نداء إلى المثقفين

نداء إلى المثقفين
د. حسن حنفي
لا أدري اذا كان ذلك نداء للمثقفين أو عتابا عليهم أو نقدا ذاتيا لهم. وأنا واحد منهم في النهاية. ليس دفاعا عن احد ولكن وصفا لثقافتنا السياسية التي يبدو أنها لم تتغير على مدى ستين عاما. وكنا نظن أن يناير 2011 بداية جديدة في حياة المصريين. يبدو أننا لم نع بعد درس الوحدة الوطنية التي تجلت في الميدان في بداية الانطلاقة الأولى للثورة ثم في مسار أزماتها بعد اعلان أحكام النظام السابق والتعديل الدستوري الثاني، وانتخابات الرئاسة. مازال الاستقطاب دائرا بين الدولة المدنية والدولة الدينية، بين الاسلاميين والعلمانيين الذي أعطى فرصة للمقاطعة في انتخابات الاعادة أو ابطال الصوت والذي مازال يعطي فرصة للطريق الثالث بين الاستبداد الديني والاستبداد العسكري. ومازال انحياز المثقفين لطرف ضد طرف، والثقافة هي القدرة على النقد وليس الانحياز والا وقعت في التبرير الذي مازال يحكم علاقة المثقفين بالنظم السياسية، الماضية أو الآتية.
مازال الهجوم على الاخوان مستمرا، قبل الانتخابات وبعدها، وعلى مسار الثورة المصرية. لم يشاركوا فيها بل ركبوا موجتها، تأييد البيان الدستوري الأول، نعم في الجنة، ولا في النار، السعي وراء أكبر قدر ممكن من الأصوات في المجلسين، الشعب والشورى، وفي اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، الترشيح لانتخابات الرئاسة بمرشح ممنوع وآخر احتياطي مقبول تنقصه الكاريزما ، يقولون ما لا يفعلون، ولا يمكن تصديقهم في شيء، اتهام مرشحهم قبل أيام من انتخابات الاعادة بأنه مصاب بالصرع ولابد من تقديم شهادة طبية. وبعد نجاحه سوف نرى ماذا هو فاعل، رئيس لكل المصريين أم صوت للجماعة؟ هل الاخوان جزء من الدولة أم أن الدولة جزء من الاخوان؟
فالى متى يستمر هذا الاستبعاد للجماعة، وهذا الشك في السلوك، وعدم التصديق في القول؟ فمهما قالوا مدنية فانهم يعنون دينية. ومهما قالوا وطنية فإنهم يعنون خلافة. ومهما قالوا حديثة فإنهم يقصدون سلفية. ومهما قالوا ديمقراطية فإنهم يعنون استبدادية الجماعة. ومهما قالوا تعددية فإنهم يعنون أحادية الطرف، حكم الفرقة الناجية، حكم الرسول والصحابة والتابعين وتابعي التابعين الى يوم الدين. فما العمل؟ ماذا يفعلون؟ ما المطلوب منهم حتى يتم قبولهم دون استبعادهم؟
ليست الجماعة كلا واحدا بل تضم أجنحة مثل كل الأحزاب السياسية، وسط ويمين ويسار. ومن طول فترة السجن والاعتقال والتعذيب قَوىَ اليمين على حساب الوسط واليسار كنوع من الدفاع عن النفس، والصراع من أجل البقاء. وبالممارسة السياسية العلنية تقل سيطرة اليمين، وينفتح نحو الوسط. ثم ينفتح الوسط نحو اليسار. وربما يتجه اليسار الى أقصى اليسار كما هو الحال في يسار الكنيسة ولاهوت التحرير وانضمام الرهبان الى جيوش التحرير الوطنية في أمريكا اللاتينية مثل كاميليو توريز في كولومبيا، الصليب في يد والبندقية في اليد الأخرى، أصبح عندي الآن بندقية . فمهما تغير الاخوان، وتنوعت الاتجاهات فيهم فإن المثقفين بضعونهم جميعا في سلة واحدة، سلة اليمين المحافظ حتى يسهل نقدهم. وهل يرى المثقف عندما يدخل حديقة، الورود الذابلة أم الورورد اليانعة؟ الذابلة تسقط بفعل الزمن. وينشأ غيرها جديدا زاهرا. فلماذا يكون المثقف سوادي المزاج بالضرورة؟ لا يرى الا ما يسهل نقده؟ الكراهية لديه مقدمة على المحبة، والشر في رؤيته مقدم على الخير.
