موسوليني اختار بنفسه حكام بطولة العالم لكرة القدم 1934 وهتلر سخّر الرياضة للتعبئة الحربية
الملاعب ..استثمار ناجح لتسويق الشعارات السياسية وصرعات المجتمعات
لندن ــ الزمان تثير التأثيرات المتبادلة بين الرياضة والسياسة التساؤل حول قدرة المجتمع العالمي ومؤسساته السياسية والرياضية على لجم التداخل المتبادل بين اجندة السياسة والرياضة، الى الحد الذي تتحول فيه الملاعب والمهرجانات الرياضية الكبرى الى محافل سياسية، يتبارى فيها الجمهور على اظهار ميوله السياسية وميوله العقائدية .
وعلى رغم ان الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا ،
يحضر اقحام السياسة في فعاليات الكرة، الا ان ذلك لم يسفر عن نتيجة تلجم تدخلات السياسة .
لكن هناك من يعتقد بحتمية العلاقة بين السياسة والرياضة، لاسيما كرة القدم، التي تعد الرياضة الجماعية الأكثر شعبية في العالم، لهذا بسعى كثيرون الى استغلالها لصالح التعبئة لأجندة سياسية .
على ان الفعالية الرياضية في حقيقتها ليست بعيدة عن السياسة، فما ان تبدأ المباراة حتى تعزف الموسيقى الوطنية لدولتي الفريقين المتنافسين اللذين يرفع كل منهما علمه الوطني،ولعل هذا ممارسة سياسية في حقيقتها على ارض الملعب بحسب كثيرين يبررون التدخل والتداخل بين الجانبين.
ان اكثر الدعوات اليوم التي تهدف الى تجنيب المحافل الرياضية تأثيرات الصراعات و الجدل السياسي في العالم ، لا تجد اذنا صاغية لها، لان هناك الكثير من قوى السياسة في العالم التي تتعمد تسخير الرياضة في السياسة خدم لمصالحها وترويجا لعقائدها ووجهات نظرها .
وأحد أوجه العلاقة بين ملعب الكرة وساحة السياسة، مباراة ألمانيا و اليونان في ربع نهائي كأس أوربا 2012 في وقت تعاني فيه اليونان من الصعوبات الاقتصادية والأزمات الاجتماعية جراء أزمة الديون، اذ يشعر اليونانيون بأنهم مقيدون من قبل الألمان في منطقة اليورو، وقد قارن بعض السياسيين هذا الضغط الألماني على اليونان بممارسات الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية، ككا اثر ذلك كثيرا على نوع الشعارات السياسية التي يرفعها اليونانيون في الملاعب . ومثل هذه المقارنات أمر طبيعي في مجال الألعاب الرياضية وخاصة في اللعبة الأكثر شعبية في العالم وذلك بسبب أنها لعبة شعبية والمجال مفتوح فيها للتوقعات. والمباراة التي أقيمت على ملعب مدينة غدانسك البولندية لم تكن الأولى أو الأخيرة التي تمثل مواجهة سياسية واجتماعية بجانب المواجهة الكروية، لكن الذي يتغير هو مدى التأثير الذي تتركه مثل هذه المباريات.
النازية والفاشية في الملاعب
من الأمور المثيرة للاهتمام أن تتحدث قوى وتيارات مختلفة عن تسييس الرياضة، أو بالأحرى وهي تدرك الطابع السياسي للرياضة.
يرى الكاتب الأسباني مانويل فاسكيز مونتلبان 1939ــ2003 في مقدمة كتابة الصادر عام 1972 السياسة والرياضة ان اليسار ينتقد الرياضة بسبب أنها تميل الى صالح اليمين، وذلك من خلال تحويلها الى أداة للضغط القوي.
وقد تخلت الكثير من القوى اليسارية عن توجيه الانتقادات للرياضة في العقود الأخيرة وذلك بتشجيع من العديد من الشخصيات مثل مونتلبان، و وادواردو غاليانو مؤلف كتاب كرة القدم بين الشمس والظل عام 1995. وأرجع البعض هذه المصالحة بين المثقفين والرياضة الى الضعف الرسمي للفاشية . وقد أدرك هتلر وموسوليني قيمة الرياضة في تعزيز الكرامة الوطنية وخاصة تجاه السلطات الحاكمة. كما عزز موسوليني موقفه من خلال الهيبة التي اكتسبها بعد حصول بلادة على كأس العالم مرتين في عامي 1934 و 1938، بينما أصبحت ألمانيا بطل الأولمبياد عام 1936 كرمز للتقدير ولقوة النظام الحاكم وقوة عقيدته.
