موقف الأمم المتحدة من قضايا العرب والشرق الأوسط

موقف الأمم المتحدة من قضايا العرب والشرق الأوسط

 

عماد علو

 

تأسست منظمة الامم المتحدة في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية بين 25 أبريل (نيسان) و26 يونيو (حزيران) 1945 بحضور مندوبين من 50 دولة، وجرى خلاله مراجعة ما اتفق عليه في مؤتمر دومبارتون أوكس وانتهى بالإعلان عن ميثاق أو شرعة الأمم المتحدة التي فتح المجال لتوقيعها يوم 26 يونيو عام 1945. و خلال سنوات قليلة من تأسيس المنظمة، التي جعل مقرها الرئيس في مدينة نيويورك، وأكبر مقارها الفرعية مقرها الأوربي بمدينة جنيف السويسرية لتصبح المؤسسة الدولية الوحيدة الضابطة والمنظمة للعلاقات بين دول العالم . ويعتبر حفظ السلم والأمن الدوليين المشكلة الأهم التي تواجه المجتمع الدولي اليوم ، وهو  المقصد الرئيسي الذي من اجله انشأت منظمة الأمم المتحدة.  ولأهمية هذا المقصد فإن مؤسسي المنظمة قد ركزوا عليه في الميثاق وخصصوا له الوسائل والإجراءات اللازمة لتحقيقه.  ومنذ نشأتها ومنظمة الأمم المتحدة تواجه الأزمات الدولية المهددة للسلم والأمن الدوليين وتحاول إيجاد حلول لها أو التخفيف من وطأتها أو مفاعيلها مستخدمة شتى الوسائل والإمكانيات المتاحة لهذا الغرض.

 

وكانت خمسة من الدول العربية ضمن مؤسسي الامم المتحدة الوجود العربي وهي: مصر والمملكة العربية السعودية ولبنان وسوريا (كلها انضمت فعليا يوم 24 / 10 / 1945) والعراق (21 / 12 / 1945). ومن دول الشرق الأوسط كانت هناك أيضا إيران وتركيا. ثم إن للعرب ثقلا إضافيا يتمثل بأن اللغة العربية هي إحدى اللغات الرسمية الست للمنظمة إلى جانب اللغات الإنكليزية والفرنسية والروسية والماندرين الصينية والإسبانية، مع العلم بأن أمينها العام السادس اختير من دولة عربية وهو الدكتور بطرس بطرس غالي الذي تولى المنصب لأربع سنوات بين 1992 و1996. واليوم تضم المنظمة 192 دولة، بينها 22 دولة عربية. وكان للعرب حضور مميز في الوكالات التابعة للأمم المتحدة حيث ترأسها بعضهم مثل الدكتور محمد البرادعي (مصر) والمهندس إدوار صوما (لبنان) وطالب الرفاعي (الأردن).

 

الامم المتحدة والقضية الفلسطينية

 

القضية الفلسطينية والنزاعات المتصلة بها تشكل أبرز المحطات في علاقات العرب مع الامم المتحدة ، وهي علاقات سياسية وعسكرية وإغاثية تعبر عنها منذ اندلاع النزاع العربي الإسرائيلي وحتى يومنا هذا هيئات وقوات فصل وقوات حفظ سلام في عدد من الدول العربية المحيطة بفلسطين، ناهيك من فلسطين المحتلة ذاتها. وكانت البداية مع خريطة تقسيم فلسطين عام 1947، وتلتها ما لا يقل عن 131 قرارا متصلا بهذا النزاع صدرت عن مجلس الأمن الدولي ما بين 1967 و1989 فقط . كما أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اسرائيل بإدانات تزيد على كل الإدانات بحق دول العالم الأخرى مجتمعة. وكان للأمم المتحدة دور وحضور فاعل في حروب العرب مع اسرائيل في الاعوام 1948 و1967 و1973 وغزو لبنان عام 1982 بصفة عامة ، وغيرها من الاعتداءات والتجاوزات الاسرائيلية المتعددة على لبنان وسوريا ومصر والاردن والعراق . ومن الجدير بالذكر أن للأمم المتحدة وجودا عسكريا في مناطق النزاع العربي الاسرائيلي متمثلا في قوات الفصل الدولية الأندوف على هضبة الجولان في سوريا ، وفي جنوب لبنان تنتشر قوات اليونيفيل، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة والدول المجاورة تعمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ناهيك من نشاطات اليونيسيف في مجالات الاهتمامات بالطفولة والأجهزة والوكالات الإقليمية.

