مهرجان الطرب الصوفي الأندلسي في دورته الجديدة بفاس
المرئي والمسموع بحثاً عن الحكمة
فيصل عبد الحسن
أحتفالاً بأختتام مهرجان الغناء الصوفي والموسيقى العالمية العريقة في دورته التاسعة عشرة، قبل أيام قليلة في مدينة فاس، وبمشاركة فنانين من مختلف بلدان العالم، صدحت كلمات المحبين مرددة في أفناء وزوايا فاس التأريخية
وكان قلبي خالياً قبل حبكم، وكان بذكر الخلق يلهو ويمزحُ، فلما دعا قلبي هواك أجابه، فلستُ أراه عن فنانك يبرحُ، رُميت ببين منك إن كنت كاذباً، إذا كنت في الدنيا بغيرك أفرح، وإن كان شيءٌ في البلاد بأسرها.
إذا غبت عن عيني بعيني يلمحُ، فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل، فلستُ أرى قلبي لغيرك يصلحُ .
بهذه القصيدة المغناة، وغيرها أُستذكر المحبون حب الله تعالى في قصيدة للشاعرالصوفي البغدادي أبو الحسن سمنون، الملقب بالشاعر المُحب، وقصائد مغناة لأبن عربي وأبن حزم، رددتها الأبهاء والزوايا.
شارك في المهرجان بدورته 19 فنانون من المغرب، مصر، سوريا، موريتانيا، تركيا، اليونان، أسبانيا، البرتغال، فرنسا، الولايات المتحدة، أفريقيا الجنوبية، والهند.
ودارت معظم فعاليات المهرجان في مدينة فاس، بباب المكينة، دار المقري، دار عديل، ساحة بوجلود، جنان السبيل، قصر البطحاء، ودار التازي، وسط حضور أجنبي وعربي ومغربي كثيف.
مملكة غرناطة
جاء في كلمة رئيس مؤسسة روح فاس محمد القباج، التي رعت أفتتاح المهرجان لقد أردنا أن نحتفي هذه السنة، من ضمن العديد من الأبعاد التي تزخر بها فاس، بذلك البعد الذي تجتمع فيه كل الأبعاد الأخرى، في نفس الخيمياء البارعة، التي تتجلى في الثقافة الأندلسية، حيث استطاعت هذه الأخيرة على مدى ثمانية قرون أن توحد بين الثقافة الأمازيغية والعربية والايبيرية والرومانية والقوطية.
وأن تجمع نفس البوتقة بين ثقافات الشرق والغرب، وأن تقرب في سياق البحث عن المعنى والحكمة بين مختلف الديانات الابراهيمية. وتمثل سنة 2013 الفرصة السانحة لتحقيق ذلك، حيث خلالها سيتم الاحتفال في الأندلس وفي العالم بألفية انشاء مملكة غرناطة على يد الزيريين.
وهي أيضا فرصة لنتذكر بأن مؤسسة روح فاس هي امتداد لهذه المغامرة الانسانية الرائعة، ويمكنها مواصلة الالتزام، بكامل الثقة والحماس، بمشاريعها الحالية ومنها مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة بوجه خاص وما سيأتي مستقبلا .
ترجمان الأشواق
وجاء في الكلمة الافتتاحية للمهرجان للمدير العام لمؤسسة روح فاس الأندلسية فوزي الصقلي في العصر الأندلسي ما بين القرن الثامن والخامس عشر الميلادي عاشت شخصيات متنوعة أمثال ابن طفيل، ابن رشد، موسى ابن ميمون، ريمون لول أو ابن عربي.
ولكن بصفة عامة، كانت المعرفة عند معظم المفكرين الأندلسيين أمثال ابن حزم أو ابن كابيرول، لا تنفك عن بعد أخر جوهري هو الحب عندما يتحرر من كل قيد كي يتحول تدريجيا الى حب كوني ومطلق.
ولقد كان بإمكان هؤلاء أن يستعيروا حكمة رابليه ليقولوا بأن المعرفة بدون حب هي انهيار للروح، وكانت الأندلس أيضا هي الأرض التي بلغ فيها تبجيل الأنوثة سموا في لياقة الحب وإبداع الشعر.