وفي بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1934 في ايطاليا، شارك موسوليني شخصيا في اختيار الحكام، وحضر جميع المباريات التي خاضها منتخب بلاده. وفي هذه البطولة، فاز المنتخب الايطالي في المباراة قبل النهائية على النمسا مسقط رأس هتلر، بينما وقعت ألمانيا في الدور قبل النهائي مع النرويج، والتي احتلتها القوات الألمانية فيما بعد. وقال جوبلز مسؤول الدعاية في النظام النازي ان الفوز بمباراة دولية أهم من السيطرة على مدينة ما. وفي أولمبياد برلين تمكن العداء الأمريكي الأسود جيسي أوينز من توجيه ضربة للعنصرية النازية ونيل أربع ميداليات ذهبية في مسابقات العدو مئة ومئتين و أربعمئة متر والوثب الطويل. وفي رياضة الملاكمة، احتفى النظام النازي باللاعب الألماني ماكس شيملنغ الذي استطاع أن يهزم غريمه الأمريكي جو لويز عام 1936 بمدينة نيويورك. واستفادت الأنظمة العسكرية في البرازيل والأرجنتين سياسيا من النجاحات التي حققتها في بطولات كرة القدم المختلفة.
الحرب الباردة
وخلال الحرب الباردة، أولت الولايات المتحدة وروسيا اهتماما كبيرا بتعزيز قدراتهما الرياضية كنوع من الدعاية لقوة بلادهما وذلك عبر اذاعة موسكو واذاعة صوت أمريكا، وهذا ما يفسر جزئيا تغاضي السلطات الرياضية في الدولتين عن قضايا تعاطي المنشطات، وحتى في الحالات الأكثر وضوحا للعيان. وكانت أبرز حالات التنافس بين القوى العظمى هي مقاطعة الولايات المتحدة وعدة دول غربية لدورة الألعاب الأولمبية بموسكو عام 1980 احتجاجا على غزو الاتحاد السوفياتي السابق لأفغانستان، وفي المقابل قاطعت موسكو دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجيلوس عام 1984. ولعدة سنوات، أصيب المئات من اللاعبين بما وصفه البعض بالشلل الرياضي وذلك جراء التعنت من قبل واشنطن وموسكو بعدم المشاركة في هذه البطولات بحسب هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي. وخاضت الولايات المتحدة وروسيا حربهما الباردة في أيسلندا عام 1972 عندما التقي لاعب الشطرنج السوفيتي بوريس سباسكي ونظيره الأمريكي بوبي فيشر في مبارة شهيرة للشطرنج، والتي فقد فيها اللاعب السوفيتي لقبه العالمي.
وانعكس البعد السياسي للمباراة على اللاعب السوفيتي الذي تعرض بعد الهزيمة لموجة من النقد الاعلامي والشعبي حيث اعتبرت الهزيمة أمام لاعب أمريكي بمثابة مهانة للدولة بالكامل، مما دفع اللاعب في نهاية الأمر الى مغادرة البلاد والحصول على الجنسية الفرنسية. وأحد أعنف مباريات كرة القدم اوما يعرف باسم حرب الكرة ، حيث وقعت مواجهات عسكرية بين هندوراس والسلفادور وذلك بعد سلسلة من المباريات بينهما في الفترة ما بين 6 و27 من يونيو عام 1969، وكان ذلك ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1970. وخلفت الاشتباكات بين البلدين نحو ألفي قتيل.
حرب الكرة
وبحسب الصحفي البولندي ريزارد كابسينسكي، وهو أحد الصحافيين المشهورين في ذلك الوقت بعد أن أوضح الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكرة القدم ان هذه اللعبة كانت فقط المحرك لهذا الصراع والتي استخدمتها الحكومتان لتبرير وتعزيز موقفيهما أمام شعبيهما.