 

الامم المتحدة والشرق الاوسط

 

إضافة إلى القضية الفلسطينية والنزاعات المتصلة بها واجهت الأمم المتحدة قضايا أخرى تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط ، لا تقل سخونة عن القضية الفلسطينية، ولا تزال عالقة أمام الأمم المتحدة. ومن هذه القضايا ما يلي :ـ

 

1.         نزاع الصحراء الغربية : كان للأمم المتحدة دور بارز في التعاطي مع هذا النزاع المزمن بين المغرب و جبهة البوليساريو، ، حيث نشرت قوة دولية عرفت باسم مينورسو في منطقة النزاع. وكان آخر قرار أقره مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن يحمل الرقم 2099 لتمديد فترة عمل المينورسو حتى 30 أبريل 2014.

 

2.         الحرب العراقية الإيرانية : حيث لعبت فيها الأمم المتحدة دور بارز، منذ سبتمبر (أيلول) عام 1980 لوقف القتال، لكنها لم توفق إلى ذلك إلا يوم 20 أغسطس 1988 عبر قرار مجلس الامن رقم 598.

 

3.         حرب الخليج الثانية : كان للأمم المتحدة دورا بارزا في التعاطي مع تداعيات غزو الكويت عام 1990 . حيث فوضت الأمم المتحدة يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990 و عبر قرار مجلس الأمن 678 – استنادا إلى عدة قرارات سابقة – باستخدام القوة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، فشنت قوات متعددة الجنسيات، أمريكية أوروبية وعربية، ما عرف بعملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت يوم 24 فبراير (شباط) 1991، وتم لها ذلك خلال فترة قصيرة.

 

4.         حرب الخليج الثالثة (غزو العراق): حاولت الامم المتحدة التصدي للغزو الامريكي البريطاني للعراق الذي تم سنة 2003 خارج نطاق الشرعية الدولية ودون تفويض من الامم المتحدة التي باءت جهودها بالفشل لمنعه يوم 20 مارس (آذار) 2003 تحت ذريعة تخزينه أسلحة دمار شامل ممنوعة، وأسقطت الحكم فيه واحتلت البلاد، وبقيت القوات الأمريكية في العراق حتى 15 ديسمبر (كانون الأول) 2011.

 

5.         قضية النزاعات في السودان : كان للأمم المتحدة أدوار ومواقف، في تبلور قضية دارفور وقضية جنوب السودان التي بدأت عام 1962 . حيث اتهمت مصادر في الأمم المتحدة عام 2004 ميليشيات الجنجويد المناصرين لحكم الرئيس عمر حسن البشير بارتكاب مجازر في الإقليم. ثم فرض مجلس الأمن الدولي في مارس من عام 2005 عقوبات على الخرطوم ، وكذلك إحالة المتهمين بجرائم حرب إلى محكمة العدل الدولية. الامر الذي ادى الى توتر العلاقات بين الخرطوم والامم المتحدة خصوصا بعد أن رفضت الخرطوم نشر قوات سلام دولية في إقليم دارفور . ثم أصدرت محكمة العدل الدولية عام 2007 أولى مذكرات التوقيف ضد المتهمين بجرائم الحرب، كما أصدر مجلس الأمن قرارا بتشكيل قوة سلام في دارفور. وفي العام التالي 2008 تولت الأمم المتحدة كليا أمر القوات الأفريقية – الدولية اليوناميد في الإقليم، ، و في خطوة غير مسبوقة في عام 2009 أصدرت المحكمة الدولية التابعة للأمم المتحدة مذكرة اعتقال بحق البشير. ورعت الامم المتحدة عملية استقلال الجنوب عام 2011، كما أعلنت نهاية حرب دارفور..

 

6.         الامم المتحـــدة والربيع العربي :

 

1)         دور الامم المتحدة في ليبيا : كان للأمم المتحدة دورا بارزا في مسار الاحداث في ما سمي بثورات الربيع العربي . حيث ادت مصادقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار الرقم 1973 في 17 آذار – مارس 2011, الناجم عن دعوة مجلس التعاون الخليجي في 7 آذار – مارس, بالإضافة إلى دعوة الجامعة العربية في 12 آذار, الى فتح الباب أمام تدخل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبما وفّرته للانتفاضة من مستشارين عسكريين وإمكانات لوجستية وفرضها منطقة حظر جوي أرسى التوازن بشكل حاسم وغيّر الواقع الميداني مباشرة لصالح الثوار, الأمر الذي أدى إلى الإطاحة بنظام معمر القذافي .

