مطافئ أو 999 .. مشروع فني يقوم على فكرة مبتكرة
منصة تفاعلية لإطلاق الإبداع التشكيلي
أحمد عبد المجيد
لا تنتعش الثقافة البصرية بوجود مزيد من المتاحف وقاعات العرض التشكيلية، حسب، بل بالتقاط وتنفيذ افكار ابداعية غير مسبوقة يستلهم الموهبون والشباب، من تحولاتها رؤى لتطوير قدراتهم وتحفيز اذهانهم على الابتكار والتجريب. كما لا تزدهر ثقافة اللون والصورة وهندسة الفراغ المعماري، بشقيه الموروث الاسلامي والمستحدث المعاصر، الا بانتشار منصات تفاعلية تجمع الفنانين تحت سقف الابداع واستخدام مهارات تتلاقح خارج نطاق فضاء المحتوى التشكيلي.
وهذا ما اتجهت اليه متاحف قطر، علمياً، في سعيها لتأسيس ريادة ثقافية ذات ابعاد انسانية، من خلال تحويل مبنى قديم الى مشروع للقاء الفنانين تحت عنوان (مطافئ.. مقر الفنانين). ولهذا المشروع المبتكر في اهدافه ومرتكزاته قصة حدثنا عنها خليفة بن أحمد العبيدلي القائم على (مطافئ) أو ما يعرف اختصاراً بـ 999? وهو الرقم الهاتفي لجهاز الطوارئ، بالقول:
-ان المبنى في الأصل هو مقر للدفاع المدني تابع الى وزارة الداخلية وقد شيد للاستخدامات المتعلقة بهذا القطاع الأمني عام 1982? ورأت متاحف قطر أن الاستحواذ عليه وتحويله الى مشروع ثقافي، فكرة تنطوي على مفارقة وحداثة نوعية. وفعلاً تمت تسوية المبنى، مع المحافظة على واجهته التقليدية وعلى برج بارتفاع 20 متراً كان يستخدم لاغراض القفز والتدريب على حماية المدنيين من الحوادث والحرائق، وتتجه النية الى اعلان مسابقة فنية لتطوير هذا البرج، بما يتوافق مع فكرة المنصة التفاعلية للفنانين، التي خضعت للميدان قبل نحو ثلاثة اعوام وتحولت الى واقع يترجم برنامجاً سنوياً ريادياً ايضاً لاحتضان نحو 20 فناناً خلال 9 اشهر يمارسون خلالها محاولات في التجريب والرسم والنحت وبناء تصورات جديدة، وهو لا يخص الفنانين القطريين حسب بل المقيمين في البلاد من العرب والاجانب.
واجهة اصلية
وحرصت متاحف قطر على بقاء الواجهة الاصلية للمبنى والعديد من معامله الرئيسة اثناء عملية التجديد، لنحافظ بذلك على العديد من السمات الاصلية للمبنى. وقد عهد بتصميم واعادة تأهيل المبنى الى الفنان المعماري القطري، ابراهيم الجيدة، الذي تم تكليفه باعادة تصميم المبنى من الداخل لتلبية احتياجات الفنانين المقيمين.وتتمثل الجوانب الجمالية للمبنى في بساطة تصميمه، كما روعي في التصميم اعادة تشكيل احدى جهات المبنى الاصلية التي تتخذ شكل قرص العسل (الشهيرة للغاية بين المجتمع المحلي)، وذلك في دلالة على الهدف المتمثل في الجمع بين اصالة الماضي وحداثة المستقبل.وفي حين يحتفظ المبنى الجديد بالعديد من المزايا المعمارية الاصلية، تضم المساحات المعاد تأهيلها عدداً من المرافق الجديدة، من بينها مقهى ومطعم ومتجر للفنون وسينما ومرافق اخرى تخدم الفنانين. والى جانب ذلك، جرى تحويل كراج مطافئ الذي تبلغ مساحته نحو 700 قدم مربع الى ساحة مخصصة للمعارض تسمى (كراج كاليري) وسيتم استخدامه لعرض اعمال الفنانين وانتاجهم، وذلك في شهر حزيران من كل عام.والعبيدلي فنان تصويري يهوى الفن الفوتوغرافي وله تجارب في التصوير التقليدي تكللت بمعارض ومشاركات في كاليريات محلية وعربية. وقال لـ (الزمان) انه (اتفق مع اتحاد المصورين العرب -مقره الشارقة- على اقامة محاضرة تطبيقية امام جمهرة من المصورين لاستعادة ألق التحضير التقليدي للصورة بالاسود والابيض بعد غزو التقنيات الالكترونية الجديدة او ما يعرف بالديجيتل هذا الفن). وعرض العبيدلي امام (الزمان) مجموعة من صوره البورتريت جسدت وجوهاً بشرية تخفي هموماً وتطلعات انسانية وضع لها عنوان (وجوه).