وفي هذا العام، رفضت السلطات البريطانية منح تأشيرة لرئيس اللجنة الأولمبية السورية اللواء موفق جمعة بسبب علاقة جمعة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد. وفي شباط 2012 شهدت مباراة الاستقلال الايراني أمام الاتفاق السعودي على ملعب آزادي في طهران رفع لافتات وترديد هتافات سياسية من جماهير الفريق الايراني .
وبحسب وكالة الأنباء الايرانية الرسمية فأن جماهير الاستقلال حرصت خلال المباراة أمام الاتفاق على ترديد شعارات تؤكد أن الخليج العربي فارسي ، وهو شعار دأبت الجماهير الايرانية على ترديده خلال أي مواجهة ايرانية ــ عربية.
وعادة ما تشهد أي مباراة تجمع فريقاً أو منتخباً ايرانياً بمنافس خليجي أو عربي اثارة كبيرة وتجييشاً واضحاً في وسائل الاعلام الايرانية، الأمر الذي يسهم في زيادة حماس المشجعين، الذين يرددون هتافات ويحملون شعارات لا علاقة لها بكرة القدم. وكانت مباراة المنتخب الايراني أمام نظيره البحريني، في تصفيات كأس العالم أواخر العام الماضي، شهدت أحداثاً مشابهة، حينما رُفعت لافتات سياسية وصور للاعب البحريني علاء حبيل الذي اعتقل لبعض الوقت في البحرين على خلفية مشاركته في فعاليات خلال الاضطرابات التي شهدتها مملكة البحرين خلال تلك الفترة قبل أن يتم اطلاق سراحه. ويندهش المشجعون التقليديون للأندية الرياضية في العراق من التقنيات الجديدة والمثيرة التي يبتكرها الجيل الجديد لتشجيع أنديتهم المفضلة ومنها هتافات سياسية ودينية الى الحد الذي حذر فيه الاتحاد العراقي لكرة القدم جميع الأندية الرياضية من اطلاق مشجعيها هتافات سياسية ودينية، معتبرا ذلك خروجا على لوائح ومواثيق الاتحاد الدولي فيفا التي تحرم اطلاق الهتافات العنصرية والدينية.
كما دار مؤخراً جدل كبير بين الاتحاد الانجليزي, والفيفا حول وضع شعار زهرة الخشخاش على قمصان المنتخب الانجليزي في المباراة الودية الأخيرة أمام أسبانيا في يوم الذكرى وهي مناسبة تحتفل فيها دول الكومونويلث لتذكر الأرواح التي ماتت وهي تؤدي الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى، حيث أن اعلان انتهاء الحرب رسميا كان في 11 نوفمبر 1918. الفيفا رفضت في البداية وضع الشعار لأن قوانين الفيفا تمنع وضع أي شعارات تجارية أو دينية أو سياسية على قمصان المنتخبات الوطنية. وتحول رفع علم فلسطين هذا العام من قبل الجماهير خلال مباريات الدوري المغربي لكرة القدم الى ظاهرة، ولم يقتصر الامر فقط على رفع الأعلام، بل تعداه الى قيام روابط مشجعي بعض الأندية بتخصيص تبرعات خاصة بتأييد القضية الفلسطينية وابرازها. وسبق للجماهير المغربية أن رفعت العلم الفلسطيني في الملعب الكبير بمراكش حين قابل المنتخب المغربي نظيره التنزاني. واستغلت جماهير فريق سيلتيك الاسكتلندي، مباراة فريقها أمام برشلونة الاسباني العام 2012 ضمن دوري أبطال أوروبا لتعلن عن تأييدها للقضية الفلسطينية على طريقتها الخاصة. وبدأ لافتاً خلال المباراة التي أقيمت على استاد سيلتيك بارك ، معقل فريق العاصمة الاسكتلندية، تواجد الأعلام الفلسطينية، حيث طغت اللافتات المؤيدة والمناصرة للقضية الفلسطينية على مدرجات الملعب. واعتبر مراقبون أن رفع الأعلام الفلسطينية جاء بمثابة رد واضح على ادارة نادي برشلونة التي استجابت لدعوة الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط، الذي قامت حركة حماس بأسره على متن دبابة في الخامس والعشرين من شهر يونيو»حزيران 2006 قبل أن يطلق سراحه العام الماضي لحضور مباراة الكلاسيكو الأخيرة التي جمعته بغريمه التقليدي ريال مدريد .