واذا قال يميني محافظ شيئا مثل عودة الخلافة وعاصمتها القدس أو فعل شيئا مثل الآذان داخل مجلس الشعب فإن ذلك ينسحب على الجماعة كلها. واذا جعلت نائبة منهم مهمتها في مجلس الشعب التبكير بزواج الفتيات وبختان البنات فان ذلك يُعد نموذجا لتفكيرهم وليس موقفا شخصيا ممن تطلب الشهرة الاعلامية. أما أقوالهم في حقوق الفقراء، وسكان العشوائيات، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، وحقوق المرأة، وحقوق شعب فلسطين، فلا يُذكر منها شيء. لماذا تشويه الصورة عن عمد كما تفعل أجهزة الاعلام الغربية من ربط الاسلام بالعنف والارهاب وبالنقاب وبالذقن السوداء الطويلة والجلباب الأبيض؟ تثار قضايا الأقباط وأهل الذمة والجزية وتطبيق الشريعة، والحدود والجلد والرجم والصلب وقطع اليد وقضايا تعدد الزوجات والسبايا والاماء والرق والغنائم وارضاع الكبير ومضاجعة الوداع. ومعظمها تجاوزها الزمن. ولا تطبق الحدود الا اذا توافرت شروطها، وحضرت أسبابها، وغابت موانع تطبيقها بتعبير الأصوليين. وتثار الشائعات حول الفنانين الذين ذبحوا في مصر أو تونس لأن الفن حرام، وعن وضع فقهاء أصحاب ذقون في كل البنوك ليوقعون على كل معاملة باتفاقها مع الشريعة، وعلى عودة المرأة الى المنزل لتربية الأطفال. ومهما قيل عن حرية الابداع وحقوق المرأة فانهم لا يعنون ما يقولون وكأن نقادهم قد دخلوا في قلوبهم وحكموا على نواياهم. يغازلون المجلس العسكري ويدّعون معارضته. ويتفقون مع الثوار ثم ينقضون عهودهم. فهناك رفض نفسي مبدئي لهم. ومهما فعلوا ومهما قالوا ينقصهم التصديق، فماذا يفعلون حتى يصدقهم المثقفون؟ ان الرفض المبدئي ضد الحوار وضد الائتلاف الوطني الذي كان أحد العوامل في نجاح الثورة وتجديد مسارها. ولماذا الاستمرار في العداوة؟ وهل العلمانيون مبرءون من العيوب؟ لو استمر الاسلاميون في بيان عورات العلمانيين لكان لديهم الكثير ضد الليبراليين والقوميين والاشتراكيين والماركسيين النخبوية، التشتت، الولاء للأيديولوجيات الغربية والتبعية لها. وتاريخ كل فريق سياسي لا يسلم من الأخطاء وسفك الدماء ان كانوا في الحكم. ولماذا فرش الملاية من كل فريق للآخر؟ وأين التكاتف الوطني للتخلص من أعداء الثورة والثورة المضادة وأنصار النظام السابق الذين مازالوا في جهاز الدولة وفي الاعلام وفي الداخلية والشرطة وربما في الجيش؟ ألم يسمع كل فريق أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ، وما قاله المسيح قبل أن تطلب من أخيك نزع القشة من عينه انزعها أنت من عينك أولا ؟
خلقنا من أنفسنا أعداء ونسينا العدو الحقيقي. ان ما كتب ضد الاخوان في الصحف اليومية والأسبوعية والقنوات الفضائية ليفوق مئات المرات ما قيل ضد اسرائيل او ضد الاستبداد في سوريا لتأييد الثورة امتداد الربيع العربي في الشام. واذا كان السلفيون متهمين بالماضوية فإن النقد المستمر للاخوان يسرد تاريخهم الماضي منذ انشاء الجماعة لبيان تاريخهم الأسود . وماذا عن المستقبل؟ يبدو أن الكل سلفي ماضوي، المنقود والناقد. ولا أحد يفكر في المستقبل وشروط التقدم.
ان التحدي الآن هو البداية الجديدة، ونسيان الأحقاد القديمة، والقدرة على الابداع التاريخي، حفاظا على مسار الثورة. التحدي هو كيفية تجميع كل القوى الوطنية، وليس الدخول في صراعات متبادلة معها من أجل تحقيق أهداف الثورة، وتجديد مسارها، وتعويض ما ضاع من عمرها في العام ونصف الأخيرة. كيف يمكن التفريق بين التناقض الرئيسي بين الثورة والنظام السابق والتناقضات الفرعية بين فرقاء النضال؟ ان الوعي التاريخي هو رصيد الوعي السياسي. ولكن الوعي التاريخي له مراحل. ومازالت مرحلة الصراع مع الاخوان ممتدة منذ نشأتها حتى الآن. فهل يمكن انهاء هذه المرحلة والبداية بأخرى يتحول فيها الرئيس الجديد الى زعيم ثوري، الى ناصر جديد يجمع بين الإسلام والثورة؟
/9/2012 Issue 4292 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4292 التاريخ 1»9»2012
AZP07