم استدعاء شقيقه للتحقيق معه من قبل مسؤول الفرقة الحزبية للاشتباه به، ولا يترك قصصه سائبة معلقة ، بل يتابع تفاصيلها ويحاول ان يجد لها حلقات ارتباط تقود الى حلحلة الحبكات المتشابكة، ليحافظ على الجو العام للبنية الاساسية للنص، وهي الدعوة لحضور مناسبة الصديقة.
التقانة الاخرى التي تبناها الكاتب في ادارة نصه السردي هي التداعي (Decrepitude) والتي أخذت من النص حيزا كبيرا، خصوصا في نصفه الثاني، وهو يقترب من اللقاء المرتقب مع صديقته الشاعرة، التي لم يسم بلدها وتركه مجهولا لاسباب لانعرفها، ورغم ان حالة التداعيات التي وظفها الكاتب بطريقة ذكية ومنسجمة مع روح النص، منذ بدايته تبدو متماهية مع اسلوب القطع السينمائي للجملة القصصية الدرامية، إلا انها كانت مهمة وعضوية في الانثيال الذي رافق نهاية النص، ومع كل خطوة يخطوها السارد في طريقه الى المنتدى الثقافي، لحضور الجلسة المرتقبة، وكانت من العوامل التي مهدت لنهاية موفقة رغم كلاسيكيتها، حيث جعل من شخصية الفتاة أو الشاعرة الغائبة/الحاضرة ذات حضور مهيمن في النص من خلال اهتمامه بالجوانب الشخصية لها، ورسم ملامحها العامة ومعاناتها مع مرض القلب في اطار غلب عليه السرد والوصف، للتعويض عن غياب الفتاة عن مسرح الاحداث وحضورها المادي في النص.
(تفضل معنا و …) نص سردي في غاية الاناقة والانسجام من حيث اللغة وعلامات الترقيم والترميز، والادوات التقانية والعناصر الارتكازية للنص، بالاضافة الى رؤية ثرية وهادئة للكاتب ساعدته على تدوين نص، كان يمكن له ان يمتد الى مساحة اكبر، لو انه انساق في نّفَس ابداعي سردي مع النص، في تشابك حبكاته المتنوعة، مهدي علي ازبين طاقة واعدة في مجال السرد، استطاع ان يسجل لنفسه الحضور المتميز في ساحة السرد العراقي الى جانب اسماء واعدة برزت بعد 2003 رغم تأخرها لسنوات.
