وتتخذ جماهير كرة القدم الأوربية، وبالتحديد في غلاسكو، من الملاعب أرضاً خصبة للتعبير عن التعاطف مع القضية الفلسطينية، حيث يقطن عدد كبير من الفلسطينيين في الدول الأوربية، فيلعبون دوراً بارزاً في نصرة القضية الفلسطينية وحشد أكبر عدد من المؤيدين لها. ودأبت الأندية الايطالية على وجه الخصوص في ابراز تعاطفها الكبير مع الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، حيث زينت الأعلام الفلسطينية مدرجاتها في أكثر من مناسبة. وفي العام 2006 أثار ظهور العلم الاسرائيلي في بطولة كاس العالم دهشة المشاهدين حين قام لاعب غاني بحمل العلم ذي الخطين الزرقاويين واللذين يرمزان لحدود اسرائيل عن أرض الميعاد و الجري به حول الملعب عقب الفوز باحدى المباريات، وهو الموقف الذي تبرأت منه الخارجية الغانية، مجددة تأييدها لحقوق الشعب الفلسطيني .
وخلال مباراة البرازيل وهولندا العام 2009 والتي انتهت بفوز الهولنديين ظهر العلم الاسرائيلي في المدرجات، ثم وهو يرفرف احتفالا بهدف ويسلي شنايدر الثاني في مرمى الحارس خوليو سيزار، وهو مشهد ركزت عليه القناة الرياضية بالتليفزيون الاسرائيلي . ويمثل رفع العلم الاسرائيلي في مباريات الهولنديين، بما في ذلك مباريات الدوري المحلي أمراً معتادا نتيجة الوجود اليهودي التاريخي في أمستردام، حيث تدعي اسرائيل أن اليهود الفارين من اضطهاد هتلر وجدوا في نادي اياكس الشهير مركزا لحمايتهم، ولذلك بادروا بتأسيس الرابطة الرسمية لمشجعيه وجعلوا من العلم الاسرائيلي شعارا لها.
وشهد مباريات أياكس باستمرار ظهورا للعلم الاسرائيلي، الأمر الذي دفع مشجعي فريقي فينورد روتردام وايندهوفن تتبني مواقف مناصرة للفلسطينيين تصل لحد الهتاف بشكل جماعي لحركة المقاومة الاسلامية حماس .
كما أوقفت وحدة العمليات الخاصة في روما هذا العام شابا رفع العلم النازي، خلال مباراة نهائي الأمم الأوربية في كرة القدم.
ورفعت أعلام فلسطين بكثرة في مباراة أثلتيك بلباو الاسباني وهابويل ايروني كريات شمونة الاسرائيلي على ملعب سان ماميس معقل الفريق الباسكي وذلك ضمن الجولة الأولى من منافسات المجموعة التاسعة في مسابقة الدوري الأوروبي يوروبا ليغ .
وصاحت الجماهير الباسكية بأعلى أصواتها فلسطين حرة قبل بداية اللقاء وأثناء مجرياتها مع رفع الأعلام الفلسطينية بكثرة في مدرجات ملعب المباراة .
وعلى نفس المنوال، منع الامن المغربي رفع اللافتات السياسية من قبل الجمهور خلال اللقاء الكروي الذي جمع بين المنتخب الجزائري ونظيره الليبي في الدار البيضاء في تصفيات كأس أمم افريقيا 2013 ، حيث أعطيت أوامر صارمة الى قوات الأمن بمنع الجمهور من ادخال اللفتات التي تحمل شعارات سياسية الى الملعب عبر اخضاع الجمهور الى تفتيش دقيق.
وكانت الشعارات السياسية الممجدة لنظام العقيد الليبي المخلوع معمر القذافي في يوم من الايام هاجساً كبيراً للقائمين على التصفيات الرياضية التي يشترك فيها الفريق الليبي، وهذا ماحدث مع مباراة الجزائر وليبيا ضمن تصفيات نهائيات أمم افريقيا العام 2013.
AZP07
























