نبوءة وطقوس شاعرة .. قراءة في قصيدة لو أنبأني العرّاف
جبار هادي الطائي
يزخر أدبنُا النّسوي العراقي بعدد من الشّواعر المبدعات اللواتي وضعْنَ بصامتهنَّ الواضحة على خريطة الأدب العربي عموما و العراقي خصوصا لما يتمتعْنَ به من خاصيّة نكادُ نشمُّ من خلالها لواعج و هموم وآلام المرأة بإعتبارها كائنا بشريا شفّافا، انعكسَ ذلك على صياغة المفردات وفق جمل شعرية مُؤثرة ، ولكن هذا لا نجدهُ الّا عند صاحبات الحس المرهف و ( لميعة عباس عمارة) تعد من أوائل الشواعر المجددات في بنية القصيدة العربية بعد ( نازك الملائكه و بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي ) بالإضافة الى الشعراء الذين واكبوا مراحل التجديد الأولى ، يتميّز شعر ( لميعة عباس عمارة ) بالرقة و العذوبة و الإبتعاد عن المغالاة التعقيد ، نراها عاشقة تارة تتغزَّل بالرجل ، محبّة لوطنها تارة أُخرى ، نشمُّ في قصائدِها عطرَ الأرض و رائحة التراث ، فهي نخلةٌ باسقةٌ من نخيلِ العراق تأبى الّا أن تقف بقامتها المهيبة أمامَ كل التّحديات ، تستنشقُ أغوارَ الماضي ، و عبق الأصالة ، و من بين القصائد التي أبدعت الشاعرة في كتابتها قصيدة ( لو أنبأني العرّاف ) من ديوانها الذي يحمل عنوان القصيدة ذاتها ، كتبت القصيدة عام 1977 ، و هي من القصائدة الوجدانية ذات النّفس الجمالي ، و البعد الإنساني النبيل ، تحيلُنا ( عمارة ) في قصيدتها الى أجواء البداوة و الإلتصاق بالأرض ، فهي تحمل معها الفطرة و التّشبث بالموروث ، تتكون القصيدة من خمسة مقاطع جميعها تبدأ بحرف التّمني ( لو ) الذي يتضخّم مدوّيا ، حاملا معه هموم الشّاعرة و أمنياتها و رغبتها بفك شفرة الحاضرة و كسر جمود الماضي و الإنفتحاح نحو عوالم أرحب حيث تدخل الشاعرة في صراع مع عرّافها المفترض الذي تصب عتبها عليه لعدم استطاعته قراءة مستقبلها قراءة واضحة و رسم صورة مستقبلية مشرقة لعلاقتها مع مَن تُحب
نجحت الشّاعرة في رسم صورة (العرّاف ) ذلك الشّخص الذي يرسم صورة مستقبلية و لايبتعد ( العراف) هنا كونه معادلا موضوعياً لأُمنية مرتقبة في نفس الشأعرة أو كونه الأمل المرتقب ، و ما بين نبوءة العراف و طقوس ما قبل النبوءة أو بعدها تطلُّ علينا الشاعرة بثوبها الأُنثوي الجميل تصلّي خرساء من أجل أن يبقى حبيبها قريباً منها :
( لو أنبأني العرّافُ
أنّكَ يوماً ستكونُ حبيبي
لم أكتبْ غزلاً في رجلٍ
خرساءَ أُصلّي
لتظلَّ حبيبي )
نلمح في القصيدة صراعا بين الأزمنة ( الماضي / الحاضر / المستقبل ) حيث تتداخل فيما بينها من خلالِ جملةٍ أفعال وظّفتها الشاعرة في خدمة النص و إضفاء صبغة واضحة الملامح لصورة عرَّافها و نبوءته ( فلو أنبأها العراف – لم تكتب غزلاً في رجلٍ ، و لم تلعبْ بحصى الغدرانْ ، و لم تنظم من خرز آمالها ، و لم تحلم انها ستموت ، و لم تجمد رئتاها ، و لم تكبر هموم الأمس ، و لم تبكِ لشيء في الدّنيا ) كل تلك التماهيات و التّداخلات بين الأفعال المضارعة المجزومة ، المسبوقة بـ( لو ) و نبوءة العرّاف أن تقف على حقيقة واحدة هي أن تبقى وفيّة لحبيبها المنتظر ، حيث أنها بمجرد صدق النبوءة انها سترتقي الى القمر و تلامسُ وجهه على أمل اللقاء :
( لو أنبأني العراف
اني سألامسُ وجه القمر العالي
لم العبْ بحصى الغدرانِ
و لم أنظم من خرز آمالي )
ترسم الشاعرة في المقطع الثالث من القصيدة صورة حبيبها الغائب – لو أنبأها العراف – أميراً فوقَ حصان من ياقوت متمسّكة بالحياة بدلالة تعلّقها بـ( جدائل الدنيا الشقر ) فلم تفكر بالموت بعدها :
( لو أنبأني العراف
أن حبيبي
سيكون أميراً فوقَ حصان من ياقوت
شدّتني الدّنيا بجدائلها الشّقر
فلم أحلم أني سأموت )
يبقى الليل بأبعاده الثلاثة ( الزمني و اللوني و النفسي ) مثار ريبة للشاعرة حيث شعورها بالوحدة الممزوجة بالحزن و هموم الأنثى من الآتي و الرّغبة في الخلاص و البحث عن آفاق رحبة بمجيء حبيبها في الليل حاملا بيديه الشمس حيث استطاعت الشاعرة أن تزاوج بشكل جميل بين مفردتين ببعدين زمنيين مختلفين ( الليل و الشمس ) للخلاص مما هي فيه :
( لو أنبأني العراف
أن حبيبي في الليل الثلجي
سيأتيني بيديه الشمسْ
لم تجمدْ رئتاي
و لم تكبرْ في عينيّ هموم الأمسْ )
و ما بين ( التيه ) و ( نبوءة العراف ) و ( دموع الشاعرة ) نقف ازاء ثلاثية تحملُنا في طيّاتها الى أجواء المرأة و قلقها ، وَ خوفها من الضّياع ، وَ أمنياتها و رغباتها الجامحة تجاه الحياة و الدّموع التي أرادت الشاعرة إدّخارها ليوم قد يهجرها فيه حبيبها المرتقب ، و بما أن الحرف ( قد ) هنا يفيد الإستدراك لمجيء الفعل المضارع ( تهجر ) بعده ، يبقى هنالك أمل بصدق نبوءة ( عراف لميعة ) التي أبدعت الشاعرة في التعامل معها بمهارة حيث تتداخل الأزمنة فيما بنها للوصول الى مستقبل نجحت في رسم ملامحه :
( لو أنبأني العراف
أني سألقيك بهذا التيه
لم أبكِ لشيءٍ في الدّنيا
و جمعتُ دموعي
كلّ الدّمعِ
ليومٍ قد تهجرني فيه )
و ما بينَ نبوءة العراف ، و طقوس الشاعرة نلمح أبعادا انسانية نبيلة تفتحُ لنا آفاقا واسعة للتعرف عمّا يجول في مخيلة المرأة و ما تحمله من أدب إبداعي متميز .
























