
د. فيان فاروق
في ذكرى واحدة من أفظع الجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب الكردي، وهي الإبادة الجماعية التي طالت البارزانيين ضمن حملات الأنفال السيئة الصيت، يطلّ رئيس حكومة إقليم كردستان، السيد مسرور بارزاني، بخطابٍ ينقل من بارزان إلى بغداد رسالة صادقة وقوية، تنبض بدماء الشهداء وبإرادة شعب لم ينكسر.
كان خطابًا مؤثرًا وشاملًا، حمَل أبعادًا إنسانية ووطنية وسياسية عميقة، لم يكن خطاب مسرور بارزاني مجرد تأبين أو استذكار لحظة ألم، بل كان نداءً للعدالة، وتأكيدًا على ثبات الهوية الكردية وصمودها في وجه جميع محاولات القمع والظلم. فقد استحضر مآسي بارزان كلها، لكنها في الوقت ذاته أظهرت إرادة شعبٍ أبى إلا أن يكون سيدًا على مصيره، وحافظًا على كرامته.
مسرور بارزاني، الذي يُعرف بموقفه الثابت في الدفاع عن قضايا شعب كردستان، لم يكتفِ بتكريم الشهداء واستحضار مآسي الماضي، بل حرص على تحويل الذكرى إلى مناسبة لتجديد المطالبة بالحقوق والعدالة. وقد دعا في خطابه، وبصراحة سياسية نادرة، الحكومة الاتحادية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والدستورية تجاه ضحايا الأنفال والهجمات الكيماوية، مطالبًا بإنهاء سياسة التهميش تجاه حقوق الضحايا وذويهم، التي ما مازالت مستمرة على الرغم من مرور عقود على وقوع الجريمة.
الأهمية التي يوليها مسرور بارزاني لهذا الملف لا تنبع فقط من موقعه القيادي، بل من قناعة راسخة بأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن حفظ الذاكرة هو جزء لا يتجزأ من النضال من أجل كرامة كردستان وهويتها الوطنية. كما حمل خطابه تحذيرًا واضحًا لكل من يفكر في تكرار جرائم الماضي، مؤكدًا أن شعب كردستان، وبقيادته الواعية، لن يسمح بعودة الشوفينية أو التعدي على مكتسباته تحت أية ذريعة.
ولعل أبرز ما ميّز خطاب مسرور بارزاني هو الربط بين التضحيات الماضية والحقوق الحاضرة، بين الوفاء للشهداء والإصرار على مستقبل لا مكان فيه للظلم أو الإقصاء. وهو بذلك لا يخاطب أبناء جيله فحسب، بل يوجّه رسالة إلى الأجيال القادمة: أن تظل الذاكرة حية، وأنّ الكرامة الوطنية لا تُشترى ولا تُباع.
في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي يمر بها الإقليم والمنطقة، يبدو لافتًا أن القيادة الكردية، وفي مقدمتها مسرور بارزاني، اختارت أن تضع القضايا المبدئية كالعدالة للضحايا والحفاظ على الهوية في صلب أولوياتها. وهو خيار يُعبّر عن رؤية سياسية ترتكز على أساس الاستقرار بالعدالة، لا بالتهدئة الوقتية أو المجاملات الرسمية.
إن ذكرى الإبادة الجماعية للبارزانيين ستظل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الكردية، ولكنها أيضًا ستظل منارة للوعي والتكاتف، كما أراد لها مسرور بارزاني أن تكون، حين قال بوضوح: “لن ننسى، ولن نتنازل، وسنقف سدًا منيعًا في وجه كل من يهدد كرامة كوردستان”.
وعلى الرغم من قسوة التاريخ ومرارته، فإن شعب كردستان ما زال مؤمنًا بإمكانية بناء مستقبل مشترك مع جميع مكوّنات العراق، على أسس من العدالة والاعتراف المتبادل والاحترام الحقيقي للتنوع. لقد آن الأوان لأن تتحوّل الذاكرة إلى جسر تفاهم، لا جدار خصام؛ وأن تكون المأساة التي عاشها الكرد، دافعًا لمزيد من التلاحم الوطني، لا سببًا للتباعد والانقسام.
وفي هذا السياق، فإن دعوة رئيس الحكومة مسرور بارزاني إلى تحمّل الحكومة الاتحادية مسؤولياتها لا تأتي من باب الخصومة، بل من باب الشراكة الصادقة التي تستند إلى الحقوق والواجبات، في دولة اتحادية عادلة تسع الجميع. فكما أن شعب كردستان لن ينسى آلامه، فإنه أيضًا لا يغلق باب الأمل أمام أخوّة حقيقية مع باقي أبناء العراق.
سلامٌ على أرواح الشهداء، وسلامٌ على من يرفع راية الوفاء والعدالة، وسلامٌ على عراقٍ جديد يُبنى على المصارحة لا على الإقصاء، وعلى التعايش لا على النسيان.