وقال العبيدلي، الذي كان يتحدث الى عدد من الصحفيين الاجانب والعرب، بلغة انكليزية سليمة (ان هدف هذا الصرح هو ترسيخ مبادئ تقدير الفنون في قلب الدوحة. ويدير مطافئ برنامج مقر الفنانين بحيث يستضيف فنانين للاقامة 9 أشهر كل عام، ويصل الى ذروة تألقة عند اقامة معرض جماعي في كراج الكاليري) واضاف وهو يقود الصحفيين الى داخل المبنى للاطلاع على الورش والمشاغل التشكيلية الواسعة المطلة على شاطئ الخليج (ان هذا البرنامج مفتوح لجميع الفنانين التشكيليين العاملين وفي وسائل الاعلام المختلفة بالاضافة الى الموسيقيين والكتاب، كما ان هناك فرصاً متاحة لتنظيم معارض ثابتة).وتحدث العبيدلي خلال الجولة عن الخصوصية التي يتمتع بها الفنانون المشاركون والضوابط الصارمة التي تحول دون التدخل بهذه الخصوصية، كمنع الدخول الى ورش (ستوديوهات) الفنانين والى ساعات الدوام المفتوحة التي لا تعوق تواصل الفنانين مع التزاماتهم الدراسية أو الوظيفية، وهو أمر يحترم حرية الفنان ويقدم له فسحة للتأمل والتفكير الحر بوصفهما مرتكزين للابداع والابتكار.وخلال جلسة العمل على غداء في كافتريا ألحقت بمطافئ لتقديم الاكلات السريعة والمشروبات الساخنة والمرطبات الى الفنانين، قال العبيدلي، وهو يربط اراء هذا المركز باهداف استراتيجية تتولى تنفيذها متاحف قطر بوصفها مؤسسة مدعومة من اعلى المستويات الحكومية، (منذ تأسيسها عام 2005 اشرقت متاحف قطر على تطوير عدد من المتاحف منها متحف الفن الاسلامي والمتحف العربي للفن الحديث المعروف اختصاراً بـ (متحف) فضلاً عن مركز الزوار الخاص بموقع الزبارة الأثري، كما تقوم متاحف قطر بادارة كاليري متاحف قطر- كتارا وكاليري متاحف قطر- الرواق. اما المشاريع المستقبلية التي تعمل على تنفيذها فتضم الافتتاح المنتظر لكل من متحف قطر الوطني وسلسلة متاحف قطر الاولمبي والرياضي). وقال العبيدلي للصحفيين في جولة لاستطلاع الاوضاع على الطبيعة، وذلك بزيارة مشغل الفنانة التشكيلية الشابة رحمة السعدي التي كانت تنحت قطعاً طينية تجسد فتيات يرقصن بأزياء محلية محتشمة مستوحاة من لعبة شائعة لراقصة تؤدي حركاتها فوق غطاء علبة حلوى على الاغلب. كانت السعدي في غاية السعادة وهي تقدم نفسها وتتحدث عن عملها الذي تعتقد انها وصلت في انجازه الى بعض المراحل.