نمودج أخر مفقود ينبغي أن نعثر اليوم على ينابيعه الخفية وخباياه. نظام، الفتاة الحكيمة التي يتكلم عنها ابن عربي في ديوانه الشعري ترجمان الأشواق ، ربما تنفك عن الزمان والمكان وتعود من الشرق البعيد لتسائل هؤلاء الفلاسفة الذين مروا بفاس.
ولربما أتت، ظاهرة في خفاء، لتهمس لنا ما بين غناء وعزف وشعر، متدثرة بالنسيم العابر لفضاء باب المكينة، أو دروب المدينة العتيقة، عن سر هذه الأندلس المتجددة .
بين الجفن والحدق
وكان لمدينة فاس أهمية كبيرة في نقل التراث الإندلسي للأجيال الحالية، لأنها أحتضنت التراث الإندلسي منذ نكبة العرب بالأندلس، وهجرة العرب المسلمين القسرية منها إلى الربوع المغربية، وأستقرار أعداد كبيرة منهم في مدينة فاس، فنقلوا معهم تراثهم الغني لهذه المدينة العريقة.
وكان للإندلس أهمية كبرى في تذويب الأختلافات الفكرية والدينية، بجمعها ثقافتين ثقافة العرب المسلمين وثقافة الغرب.
ونقلت هذه اللحمة من ثقافتي الشرق والغرب إلى أوربا، فأتاحت روح التسامح والحب في الأصقاع التي وصلتها، و سرعان ما أستساغت الشعوب جوهر الثقافة الإندلسية، المتمثل بالتسامح وتقديس الحياة وأحترام المرأة والنظر إلى الطبيعة، وجمالها وأرجاع أعجازات الوجود إلى الله تعالى الخالق، البارىء، وصارت هذه الثقافة الاندلسية خلال القرون الماضية جزءاً مهماً من تراثها وقيمها الثقافية والفنية.
وصدحت في أرجاء مدينة فاس التي تعتبر من الحواضر الإسلامية العريقة المهمة، مأثورات شعرية صوفية أبدعها شعراء ومفكرون كبار عاشوا في الاندلس والمغرب، كأبن عربي وأبن رشد وموسى بن ميمون وغيرهم.
وأستعيد ذلك الزمن الإندلسي، فصار حضوره مسموعاً ومرئياً من خلال قصائد مغناة غنتها بألحان إندلسية عذبة، أمينة العلوي، عائشة رضوان، وعبير نعمة، فتناغمت الأصوات مع الموسيقى الشجية، وذكرت بالمدن المنكوبة في الاندلس، وأظهرت ثبات الذكرى في القلوب، التي لا يمحوها الدهر، مهما مضت عليها الأزمان، ولا يزال أهل الذكر يتغنون بذكر الله تعالى وتسبيحه شغلت قلبي عن الدنيا ولذتها» فأنت والقلب شيء غير مفترق وما تطابقت الأحداق من سنة »إلا وجدتك بين الجفن والحدق .
رحلة سحرية
وغنت الحناجر في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وآله أجمعين، مرددة محمد قد أتانا كالصباحِ» بنورٍ يجعل السكران صاحي » ويرقى بالرعاة إلى الفلاح» ويجعل من بُداةٍ فاتحينا» أبو الرحماء في عصر الذئاب» أبو العظماء في دنيا الصعاب» أبو الحكماء في صحرا السراب » أبو الأمم الثلاثة أجمعينا.
وكان لحضور الموسيقى القادمة من الهند، ومنغوليا والصحراء المورتانية، وقعاً خاصاً على السماع، فقد تغلغلت بحس شرقي عذب، مالئة النفوس بمشاعر الشجن، وباعثة الفكر على التأمل فيما بعد الحياة، في عالم المثال، والنقاء.
والمهرجان بجميع مفرداته بدا لمتابعيه، رحلة سحرية مع الأصوات العذبة والموسيقى الاندلسية والشعر، والألوان في عالم البحث في الغيب والشهادة وأستبطان المصير.
وعلى أمل اتساع الرؤية برؤية الحقائق من خلال المسموع بعد غيابها في حضرة الوجود المادي، والحياتي القاسي على الأنفس الرقيقة التي خلقها الله تعالى في أبداننا، من خلال الموسيقى ورؤية الجوهر، وما فطرنا عليه الله تعالى من محبة للخير والجمال والتفكر بما منحنا من فرصة للوجود والسعادة.
AZP09

