 

2)         دور الامم المتحدة في سوريا : كان للأمم المتحدة دور مهم في المسألة السورية الناجمة عن ما عرف بالربيع العربي وباعتباره الجهة المنوط بها حفظ السلم، أصدر مجلس الأمن الدولي أربعة بيانات رئاسية حول الوضع في سوريا، في 3 أغسطس/آب 2011، و21 مارس/آذار 2012، و5 أبريل/نيسان 2012، و2 أكتوبر/تشرين الأول 2013، كما أصدر أربعة قرارات، شكلت أساس مقاربته للأوضاع القائمة. وفي 21 أبريل/نيسان من العام2013 ، اتخذ مجلس الأمن الدولي القرار الرقم (2043)، الذي أنشئ بموجبه بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في سوريا لفترة أولية مدتها تسعون يوما، وبدأت البعثة مهامها، لكنها قررت تعليق أنشطتها في 15 يونيو/حزيران من العام ذاته، قبل أن توقف عملها نهائيا بحلول أغسطس/آب 2013 . وفي 22 يناير/كانون الثاني 2014، عقد في سويسرا مؤتمر جنيف2، الذي استند إلى هذا البيان، والذي حضره لأول مرة ممثلون عن كل من الحكومة السورية والمعارضة. وفي العام 2013 حدث تطور جديد في دور الامم المتحدة في سوريا عندما ، أصدر مجلس الأمن في 27 سبتمبر/أيلول 2013، القرار الرقم (2118)، الذي طالب بالتخلص من الأسلحة الكيميائية السورية. واستند هذا القرار إلى الاتفاق الأمريكي الروسي الذي تم في جنيف، قبل نحو أسبوعين من ذلك التاريخ. وأعقبه قرار من المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية قضى بوضع إجراءات خاصة لتدمير البرنامج الكيميائي السوري، وفق جدول زمني متفق عليه.

 

7          . قضية البرنامج النووي الإيراني:  من الملاحظ من مسار الأحداث أن موقف الأمم المتحدة من البرنامج النووي الإيراني لا يتناسب مع موقف الأمم المتحدة من السلاح النووي الذي تملكه إسرائيل.  فالقرارات المباشرة المتعلقة بالتسلح النووي الإسرائيلي صدرت عن الجمعية العامة، كالقرار رقم 89/34 للعام 1979، والقرار رقم 93/41 للعام 1986.  كانت بائسة ولم تتعد مطالبة الدول الاخرى بالتوقف عن تزويد اسرائيل بالتكنولوجيا النووية .

 

 بالمقابل فإن مجلس الأمن لم يتوان عن التدخل في قضية البرنامج النووي الإيراني وفرض العقوبات على إيران.   بهذا الخصوص أصدر المجلس ثلاث قرارات: القرار رقم 1696 للعام 2006، والقرار رقم 1737 للعام 2006، والقرار رقم 1747 للعام 2007.

 

وطالب إيران، بعد أن ذكر بأنه يتصرف بموجب المادة 40 من الفصل السابع من الميثاق، بأن تعلق جميع أنشطتها المتصلة بالتخصيب وإعادة التجهيز، وأن تخـــــضع كل ذلك إلى التحــــــقق من قبــــــل الوكالة.  الخلاصة

 

بالإضافة إلى ما سبق كان للأمم المتحدة نشاطات ومهام لافتة اخرى تتعلق بالعرب والشرق الاوسط ، منها النزاع الحدودي بين البحرين وقطر الذي حسمته قضائيا وتحكيميا محكمة العدل الدولية عام 2001، بالإضافة الى قضية تورط ليبيا فيما عرف بقضية لوكربي  لوكيربي أصدر المجلس القرار 1506 بغالبية 13 صوتا وامتناع فرنسا والولايات المتحدة عن التصويت برفع العقوبات المفروضة على ليبيا.   وغير ذلك من القضايا . ورغم كل ذلك فقد اتسم تعاطي الامم المتحدة مع القضايا العربية والشرق اوسطية بغير الموضوعي ، حيث انطلق دائما من اعتبارات مصالح الدول الكبرى المسيطرة على سياسة مجلس الامن الدولي التابع للأمم المتحدة ، الامر الذي منع الامم المتحدة و مجلس الأمن الدولي من التصرف والقيام بمسؤوليتها في حفظ الأمن والسلم الدوليين.