طين اصطناعي
ولوحظ قيامها بتصميم الاشكال الادمية على برنامج في الكومبيوتر قبل الشروع بتنفيذها على الطين الاصطناعي. ولم تستغرق الزيارة سوى بضع دقائق ليصحبنا العبيدلي، بعد ذلك، الى مشغل اخر، شابة اجنبية من المقيمات في قطر ترسم اشكالاً ومناظر بألوان زيتية هادئة. تحدثت عن مشروعها معربة عن السعادة بامكانية مشاركتها في المعرض الجماعي المنوي اقامته في حزيران المقبل باختتام الدورة الثانية التي تشارك بها .ومن خلال وثيقة فانه (تمت اعادة تأهيل مبنى مطافئ كي يضم 24 استوديو وساحة فنية لعرض اعمال الفنانين ومن اجل تعزيز وتيرة التفاعل المجتمعي. ومن بين هذه الاستديوهات، يوجد 20 استوديو مخصص للفنانين الذين يتم اختيارهم للانضمام الى برنامج مطافئ، فيما تخصص الاربعة المتبقية للفنانين الزائرين. وبهذه الطريقة، يتسنى تنظيم برامج توجيه وارشاد فني يقدمها مجموعة من ابرز الفنانين المحليين. كما يوفر البرنامج ملتقى يجمع بين الفنانين ومجموعة من الاسماء الدولية التي تستقطبها متاحف قطر الى البلاد. واخيراً، يتيح البرنامج للفنانين ميزة الدخول الى المتاحف والمعارض والمشاركة في المحاضرات والتواصل مع امناء المتاحف كافة).وفاتنا القول ان كافيتريا مطافئ تعرض في رفوف مكتبية على جدرانها سلسلة من الكتب والاصدارات الفنية والتاريخية لتحفيز الزبائن على ثقافة ، القراءة. وقد وجدنا من المناسب اهداء المكتبة نسخة من كتابنا (جورجيا لؤلؤة القوقاز – انطباعات صحفي عراقي عن بلد الينابيع الحارة). وكان العبيدلي مسروراً بهذه المبادرة واوعز الى موظفة العلاقات المرافقة بعرض نسخة الكتاب فوراً.وعلى مسافة قريبة من المكان وقع بصرنا على مركبة اطفاء (حمراء اللون) وعند السؤال عن وجودها قال (هي وسيلة مبتكرة لبيع الطعام الى الجمهور ومحاولة لتخليد وظيفة رجل الاطفاء).
وقبل مغادرة المبنى الذي من المتوقع ان يتحول الى مركز استقطاب فني للمواهب والطاقات التشكيلية خلال مدة قصيرة، قال العبيدلي ان (متاحف قطر وانطلاقاً من التزامها التام بتحفيز اجيال المستقبل على الاهتمام بالفنون والتراث وادارة المتاحف، تحرص على رعاية المواهب الفنية وتوفير الفرص القيمة وتطوير المهارات لخدمة المشهد الفني الناشئ في قطر.
وتسعى ايضاً من خلال توفير برنامج متنوع ومبادرات خاصة بالفن العام للخروج عن المألوف، فيما يتعلق بالمتاحف التقليدية واتاحة تجارب ثقافية خارج جدران هذه المتاحف لجذب واشراك اكبر عدد ممكن من الجمهور. ومن خلال تركيزها العميق على انتاج الفنون والثقافات داخل قطر وتعزيز روح المشاركة الوطنية، تسهم متاحف قطر في منح البلاد هوية خاصة وصوت مميز في الحوارات الثقافية التي تجري اليوم على مستوى العالم).
وينطوي هذا المشروع الثقافي المبتكر على اهداف اخرى تتعلق بالمجتمع المحلي تتمثل احد هذه الاهداف في توفير مساحة تفاعلية لا تقتصر على الفنانين فحسب، بل تشمل جميع افراد المجتمع بشتى شرائحه.
وقد تعاونت ادارة مطافئ مع جهات ومنظمات محلية حول عدد من الانشطة في هذا الصدد، من بينها تنظيم ورش عمل ومشروعات تعاونية مصممة خصيصاً لجذب جميع المنخرطين في البرنامج، بالاضافة الى افراد المجتمع باكمله.ويعكس هذا المشروع، ايضاً، رؤية متاحف قطر في اثراء حياة المقيمين في البلاد وزائريها، الى جانب مساعدة البلاد في صياغة هوية ثقافية خاصة بها تقوم على الابتكار والابداع وتنأى بالعقل عن التقليد والاستنساخ المفرط، وهو مطب يقع في سلبياته كثير من الفنانين او من يتوهمون بأنهم يصوغون تركيباتهم وتعبيراتهم الذوقية، من وحي تجاربهم ونضح عقولهم.
























